الخطاب الإرضائي لدى بعض المنابر الإسلامية (في إطار الحوار مع الآخر): أنواعه وأسبابه


(في إطار الحوار مع الآخر): أنواعه وأسبابه

الخطاب الإرضائي بضاعة الضعفاء أمــام الأقوياء

نقصد بالخطاب الارضائي في هذا السياق التنازل عن مقومات الذات لسبب أو لآخر، واستعمال كل العبارات التي لا تؤدّي إلى إثارة مشاعر الآخر (المخاطب) : تلك العبارات التي تحيد عن قول الحق قصداً، وتساير أفكاره ومبادئه ولو على حساب السنن الربانية، والحقائق التاريخية والواقعية. وهذا أسلوب يلتجئ إليه الضعفاء، عادة أمام الأقوياء، أو المغرضون الذين لا يعنيهم إلا النتائج التي يسعون إلى تحصيلها مهما كانت وضاعة الطريقة المتبعة لأجل ا لوصول إليها.

ويسلك هذا النهج أيضا بعض المدجنين من أبناء الشعوب المغلوبة تحت تأثير جهلهم بحقائق أصول حضارة أمتهم، التي تميزهم عن غيرهم، أو نتيجة غسل أدمغتهم بثقافة مستوردة ملأت الفراغ في لحظة من اللحظات التاريخية التي أصيبت فيها أمتهم بألوان من الضعف والوهن.

في هذا السياق تعرف الساحة الإعلامية المنسوبة إلى الإسلام أصنافا من هذا الخطاب نفاجأ به من حين لآخر من خلال هذا المنبر أو ذاك، والبعض من هؤلاء أو أولائك معذور إن كان موقفه عن قناعة شخصية شريطة أن لا يصادر رأي غيره، أو يكون موقفه ذاك ناتجاً عن سذاجة، أو خديعة ماكرة تجعله موظفا ضد أمته وكيانه دون شعور.

وهذا الضعف ناتج عن ترويض أفكار المجتمعات الإسلامية لتَخنع لافكار غيرها من الخصوم، وتركع ثم تستسلم لها عبر مراحل لتذوب فيها بالمرة، وما تعرفه مظاهر الحياة في المجتمعات الاسلامية أكبر شاهد على ذلك.

ولهذا الصنيع أي العمل على زحزحة المسلمين عن أفكار دينهم أسباب تاريخية وإجراءات عملية لم تتوقف منذ أن ظهر الإسلام إلى اليوم.

الخطاب الإرضائي بين المسلمين وأهل الكتاب وقت قوة المسلمين عفوٌ وصفح وتجاوز 

من أسباب العداء الحقد الدفين :يقول الحق سبحانه {ودَّ كثيرٌ من أهل الكتاب لو يردّونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنْفسهم من بعدما تبين لهم فاعفوا واصفحوا حتى ياتي الله بأمره، إن الله على كل شيء قدير}(البقرة : 108).

يقول صاحب كتاب “الاسلام لله تعالى” : بخصوص هذه الآية(1) >ويتمنى الحاسدون زوال النعمة عن المحسود، ولهذا تمنّى أهل الكتاب زوال نعمة الإيمان عن المومنين وانتكاسهم إلى حمأة الكفر، وهذا الحسد نابع من أعماق أنفسهم، وودادتهم هذه ليست نابعة من حبهم لدينهم وتعصبهم له، وإنّما مصدرها الحسد الذي يملأ نفوسهم، فلا يهمهم أن تَدْخُلُوا في دينهم بقدر ما يهُمُّهم أن يخرجوكم من دينكم، ويجعلوكم تنبذون كتابكم، وتعرضون عن شريعتكم، هذا الذي يتَمَنَّوْنَه ومن أجله يرسمون الخطط، ويعقدون المؤتمرات، ويرصدون له الأموال الكثيرة {من بعد ما تبيّن لهم الحق} أي من بعد علمهم أنكم على حق.. (وقد نجحوا في هذا الأمر إلى حد بعيد..)

وفي مقابل حسدهم للمومنين، أمر تعالى المومنين أن يقابلوهم بالعفو والصفح ودفع السيئة بالحسنة، ولذا قـال : {فاعفوا واصفحوا} أي تجاوزوا عن حسدهم وبغيهم وارتفعوا إلى المستوى السامي الرفيع للأخلاق الإسلامية مادام حسدهم حَبِيس صدورهم فقط، أما إذا دَفَعهم الحسد إلى البغي والظلم والعدوان فإن الله شرع لكم حينئذ أن تقاتلوهم لدفع شرهم عنكم وذلك ما يدل عليه قوله تعالى {حتى ياتي الله بأمره} أي حتى يشرع الله لكم حكمه، وهو الإذن بقتالهم. فالأمر بالقتال، أو مسالمة الأمم والشعوب أمران مشروعان في الإسلام، والأمر منوط بما يراه ولي أمر المسلمين فإذا رأى أن المصلحة تقتضي مسالمتهم سالمهم، وإذا رأى أن المصلحة تقتضي قتالهم قاتلهم، قال تعالى : {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكّل على الله إنه هو السميع العليم}(الأنفال : 61).

يتضح مما سبق أن أسّ العداء بين المسلمين وأهل الكتاب منطلقه -كما يقرر ذلك القرآن الكريم- هو حقد أهل الكتاب على المسلمين وحسدهم لهم، والمقرر لهذه الحقيقة هو الله تعالى الذي هو رب الجميع، وهو الذي يشهد لهم من خلال القرآن أنهم ليسوا على درجة واحدة من الحقد وفساد السلوك وهو ما قال فيه الحق سبحانه {لَيْسُوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون}(آل عمران : 113)، وقال {ولتجدنّ أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى}(المائدة : 84) بعد قوله {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا}.

فهذه الشهادة التي تميز بين ما هو سلبي وما هو إيجابي من مواقف أهل الكتاب حيال المسلمين تدل ولاشك أنّها شهادة صدق، وكيف لا وهي شهادة العليم الخبير (رب السماوات والأرض وما بينهما)!.

تغيُّرُ الخطاب وتنوعه يتمَّان حسَب المواقف الصادرة من أهل الكتاب

بناء على ما سبق فإن المسلم يتكون لديه احساس شديد إزاء تعامله مع أهل الكتاب وغيرهم وبالخصوص إذا صاحبت هذه الشهادة أحداث متوالية عبر التاريخ  إلى اليوم.

ولم يترك القرآن الكريم المسلم أسِيرَ هذا الإحساس على إطلاقه بحيث يجعله مُنْطَلَقًا لتحديد سلوكه وخطابه إزاء الآخرين، وإنما فصل له الأحوال والظروف التي تجعله يُغَيِّر موقفه وخطابه حسب ما يحددُه موقف أهل الكتاب أنفسهم، وحالهم التي يعيشونها بين المسلمين أو بجوارهم أو ضدهم.

قال تعالى : {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربّنا الله}(الحج : 38).

وقال : {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها}(النساء : 24).

وقال : {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم}(الممتحنة : 8).

فالموقف الذي يتخذه المسلم من الآخر يحدد نوعه في الأصل موقف غيره منه.

وعلى هذا الأساس يمكن القول بأن المسلم في أصله مسالم ما لم يضطر إلى اتخاذ موقف العداء. وحتى عندما يُحوج إلى اتخاذ هذا الموقف أوذاك فإنه مقيد بنص القرآن قال تعالى : {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين}(البقرة : 193).

يتضح مما سبق أن المنطلقات تختلف بين هؤلاء (المسلمين) وأولئك (أهل الكتاب) ففي الوقت الذي يعلن فيه القرآن الكريم أن أهل الكتاب أو جلهم -حتى لا نظلم أحداً- يحملون حقداً دفيناً للمسلمين، يتقيد المسلمون بحسن المعاملة وفق ما أمر به الله حتى في اللحظات الحرجة التي تجعل الإنسان بطبعه يتصرف إزاء أخيه الإنسان تصرفاً غير لائق، وذلك أثناء الحرب بين الطرفين، حتى في هذه اللحظات يؤمر المسلمون بالتزام تقوى الله، وهي مفهوم يضمن حق الظالم المعاقب بحيث إن العقاب لا ينبغي أن يتجاوز قدر التأديب إلى المس بكرامة الإنسان {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله} ويبدو أن قبول هذا السلوك الاعتدالي عند المسلم -كما هو مقرر بنص القرآن- أساسه منطلق التدين عند المسلم، فالدين دين الله كما بعث الله به جميع الرسل ما لم يخضع لتحريف في مضمونه، أو تزوير لحقائقه.

أورد صاحب كتاب “من أجل خطوة إلى الأمام” في هذا السياق تحت عنوان “أعداء الأنبياء” ما يلي : >… الأنبياء عليهم الصلاة والسلام شيء واحد الإيمان بهم جميعا واجب، والكفر بواحد منهم كفر بالجميع قال تعالى : {إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نومن ببعض ونكفر ببعض، ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولائك هم الكافرون حقاً}(النساء : 150) وقال : {من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكائل فإن الله عدوّ للكافرين}(البقرة : 97) وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح : (الأنبياء إخوة).

من هذه النصوص نُدرك أنّ كل من كفر برسول من الرسل فقد كفر، ومحمد  هو خاتم رسل الله قال تعالى : {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيئين}(اسورة الأحزاب) ومن عادى رسولاً فقد عادى كل الرسل والأنبياء)(1).

هكذا يتضح أن المسلم لا يجد حرجاً في أن يومن برسول من الرسل فدين الله واحد والرسل عليهم الصلاة والسلام رسل الله، ولا فرق بين هذا وذاك إلا من حيث ما تقتضيه حكمة الله في تطور التشريع للإنسان.

سماحة المسلمين أثناء سيادة الإسلام هي المنهج الأرشد :

يقول صاحب كتاب “آلتعصب والتسامح بين المسيحية والاسلام” : >.. والواقع أن الإسلام ينظر إلى من عاهدهم من اليهود والنصارى على أنّهم قد أصبحوا من الناحية السياسية أو الجنسية مسلمين، فيما لهم من حقوق، وما عليهم من واجبات، وإن بَقُوا من الناحية الشخصية على عقائدهم، وعبادتهم وأحوالهم الخاصة، ومن ثم فهو يقيم نظمه الاجتماعية على أساس الاختلاط والمشاركة، ولا يرى حرجاً من أن يشتغل مسلم عند أهل الكتاب، أو يشتغل أهل الكتاب عند مسلم، وإن كان كثير من اليهود والنصارى لا يقدرون هذا النُُّّبل، وربما استغلوا هذه السماحة في الإساءة إلى الدين الذي وسِعتْهُم دائرته المرنة، وإلى القارئ الشواهد المبنية على صدق ما أسلفنا :

1- روى الطبراني عن كعب بن عجرة أنه اشتغل عند يهودي، فسقى له إبله كلّ دلْو بتمرة، وأخبر النبي  بذلك فما أنكر عليه شيئا.

2- روى أبو يعلى مثل ذلك عن علي بن أبي طالب، وقد استخدم النبي  في هجرته قائداً مشركاً.

3- ولما فتح المسلمون الأوائل أقطار الدنيا المعروفة يومئذ أبقوا الموظفين في أعمالهم الأولى، فلم يكرهوا أحداً منهم على الإسلام، ولم يفصلوا رجلاً من عمله.. قال الدكتور “تروتن” : >كانت عادة الحكومة قد جرت على استعمال النصارى الذين قلما خلا منهم ديوان من دواوين الدولة<.

4- ونلاحظ في سنة 263هـ وجود إيصال ضريبة باللغتين : العربية واليونانية وقد استعملت اللغة العربية لأول مرة في أعمال الحكومة باصفهان  زمن أبي مسلم كما أننا نرى رجلا مسيحيا يتولى إدارة السجن قريبا من الكوفة سنة 26 هـ وقت أن كان الوليد بن عقبة عاملا عليها.

5- ولما تم للعرب (المسلمين) فتح مصر أبقوا من فيها من العمال البيزنطيين.

وقد أسرف الحكام المسلمون في استخدام أبناء الديانات الأخرى، واستغلوا سماحة الإسلام في معاملة أهل الذمة استغلالا جعل أحد الشعراء يقول مُندِّداً بعلو المنزلة التي وصل إليها اليهود:

يهود هذا الزمان قد بلغوا

غاية آمالهم وقد ملكوا

العزّ فيهم والمالُ عندهمو

ومنهموا المستشار والملك

يا أهل مصر إني قد نصحت لكم

تهوَّدُوا قد تهوَّدَ الفلك

والأساس الذي تدور عليه معاملة اتباع الديانات الأخرى يختلف بين المسيحية والإسلام، فبينما يقبل المسلمون وجود أديان مغايرة لدينهم، ويرفضون إكراه أحد على ترك ملته، ويرضون أن يتألف المجتمع من مسلمين وغير مسلمين، ويشرّعون نُظماً عادلة لتطبق عليهم وعلى من في ذمتهم من مسيحيين ويهود، بينما نفعل ذلك نرى المسيحية تتبرم بالديانات الأخرى وترسم سياستها الظاهرة والباطنة لإبادة خصومها أو تحقيرهم وحرمانهم حتى ترغمهم على ترك دنيهم وتجبرهم على النصرانية جبراً.

وبينما يقول القرآن {لا إكراه في الدّين} تنسب الكتب المقدسة للمسيح أنّه قال لحوارييه >اجبروهم على اعتناق دينكم<(2) (ولا أرى المسيح عليه السلام يقول هذا).

هذا بالنسبة للمسيحية أما اليهود فلسنا في حاجة إلى البحث في عمق التاريخ، أو في القرآن الكريم عن أساليب مكرهم وخداعهم ضد المسلمين، فما حدث ويحدث في فلسطين شاهد صدق على ذلك.

أسباب الخطاب الإرضائي تتلخص في الخواء الروحي أمام الغزو الفكري :

رأينا أن المسلم ليس من حقه أن يريق دم انسان إلا أن يجبر على ذلك لحفظ كرامته قال تعالى : {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا…}.

وقد شدد الحق سبحانه النكير على من يقتل نفسا دون موجب شرعي، حيث اعتبره عدو الإنسانية قال تعالى : {من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا..}(المائدة : 34) ولو تأملنا أسباب انطلاق شرارة الصراع بين المسلمين وغيرهم لوجدنا أنها ثابتة في جوهرها، وإن تغيرت اجراءات التنفيذ التي تأقلمت مع بعض الأطماع الظرفية، فالظلم ظلم مهما تعددت أسبابه وتنوعت اجراءات ممارسته مثل : الإ خراج من الديار، أو ما يقوم مقامه كالهجوم على الديار وسلب ما في الديار، والتَّحْجِير على الفكر {إلاَّ أن يقُولُوا رَبُّنَا الله} وعندما نتأمل هذا وغيره من أساليب الإذاية التي تلحق المسلمين من لدن غيرهم نلخصها في : حرمانهم من ممارسة حقهم المادي والمعنوي.

إنه الإذلال والإهانة والحرمان، وربَّما المسخ أحيانا، أي مسخ شخصية المسلم حتى لا يتمتع بكيان مستقل يميزه أمام غيره.

يقول صاحب كتاب “آلاتجاهات الفكرية المعاصرة” : >يأسف الناس حين يسمعون بغزو عسكري يستهدف بالدرجة الأولى الأرض والتراب.. بيد أنهم لا ينتبهون إذا تعرضوا لغزو فكري، ولا يأسفون إذا أحسوا ذلك الغزو، مع أن هذا اللون من الغزو يستهدف أشرف ما في الإنسان، قلبه وعقله، عقيدته وفكره، ولقد يكون ذلك راجعاً إلى ما يسلكه الغزو من سبل الدس والتدليس الأمر الذي قد لا تحسه الشعوب حتى تفاجأ بعد ذلك بنتيجته الأليمة، ولقد كان التفكير في (هذا) مع ما أحسه الغرب من خطر الإسلام، وما أسماه بعضهم “المصيبة الإسلامية” وأحسوا معها أن الغزو العسكري لن يجدي مع هذه العقيدة الزاحفة، ومن ثم انتهى مكرهم إلى أنه لابد للشجرة أن يقطعها أحد أبنائها<(3).

وجاء في الهامش: >إذا أردتم أن تغزوا الإسلام وتخضِّدُوا شوكته، وتقضوا على هذه العقيدة، التي قضت على كل العقائد السابقة واللاحقة لها، والتي كانت السبب الأول والرئيسي لاعتزاز المسلمين وغزوهم للعالم، عليكم أن توجهوا جهد هدمكم إلى نفوس الشباب المسلم والأمة الإسلامية، بإماتة روح الاعتزاز بماضيهم وكتابهم القرآن وتحويلهم عن كل ذلك بواسطة نشر تقافتكم، وتاريخكم، ونشر روح الإباحية وتوفير عوامل الهدم المعنوي، وحتى لو لم نجد إلا المغفلين منهم والسذج البسطاء لكفانا ذلك لأن الشجرة يجب أن يتسبب لها في القطع أحد أغصانها<(4).

لاشك أن هذا النوع من الغزو الذي تمت الدعوة إليه والذي لا يزال مستمرا، بحيث تبدو أماراته في شتى مرافق الحياة في البلاد الإسلامية دون تفصيل.

وقد مهد للغزو باجراءات مادية تتجلى في الغزو العسكري، وما صاحبه من إجراءات التعامل الإنساني المشبوهة.

يقول نفس المؤلف في موضع آخر من كتابه : >استمرت الحروب الصليبية قرنان… ولسنا نسجّل تاريخا، ولكننا نستخلص من وقائع التاريخ  حقيقة (هي) أن الهدف الكامن وراء تلك الحروب كان هدفا صليبيا واضحا وذلك ما تكشف عنه دعوة البابوات إلى هذه الحروب ومشاركتهم فيها، فإن المؤرخين يسجلون أن أول من دعا إلى هذه الحروب كان البابا سلفستر الثاني 1002م، وجاءت مرحلة الاحتلال العسكري للبلاد الاسلامية كلها تقريبا<(5).

وقد تلت هذه الاحتلالات مفاهيم فكرية غريبة عن كيان المجتمعات العربية الإسلامية أحدثت انشقاقات في صفوف أبنائها فصارت الشجرة تقطع على يد أغصانها كما هو الحال في فلسطين على سبيل المثال لا الحصر.

أورد  صاحب كتاب “شرخ في جدار الروتاري مجموعة من االمصطلحات ذات المضامين التضليلية نقف عند واحد منها لكونه أنسب لسياق الموضوع الذي نحن بصدد الحديث عنه هو :

التفاهم الدولي : يقول صاحب هذا الكتاب : >التفاهم الدولي معناه بصورة عامة أنه يجب على كل انسان أن يتخلى عن ذاتيته الإيمانية والعقدية، والسياسية واللغوية حتى يمكن صهر كل الذاتيات في بوتقة واحدة تخدم مصلحة واحدة، وتحقق هدفا واحداً هو صنع مجتمع عالمي لا ديني يذيب العداوات بين اليهود وشعوب الأرض قاطبة ويعتبر بأن السلام العالمي لن يتحقق إلا بضمان استقرار هذا الكيان المزروع في قلب بلاد المسلمين واستعادة بناء هيكل سليمان مكان القدس الشريف<(6).

تلك هي بعض أسباب الخطابات الإرضائية التي تصدر من مسلم لأهل الكتاب أو غيرهم ممن ليسوا مسلمين.

وهو لا يخلو إمّا أن يكون خطاباً شرعياً أي موافقا للأخلاق الإسلامية وفق ما يرضي الله تعالى دون مجاملة كاذبة أو تحريف لأمر من أمور الشرع قصد إرضاء المخاطب (الكتابي أو غيره) وهذا لا يصدر إلا عن مسلم في موقع القوة يعامل غيره برحمة الإسلام وأخلاق.

وإما أن يكون أي الخطاب غير ما ذكر، وهذا لا يصدر إلا عن جبان خائف ضعيف، أو جاهل مخدوع، أو مغرض طمّاع.

وهذا المخاطِبُ بكسر الطاء لا يُعيرُ وزْْناً لشخصه ولا دينه.

والسؤال الوارد بقوة هل كل مسلم ممن يُجامِلُ غير المسلمين اليوم في موقع قوة؟!

كثيراً ما يُتَحدَّث عن التسامح، هذا الاسم الوارد على وزن “التفاعل” تعني هذه الصيغة “التفاعل” من جملة ما تعنيه في اللغة العربية المشاركة بين اثنين مثل “التسابق” و”التفاهم” والتشارك فكل ثنائي تطلق عليه هذه الصفة فإن الأمر يعني أنهما متساويان في أمر مّّا.

فهل المتسامَح فيه بين المسلمين اليوم ومن يدعوهم إليه يشترك فيه الطرفان على قدر من المساواة؟ أو بعبارة أخرى هل يشتركان بنفس المقدار في كل مقوم من مقومات السيادة حتى تكون لكل منها قدرة على التنازل الإرادي على ما يراه مناسبا ليقربه من الآخر، مقابل قناعته بما تنازل عنه الآخر لصالحه، هل وهل وهل؟!

د. الحسين كنوان

—–

1- خطوة إلى الأمام سعيد حوى ص 77.

2- التعصب والتسامح بين المسحية والإسلام، محمد الغزالي.

3- الاتجاهات الفكرية المعاصرة د. علي جربشة ص 11- 12.

4– عن كتاب : غزو العالم الإسلامي للمستشرق شاتلي ص 264 نقلا عن الأستاذ حبنكة< انتهى.

5- نفسه ص 40.

6- عن كتاب شرخ في جدار الروتاري : أبو اسلام أحمد عبد الله ص 21.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *