خواطر عابرة – الـفـقـر: مشاهد ومظاهر


مما ينسب إلى الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ] قوله : >كاد الفقر أن يكون كفراً<، وذلك لما للفقر من آفات تنعكس على الفرد الفقير وأسرته، ثم على المجتمع برمته.

وللفقر عدة مظاهر، بعضه يتجلى في سوء الحال التي عادة ما يظهر بها الفقراء، أو من يريد أن يظهر كذلك، وبعضه يظهر في صور أخرى، تشمئز منها العيون وتقشعر لها الأبدان، وقد تنخلعُ لها الأكباد خَوْفاً وهلعاً، وهذه بعض المشاهد :

– كنت مرّة ماراً قرب محطة للمسافرين، حينما اعترض طريقي شاب أنيق ضخم الجثة، فطلب مني مساعدته على شراء تذكرة سفر للعودة إلى بلدته، وأن ظروفا ما أدّت إلى ضياع ما معه من مال، طبعا كان مظْهَرُه مقنعا، وطبعا أيضا أن هذه طريقة يلجأ إليها العديد من المحتالين والنصّابين، لكن الذي ليس طبعيا ولا طبيعيا، هو أنه بعد فترة، اعترض طريقي هذا الشاب في المكان نفسه، موجّها الطلب ذاته، فقلت له : >أما زلتَ هنا؟ ألم تطلب مني نفس المساعدة في وقت مضى؟!< فكان جوابُه : >أيُّهما أفضل لك : أن تُسلِّم لي المبلغ مختاراً، أو أن أضع يدي في جيبك مكرها؟!<.

– في مدخل من المداخل الرسمية لمدينة فاس وربما لغيرها من المدن، يقف مجموعة من الشبان على أهبة الاستعداد فوْق دراجات نارية، لماذا؟ ينتظرون الصيد.. ينتظرون سائحا غربيا لكي يتعقب أحدهم خطواته..

– في بعض الدول الخليجية، وربما في غيرها، لا تخطئ عين الزائر عدداً من بائعات الهوى، من بنات جلدتنا وقومنا..

– في حديث مع زائر عربي من دولةٍ، ربما تفوتنا فقراً، فاجأني بقوله : >المغرب بلد جميل وخيراته متنوعة، لكن حالة أبنائه بئيسة< قلت له : >من أين عرفت ذلك؟<، قال : >كثرة المتسولين، كثرة المتسكعين.. ثم إنني حينما أردت صعود إحدى الحافلات فوجئت بـ..< فقلت له : >فهمت، لا تكمل…<

………

شكليا، على الأقل، كل هذه المشاهد من تجليات الفقر.

– الفقر يدفع صاحبه إلى التسول.

– الفقر يدفع صاحبه إلى السرقة.

– الفقر يدفع إلى الدعارة.

– الفقر يدفع إلى كسب المال بأي وسيلة.

وإذا ما تفشى الفقر في مجتمع، تظاهر كل جشع بالفقر، وفتح أبواب التسول وقطع الطرقات، وافْتُقد الأمن وشُوهت سُمْعة البلد.

أعجب كل العجب حينما أرى مجتمعات أشد فقراً منا، ومع ذلك لا تسول عندهم، لا بيع للهوى في بناتهم ونسائهم، لا سرقة، لا ذُل، لا رشوة لا ركوب في قوارب الموت، لا، لا، لا…

إذن ليس الفقر وحده هو المشكل، ولكن المشكل في من يريد من الفقير أن يزداد فقراً ومن الغني أن يزداد غنًى.

المشكل في عدم التخطيط لمكافحة الفقر، ومحاربة مظاهره، تربويا وسياسيا واقتصاديا.

المشكل في ارتفاع الأسعار يوميا، دون رقيب أو حسيب أو مُنْكِر.

المشكل قبل ذلك وبعده، في إبعاد القيم الدينية والخلقية من مجتمعنا وتربيتنا وتعليمنا، حتى أصبح لا هَمَّ له إلاَّ نفسه وبطنه ومصلحته.

د. عبد الرحيم بلحاج

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *