زواج المسلمة بغير المسلم في ضوء الكتاب والسنة(3)


وأما السنة فهناك عدة أحاديث تدل على منع زواج المسلمة بغير المسلم من اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار، وتؤكد ما جاء به القرآن الكريم من تحريم ذلك تحريما تاما مطلقا وعاما لا استثناء في ذلك ولا رخصة ولا خصوصية وهي :

الحديث الأول : حديث جابر بن عبد الله رفعه، قال : >لا نرث أهل الكتاب ولا يرثوننا إلا أن يرث الرجل عبده أو أمته، ويحل لنا نساؤهم ولا يحل لهم نساؤنا<(1).

وهو نص صريح في منع زواج المسلمة بأهل الكتاب يهودا أو نصارى وتحريمها عليهم بصفة دائمة بالنكاح أو ملك اليمين وهو عام في كل زمان وفي كل مكان وفي كل الظروف والأحوال لا يجوز للمسلمة أن تتزوج بالكتابي وإذا تزوجته يجب التفريق بينهما، ويعاقبان ولا يحدان كما قال ابن القاسم(2).

الحديث الثاني : حديث عائد بن عمرو المزفي أنه  قال : >الإسلام يعلو ولا يعلى<(3) أو كما قال الحافظ بن حجر(4) وعلقه البخاري ولم يعين قائله وهو دليل آخر على منع زواج المسلمة بغير المسلم، ونص في أن الإسلام لا يعلوه غيره، ولا يعلو أهْلَه غيرهم، وزواج المسلمة بغير المسلم يؤدي إلى أن يعلوها غير المسلم حسا وحكما، حسا عند المضاجعة وحكما لأن القوامة بيد الزوج بنص القرآن، {الرجال قوامون على النساء}، ولأن الزوج سيد بنص القرآن أيضا {وألفيا سيدها لدى الباب}.

والحديث عام شامل بعمومه لابتداء النكاح وإنشائه وشامل لدوامه والإقامة عليه إذا أسلمت الزوجة دون الزوج، وبهذا استدل ابن عباس رضي الله عنهما على وجوب التفريق بين النصرانية وزوجها إذا أسلمت دونه، أخرج الطحاوي بسند صحيح عن ابن عباس في اليهودية والنصرانية تكون تحت اليهودي أو النصراني فتسلم قال : يفرق بينهما الإسلام يعلو ولا يعلى عليه<(5)، ورواه ابن حزم بلفظ إذا أسلمت اليهودية أو النصرانية تحت اليهودي أو النصراني فتسلم، قال : يفرق بينهما، وفي رواية لابن عبد البر عن ابن عباس، قال : >لا يعلو مسلمة مشرك فإن الإسلام يظهر ولا يظهر عليه<(6).

وإذا كان التفريق بينهما واجبا إذا أسلمت الزوجة وكان بقاؤهما على النكاح الأول ممنوعا كان إنشاء النكاح ابتداء ممنوعا من باب أولى وأحرى.

الحديث الثالث : حديث ابن عباس أيضا أنه قال : قال رسول الله  : >وإذا خرجت المرأة من دار الشرك قبل زوجها تزوجت من شاءت، وإذا خرجت من بعده ردت إليه<(7) وهو دليل أيضا على انفساخ النكاح بإسلام الزوجة قبل زوجها وخروجها قبله، ولذلك جوز لها أن تتزوج من شاءت.

الحديث الرابع : حديث ابن عباس أنه قال : >وكان إذا هاجرت المرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر فإذا طهرت حل لها النكاح، فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح ردت إليه<(8).

وهو مثل الذي قبله في الدلالة على منع زواج المسلمة بغير المسلم حيث أباح لها الزواج إذا طهرت من الحيض قبل مجييء زوجها، وإذا لم يجز التمادي على النكاح السابق لم يجز إنشاء نكاح جديد من باب أولى وأحرى.

الحديث الخامس : حديث ابن عباس أيضا قال : >أسلمت امرأة على عهد رسول الله  وتزوجت فجاء زوجها إلى النبي  فقال : يا نبي الله إني قد أسلمت وعلمت بإسلامي فانتزعها رسول الله  من زوجها الآخر وردها إلى زوجها الأول<(9).

وفي رواية فقال : >إني قد أسلمت معها وعلمت بإسلامي..<(10) والحجة في هذا الحديث من وجهين :

– في تزوج المرأة بعد إسلامها ولم تنتظر أن يطلقها زوجها، وهو يدل على أن حرمة زواج المسلمة بالكافر وبقاءها في عصمته كان معروفا شائعا بين المسلمين يعرفه حتى النساء منهم.

– أنه  لم يرد عليه زوجته لقوله : >إنه أسلم معها وعلمت بإسلامه< للقاعدة الأصولية أن حكمه  بعد سماع وصفٌ يدل على علية ذلك الوصف، وقاعدة أن الفاء في كلام الراوي تدل على علية ما قبلها، لما بعدها نحو سها فسجد.

وهذا يعني أنه لو لم يكن أسلم معها لما ردها إليه.

الحديث السادس : حديث ابن شهاب قال : >ولم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى رسول الله  وزوجها كافر ومقيم بدار الكفر إلا فرقت هجرتها بينها وبين زوجها إلا أن يقدم مهاجرا قبل أن تنقضي عدتها<(11).

وهو وإن كا ن حديثا مرسلا إلا أن ابن عبد البر قال فيه : هو حديث مشهور معلوم عند أهل السير، وابن شهاب إمام أهل السير وعالمهم، وشهرة هذا الحديث أقوى من إسناده(12)، وهو نص صريح في انفساخ النكاح بإسلام الزوجة وهجرتها إذا لم يسلم زوجها قبل انقضاء عدتها.

الحديث السابع : حديث أنس بن مالك ] قال : >خطب أبو طلحة أمّ سليم فقالت : والله ما مثلك يا أبا طلحة يرد ولكنك رجل كافر وأنا امرأة مسلمة ولا يحل لي أن أتزوجك، فإن تُسْلِمْ فذلك مهري، وما أسألك غيره، فأسلم، فكان ذلك مهرها..<(13).

وهو صريح في تحريم المسلمة على الكافر بقطع النظر عن كونه مشركا أو يهوديا أو نصرانيا أو غيرهما لقولها : ولكنك رجل كافر، فالعلة هي الكفر، والكفر بصفة عامة.

الحديث الثامن : ما رواه ابن اسحاق من أن زينب بنت رسول الله  أجَارَتْ زوجها أبا العاص بن الربيع حيث أسره المسلمون فأجاز تأمينها له ودخل عليها وقال لها : أي بنية أكرمي مثواه، ولا يخلصَنّ إليك، فإنك لا تحلين له<(14).

وهو نص صريح في تحريم المسلمة على الكافر وعدم حلها له، وهو تأكيد لقوله تعالى : {لا هنّ حل لهم ولا هم يحلون لهن} وذلك دليل على انفساخ النكاح القائم بينهما، وإلا لما نهاها عن خلوصه إليها.

الحديث التاسع : حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله  رد ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بنكاح جديد رواه الترمذي، وقال : >العمل عليه عند أهل العلم<(15).

وهو دليل أيضا على انفساخ النكاح الذي كان قائما بينهما ولذلك ردها إليه بنكاح جديد بعد إسلامه ولم يكتف بالنكاح الأول لبطلانه بإسلامها قبله.

د. محمد التاويل

—–

1- رواه الدارقطني 75/4).

2- المدونة 211/2.

3- رواه الدارقطني بسند حسن 252/3.

4- الفتح 220/3.

5- الفتح 421/9.

6- التمهيد 22/12.

7- رواه الدارقطني 113/4.

8- رواه البخاري، الفتح : 417/9.

9- رواه أبو داود معالم السنن 222/3.

10- التمهيد  31/12.

11- رواه مالك في الموطأ.

12- التمهيد 19/12.

13- رواه النسائي 114/6.

14- سيرة ابن هشام 303/2.

15- سنن الترمذي 305/2، سنن سعيد 74/2، الدارقطني 253/3.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *