ماذا بعد رمضان؟


ها نحن نستعد لتوديع ضيف كريم طالما اشتاقت نفوس المؤمنين للقائه واستقباله، لم تبق إلا ساعات معدودات لتوديع ضيف لبث بين ظهرانينا أياما معدودات، فلم نجْن منه إلا اليمن والخير والبركات، لقد عطر أجواءنا بأريجه الطيب وأخذ بأيدي التائهين منا إلى رحاب الله، يلوذون بجنابه ويذرفون الدموع على أعتابه لعله سبحانه وتعالى يقبلهم في زمرة أحبابه، ويصفح عن ذنوبهم ويبدل سيئاتهم حسنات.

جاءنا هذا الضيف الكريم على قدر من الله مقدور وموعد محدود، فإذا بالمساجد تمتلئ جنباتها بحشود المصلين التائبين إلى الله، المتطلعين إلى غفرانه، وإذا بالقلوب تهتز بخلجات الإيمان وتربو ،وتنبت من كل زوج بهيج من محامد الأخلاق، وهي تتلقى آيات الله البينات لتنسكب في القلوب شهدا مذابا وماء زلالا، بعد أن تنبت ندية طرية من أصوات تتغنى بالقرآن كما أمر رسول الله  وترسله مجودا مرتلا كما أمر الله سبحانه وتعالى {ورتل القرآن ترتيلا}.

لقد جاءنا هذا الضيف الكريم على قدر من الله، وهاهو ذا يزمع الوداع والرجوع إلى ربه، بعد أن نشر فينا رسالته وطرق قلوبنا بالمواعظ البليغة وأفاض على نفوسنا السقيمة شلالات من الماء والثلج والبرد، ليغسلنا من أدراننا.

لم يأت رمضان ليسجل أنواع المأكولات والمشروبات والحلويات التي تناولناها في حضرته، ولكن ليسجل من منا كان أكثر إخلاصا وصدقا، ومن منا كان أكثر جودا وكرما، وأكثر عبادة وتبتلا في محراب الله عز وجل.

لم يأت رمضان ليكون (كرنفالا) أو موسما، احتفاليا وإنما ليكون محطة لإرهاف حاستنا الإيمانية، فنكون يقظين محترسين من المعاصي والذنوب، حريصين على أن يجدنا ربنا عز وجل حيث يحب ويفقدنا حيث يكره، فنجني رضا الله سبحانه عز وجل.

لقد جاءنا رمضان ليصنع فينا نموذج المجتمع الصالح، فهل ننمي رصيدنا الذي كوناه في حضرته، وفي ظل أجوائه الندية العطرة؟

لقد اكتسبنا عادات صالحة، ومنا من أقلع عن عادات قبيحة سيئة، كالتدخين والغيبة والنميمة، كما عادت للمجتمع بعض مقومات روح التضامن والجسدية لتبعث فيه الحياة بعد تبلد وموات.

ونعترف أن كثيرين أيضا ظلت قلوبهم موصدة قاسية، فهي كالحجارة أو أشد قسوة، وهؤلاء هم الأشقياء، ونعوذ بالله من أن يصيبنا ما أصابهم {إن الله لا يهدي القوم الفاسقين} ومن هؤلاء من يستعجلون ذهاب هذا الضيف الكريم ليعودوا إلى فتح خماراتهم، وهم على موعد مع الشيطان الرجيم ليعقدوا معه صفقة قذرة جديدة، تذبح فيها الفضائل وتنتهك الحرمات ويحارب الله ورسوله.

إن رمضان حجة علينا، فلقد جاء ليأخذ بأيدينا لنؤدي صلاة الصبح في وقتها مع جماعة المسلمين في بيوت الله، فحذار من أن نرجع على أعقابنا {ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين}(آل عمران 144).

لقد اعتاد الناس على الجود والكرم والإيثار وتمكنوا من كسر سلطان الشح والأثرة، وسمت أرواحهم على مستوى الرغبات الطينية، وتطلعوا كل بحسب اجتهاده إلى مستويات أعلى وأرقى من السجايا والأخلاق.

لقد عمل المسلمون خلال هذا الشهر العظيم على شحذ وتقوية خلق الصبر في نفوسهم، وهو نصف الإيمان كما ورد في حديث رسول الله . فلقد أوصى القرآن الكريم في كثير من آياته بالصبر وحث على التحلي به، وقد تحدث رب العزة عن جزاء الصابرين قائلا {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} فلا يعلم أحد مقدار الجزاء الذي أعده الله سبحانه وتعالى للصابرين فقد قال عز وجل في الحديث القدسي >كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به<.

إن التاجر -كما هو معروف عند أولي العقول والألباب- بعد أن يمضي فترة معينة في ترويج تجارته أو تسيير صفقته، يخلو لنفسه ويراجع حساباته، ليعرف هل ربح أو كان نصيبه الخسران. وإذا ما تكشف لهالحساب عند رصيد موفور، فإن الرشد يقتضي تنميته وشكره بأداء حق الله فيه حتى يبارك الله في رزقه.

ونحن في هذا الشهر الكريم اجتهدنا في التجارة مع الله عز وجل، وهي تجارة لن تبور، ولكن  حذار أن نرجع القهقرى ونضيع الرصيد الذي كوناه  في هذه الصفقة، فإذا فعلنا كنا ٍ{كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاْ} والمقصود بهذه  كما قال ابن السدي “امرأة خرقاء كانت بمكة إذا غزلت شيئا نقضته بعد إبرامه، وقال مجاهد وقتادة: هذا مثل لمن نقض عهده بعد توكيده”. فحذار من نقض العهد الذي أبرمناه مع الله، وهيا جميعا لتنمية هذا الرصيد الذي غنمناه في هذا الشهر الكريم، فهو خميرة الخير ومنطلق الطهر والتطهير.

د. عبد المجيد بن مسعود – وجدة

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *