خواطر عابرة – مَن الـمسْؤول؟


أحْياناً يخطر على بال الشخص عدداً من التساؤلات في مقدمتها : من المسؤول عمّا نراه ونشاهده ونسمعه؟

من المسؤول عن الانحراف؟ من المسؤول عن الفقر؟ من المسؤول عن الترف والتبذير؟ من المسؤول عن انعدام الأمن حتى يعود أبناؤنا وبناتنا إلى بيوتهم وقد انْتزعت منهم هواتفهم المحمولة، وأحيانا أحذيتهم وملابسهم الجلدية بالخصوص؟

من المسؤول عن انتشار العري والفحش في شوارعنا وأزقتنا وفي غير ذلك؟ من المسؤول عن بيع المخدرات والمسكّرات وحبوب الهلوسة في أكثر من مكان، بما في ذلك عدد من أبواب المؤسسات التعليمية؟ من المسؤول عن اليأس من الحياة، والتنكر للوطن وخيراته، فتهجره مجموعات تقذف بنُفُوسِها في أمواج الموت، وتحلم بجنة خيالية في وطن آخر؟ من المسؤول عن سبِّ الدين واحتقار حرماته؟ إلى آخر ما يمكن أن يطرح من تساؤلات في هذا الباب.

نعم قد يشار بسهولة إلى المسؤولين عن أمور البلاد والعباد، فيقال إنهم يتحملون كامل المسؤولية في ذلك وأنهم باستطاعتهم أن يقلبوا الأمور بين عشية وضحاها من حالة الفوضى إلى حالة الأمن، ومن حالة الفقر إلى حالة الغنى إلى غير ذلك مما يمكن أن يبدو أن المسؤولين باستطاعتهم أن يفعلوه.

طبعا إن الواقع بكل تجلياته وتطوراته يخبر بجلاء أن المسؤولية يتحملها المسؤولون، لكن لا يمكن أن يتحملوها كاملة طبقا للمنطق الشرعي وحتى المنطقي، لأن الله تعالى قد بين في قوله : {إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}(الرعد : 11) أن عملية التغيير من الحسن إلى الأسْوء، أو إصلاح السّيِّء وجعله صالحا، لا يمكن أن يتم إلا بمشاركة جماعية كل حسب موقعه ومسؤوليته >كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته<.

لذلك لابد من مصارحة أنفسنا، ولو في بعض الأحيان ألسنا نحن المسؤولين عن كثير مما نراه، أو على الأقل عن جزء منه.

– من المسؤول عن بقاء بناتنا خارج المنزل إلى وقت متأخر من الليل وهن كاسيات عاريات، يثرن غرائز الذئاب الضواري.

– من المسؤول حينما تستدعي مديرة مدرسة والدة تلميذة محفزة إياها على أن تساعد ابنتها على ارتداء لباس محتشم حينما تأتي إلى المدرسة، صونا لكرامتها، وحرصاً على الواجب التربوي للمؤسسة، فتصرخ الأم في وجهها قائلة لها : >لا دخل لك في شؤون ابنتي أنا التي أشتري لها هذه الملابس…<.

– من المسؤول حينما تذهب أم صحبة ابنها الشاب إلى الصيدلية لتشتري له « العازل الطبي »؟

– من المسؤول حينما يدفع الأب مبلغا ماليا لولده أو ابنته يفوق حاجيتها اللازمة والضرورية..؟؟

– من المسؤول عن ترك الأولاد والبنات أمام شاشات التلفزة والأنترنت آناء الليل وأطراف النهار دون رقيب أو حسيب؟؟

دون شك هناك تقاسم للمسؤولية، حتى وإن لم تكن مناصفة.

لكن هناك جانب آخر يتحمل المسؤولون وولاة الأمر المسؤولية عنه بشكل كامل، وهو تحجيم دور العلماء، علماء الدين المشهود لهم بالاتزان والصلاح والتبحر في أمور الشرع، وتحجيم دور المسجد وجعله قاصراً على أداء الصلوات وبعض الأنشطة التي لا يمكن أن تبني مجتمعا ولا حتى فرداً.

إن الجهات المعنية مطالبة أولا بتشجيع العلماء على أخذ المبادرة في بناء المجتمع وفق التصور الإسلامي الصحيح، دون إفراط أو تفريط ودون غلو في التصور أو تنازل عن المقدسات، ومطالبة ثانيا بتكوين المزيد من علماء الدين، كما تحرص على تكوين المزيد من الأطباء والمهندسي، تحصينا للمجتمع وانقاذاً له، وبناءً للأمة وقيادةً لها نحو غد أفضل، إذْ لا غد بدون عقيدة سليمة من تحريف المغالين وتقصير المقصرين.

إنه لمن العجب العجاب أن تتدخل الكنيسة بكل تنوعاتها في شؤون سياسة دولها، مع أن من مبادئها >أن مالله لله، وما لقيصر لقيصر< وأن يتدخل رهبان بوذا في سياسة بلدانهم، ولا يتدخل علماؤنا في أمور حياتنا البسيطة.

إن إعادة دور العلماء إلى المجتمع سيجنبه بالتأكيد كل ويلات الانحراف والغلو، وسيقوده بالتأكيد إلى مشارق العزة والسؤدد، والله غالب على أمره.

د. عبد الرحيم بلحاج

اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *