قصة قصيرة : “عـويــشــة “ 1


إنحنى محرجا بظهره المقوس،  تسبقه أصابعه المرتبكة المرتعشة، إلى الكتب القديمة المبتوتة على ناصية الزقاق ، يحضن أوراقها بشغف  ويقربها إلى عينيه المعمشتين، محاولا فك حروفها المستعصية عليه.. مجهدا ذاكرته العجوز، عله يسترجع حطام حروف ما، قد يكون خلفها سيل الزمن بين طلول دماغه الخرب.. عبثا كان يفرك تجاويف رأسه فما أفسده القهر وركض الزمن لن يسعفه التذكار..

أعاد الكتب في عناية إلى مواقعها، اتقاء  لسهام نظرات البائع التي ترشقه في استماتة  وشبه وعيد، وواصل بما يكفي من مسافة لائقة فرجته القاسية، وهويمسح أغلفتها الموصدة الرموز ، عاجزا أمام عوالم الحروف والصور المدرسية الكابية الرونق، عن الانخراط في حمى الشراء، التي تكسر أمامه وعن جنبيه، هامات رجال ونساء يشبهونه في سحناتهم البئيسة المتعبة المتربصة بكتب الأرصفة الرخيصة ، تسحب فتات جيوبهم  مع مطلع السنة الدراسية الجديدة، وترمي بأبنائهم إلى الشارع آخر السنة، إذ تستعصي طلاسمها على عقولهم الصغيرة المنخورة بسوء التغذية، وتعود هي لتتربع على الأرصفة، ملغزة مغرية.. لتتجدد مع الشراء الرخيص، الحكاية..

– آلــْوَليد.. إن كنت ستسشتري من عندنا، فا فعل،  وإلا فدع الكتب كما هي مرتبة، وكفاك بعثرة..

– أريد مقرر الرياضيات لابنتي “مهدية”..

– قال البائع بضجر واضح : أي سنة؟

– أظنها في  القسم الثالث!

انحنى البائع على صفوف الكتب يقلبها يمنة ويسرة، في حين افترَّت شفتا العجوز عن ابتسامة شموخ، شاحبة..

أخيرا سيسترجع بعضا من كرامته التي تدوسها زهرة صباح مساء مستخفة به وهي تناديه بعويشة.. عوض اسمه “عمر” الذي سماه به أبوه، وذبح من أجله خروفا في عز الفاقة والجفاف..

لن تصفق الباب وراءها بسخط وهي تحمل علب السجائر والفراشة التي تجلس عليها في درب القريعة لتبيع أصناف الدخان والممنوعات  بالتقسيط، مخلفة إياه مع شايه البارد وكسرة الخبزالبائت، التي يظل يلوكها في مرارة وهويسترجع نظراتها الساخرة.. فها هو”جــا وجاب”  كما تقول أمه و”اللي جا وجاب ليه وجاب”!..

لن تتركه زهرة، إذ تراه يحمل كتاب مهدية، يعاقر عزلته على أديم فراش من أسمال  عطنة، هي كل نصيبه من فراش شوكي يسهد عظامه الهشة، ويقذف به في سراديب الأيام الخوالي، حين كان شابا، اشترى سريرا خشبيا شبه جديد من ” الجوطية ” احتفاء بصبية خافرة مجللة بالحياء هي عروسه زهرة..

كانت في كل مرة تجلس بالقرب من حافة السرير، منتظرة قدومه من الحمام وإذ يهل عليها حليقا متعطرا متوضئا، ويدعوها للجلوس إلى جانبه تتورد وجنتاها وتطرق في خجل مبين، حتى إذا ألح في الطلب جاءته على استحياء، تقدم رجلا وتؤخر أخرى!!..

أما اليوم وقد نحتتها المدينة وصلبت قوامها، وشذبها التلفاز مؤججا غافي أنوثتها، وصقلت المسلسلات، وخطابات النساء الصارمات  الجريئات، المتمترسات خلف نظاراتهن الطبية،  معجم مطالبها وحقوقها النسائية، فقد باتت تبسط  جسدها السمين فوق السرير،  غير آبهة ب”سي عمر”، الذي أفاقت ذات صباح مدججة بعفاريتها التلفزيونية العدوانية،وأعلنت سريرها منطقة محظورة عليه، بسبب شخيره، وأمضت قرار عزله بشكل إنفرادي، وبدون رجعة!!

وكان هويعلم حقيقة  تنحيته من حياة،   لم يعد يملؤها وجودا ونقودا، وفحلا صلبا عزيزا، منذ استغنت عنه الشركة لمرض الصدر الذي ألــم به  بين مداخنها،  ورمت به إلى الحكرة والمهانة،  في بيت زهرة الذي كان يوما بيته..

آلوَليدْ.. أين سرحت ها هو كتاب الرياضيات..

تسلم العجوز الكتاب بامتنان، ودس يدين مرتجفتين في جيب سرواله وأخرج ورقة مالية من فئة عشرين درهما.. مددها بأصابعه لتبدومقبولة وناولها في ثقة إلى البائع..

ـ ماهذا يا رجل.. هذه الورقة لم تعد متداولة..

خفض العجوز رأسه محرجا  ودون أن ينبس بكلمة،سار مهيضا جريحا وسط العابرين المستغرقين بشؤون صغيرة، تبدوفي أعينهم محور الكون إن زاغوا عنها تدحرج العالم إلى العدم!!..

كانت الهواجس تأخذ بخناقه وتسلبه لذاذة التفرس في الوجوه والأمكنة كما هي عادته حين ترمي به عتمة بيت موحش، إلى فضاءات اللغط والتهارش..

مرة أخرى سيدخل بيدين فارغتين، وسيجدها أمام التلفاز مستنفرة متوفزة، وستناديه حال يضع حذاءه المثقوب على العتبة ويدلف إلى الداخل : دائما بيدين خاويتين يا عويشة كما لوكنت في المقبرة..

استوقفته “مهدية” عند الباب،  قاطعة حبل توجسه

– أنظر أبي.. هاهوالمقرر الجديد.. اشترته لي أمي من فلوس المرشح وأكملت وهي تزدرد لعابها

– تقول لك أمي أنها مدعوة عند زوجته للعشاء، احتفالا بنجاحه في الانتخابات فلا تنتظرها،  ستقضي الليلة في بيت المرشح لتساعد زوجته..

هكذا يفعل سعادة المرشح اللبيب الذي يعرف من أين تؤكل المواطنة زهرة وأخواتها مع كل حملة انتخابية، تمتم العجوز في حوار مبتور مع نفسه، يضربهم على بطونهم بمآدب اللحم والدجاج  باللوز والبيض والبرقوق،  لكي لا تخطئ أيديهم الأمية،إسمه في الصندوق، وينفح زهرة الطماعة أوراقا مالية معدودات، لقاء نسخ بطاقات المواطنين الوطنية لرهنهم إلى رمزه المبارك..  ثم لا يلبث أن ينساها للعنة المقامرة بالممنوعات بل ينساهم جميعا، إذ تبتلعه مشاريعه المتناسلة والآلة الحاسبة المشغلة على الدوام، وتنتهي حملة شهر العسل بالسكر.. العسل المغشوش!!..

في الحقيقة ما شأنه بهذه الشبكة العنكبوتية،  وقد تفرق “عرس الخريف”  ووزعت  “بيضة الديك”، وخرست قذائف الحب والحب المضاد، الموجهة إلى الشعب.. المستعرة على صفحات الورق الرخيص..

المهم أن لا يكون حتى  خارج البيت طرطورا،  ولا يسمح لأي من هؤلاء “الشناقا” أن يعبر على  صوته إلى الكعكة.. والأهم من كل ذلك أنه سيتناول وحده مع مهدية التي تستبقيه حتى اللحظة صبورا داخل هذا الحبس المهين،  عشاء هادئا وكريما، وإن كان باردا وقديما ككتب الرصيف، ولن يناديه أحد  لليلة واحدة  على الأقل بعـــويشة.

دة. فوزية حجبي


اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

One thought on “قصة قصيرة : “عـويــشــة “

  • نبيلة عزوزي

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    هذه القصة ليست لي…
    هناك خطأ في اسم كاتبها/ كاتبتها…
    أرجو التصحيح…
    حياكم الله