مجرد رأي – التهافت على الإستوزار


… طالعتنا صحف الأمس بأرقام مهولة لطالبي الاستوزار في العديد من أحزاب الكتلة بل وحتى تلك التي لم يكد يصوت عليها أحد. فنحن إذا إزاء سباق محموم وغير مسبوق -في حدود علمي- للفوز بحقيبة أو حتى “بزطام” وزاري كيفما كان لونه أو حجمه، المهم “صبعي تما وربي كبير”. إ ن هذا الماراطون الاستوزاري يستحق أن يُبوئ بلادنا مكانة رفيعة تدخل به كتاب گينيس للأرقام القياسية، ولربما تترشح بلادنا بفعل هذا السباق مستقبلا لخوض منافسات اختيار العجائب السبع؟!

ولي اليقين بأننا سنفوز باللقب فلا يشق لنا غبار في مثل هذه الأمور.. فالمعروف في ثقافتنا وقيمنا التي ندافع عنها في المحافل الدولية وعلى شاشات التلفزيون الرسيمة، أن المسؤولية تكليف وليست تشريفا وأنها مغرم وليست مغنما. رحم الله عمر بن عبد الخطاب الذي كان يفر من المبايعة عندما عرضت عليه بعد وفاة أبي بكر، ولم يقبلها إلا مكرها وعندها خطب في الناس وجلا خائفا من المسؤولية العظمى التي حُملها وأشهد من حمله تلك المسؤولية قائلا لهم “أعينوني ما أطعت الله ورسوله فيكم وإن زللت فقوموني بسيوفكم”. ولما سأله بعض الصحابة لماذا لم يولي ابنه عبد الله من بعده قال كلمته المشهورة “أما يكفي واحد من آل الخطاب ليحاسب أمام الله عز وجل يوم القيامة؟” وكان ] إذا وصل قوله تعالى {وقفوهم إنهم مسؤولون} بكى وسقط مغشيا عليه لاستشعاره عظم المسؤولية الملقاة على عاتقه…

أسوق هذا المثال المشرق وغيره كثير في تاريخنا الإسلامي الذي تركناه وراء ظهورنا فقط لأذكر المتهافتين والمتهالكين والمتهالكات على المقاعد الوثيرة في الوزارات أن المسؤولية مغرما وليست مغنما إنها والله أمانة وإنها حتما ستكون خزيا وندامة عند الوقوف أمام الله غدا يوم القيامة.. {يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا منأتى الله بقلب سليم}.

ويا ليت القوم تمثلوا قول عنتر ابن شداد وهو يقول :

أغشى الوغى

وأعف عند المغنم

فوالله إن الرجل لأكثر  تعقلا  وأصدق طوية وأنضج عقلا وفكراً من سياسيي آخر الزمان  فلا هم غشوا الوغى ولا هم عفوا عند المغنم…

ورحم الله فقيه فاس “الجرندي” الذي اضطر إلى تصنع الحمق فخرج من بيته بأثواب رثة وأسمال ممزقة والصبيان يتصايحون من ورائه كل ذلك من أجل أن يقتنع الناس ووالي المدينة بأنه فقد عقله ولم يعد صالحا للقضاء بعدما تناهى إلى علمه أن الوالي يريد أن يُعينه خلفا لقاضي المدينة الذي عزل بسبب مواقفه الشجاعة..

… وبعد فأمام هذا التهافت على الاستوزار ومن قبله على الجلوس أو بالأحرى النوم تحت قبة البرلمان، اقترح على السيد الوزير الأول المعين أن يستوزر جميع الراغبين والراغبات على أن يكون على رأس كل وزارة مجموعة من الوزراء أو الوزيرات وهكذا يكون لدينا بحمد الله وزراء الاقتصاد ووزراء التعليم وهكذا فيتم التناوب داخل كل وزارة كل واحد يتم استوزاره لفترة مُعينة (وكلاها ونوبتو).

فيصبح لنا مثلا وزير لكل ألف مواطن مثلا على غرار طبيب لكل ألف مواطن.. ومدرس لكل مائة مواطن وهكذا..

ويكون عندنا كذلك التناوب الوزاري على شاكلة التناوب الحكومي.. ومتى وقع الفيض في عدد وزارة ما يتم تطبيق سياسة إعادة الانتشار كما هو مطبق الآن في وزارة التربية والتعليم… وهناك احتمال وارد بأن يكون هؤلاء الوزراء تابعين لنقابات وزارية مختلفة تدافع عن  مصالحهم خاصة إذا تم نقل أحدهم تعسفا من مكان لآخر بحجة المصلحة العامة كما يفعل بالمدرسين والمدرسات هذه الأيام وقد يتعقد الأمر وتكثر المطالب فتتناسل هذه النقابات وتنقسم على نفسها كالخلايا السرطانية وتدخل هي الأخرى حلبة الصراعات والتنازلات بحسب القرب والبعد من مراكز القرار في الأحزاب والجمعيات وعبرهما وإذاك يمكن الحديث عن تخليق الحياة السياسية بعدما تم تخليق الحياة المدرسية التي انتهت مع الأسف الشديد إلى تمويت الحياة المدرسية وهو ما لا نريد أن  يحدث للحياة السياسية لا قدر الله. وبهذا قد ينتهي الأمر إلى أسلوب جديد تماما ومبتكر في حياتنا السياسية وهو أسلوب التوريث الوزاري، فيورث كل وزير أو وزيرة  وزيراً من أهله أو وزيرة من أهلها. فإن يريدَا استوزاراً يوفق الله بينهما أجارنا الله وإياكم من الوزر والاستوزار ومن طول الانتظار. ومن كل متهافت أو انتهازي ومن عمى البصيرة وانطماس الأبصار برحمتك يا عزيز يا غفار…

ذ. عبد القادر لوكيلي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *