المدرسة وكواهل العوائل


انطلقت السنة الدراسية ومعها انطلقت حمّى أسعار المواد واللوازم المدرسية لتنضاف بكللها على أكتاف المو اطن الغلبان خاصة من ذوي المداخيل المحدودة والعدد الكبير من الأبناء، فقد يضطر مثل هؤلاء إلى حرمان البعض من أبنائه من المدرسة حتى يوفر اللّوازم المدرسية للبعض الآخر تحت طائلة الفاقة…

يقع هذا في وقت تُصم به الآذان بشعارات التعليم للجميع وتخليق الحياة المدرسية والمدرسة والأسرة وهلم شعارات جوفاء..

مثل هذه الشعارات لن تتحقق إلا بتيسير الولوج المدرسي للجميع ومساعدة الأسر المعوزة وتشجيعها بتوفير جميع مستلزمات المدرسة لأبنائها وإعادة النظر في طريقة وضع الكتاب المدرسي الذي أصبح يقوم مقام دفتر التمارين أيام زمان بحيث يتعين على التلميذ أن يملأه فلا يعود يصلح للاستعمال من بعد، جريا وراء الربح المادي وطبع أكبر قدر من هذه الكتب لارواء جشع جميع أصحاب المطابع والناشرين والعديد من الوسطاء.

ورحم الله أيام زمان لما كان الكتاب المدرسي الواحد يكفي لأفراد العائلة الواحدة وقد ينتقل إلى أبناء الجيران فينتفع به جميع من في الحي. فقد كان الكتاب المدرسي يومها ومع باقي اللوازم المدرسية يحقق نوعا من التكافل الاجتماعي. هذا إضافة إلى قيمة تلك الكتب على بساطتها ورداءة صورها ونوعية أوراقها، ومن منا لا يتذكر سلسلة كتب “اقرأ” لبوكماخ رحمه الله والتي تتلمذ عليها أجيال من المغاربة وهم اليوم من كبار الموظفين والوزراء والمفكرين. لقد كانت بحق أياماً مباركة رغم بساطة كتبها ومقرراتها ومدرسيها الذين كانوا بحق يستشعرون قيمة المهمة السامية  التي كانوا يقومون بها تقربا إلى الله وخدمة لأبناء هذه الأمة.

واليوم يبدو أن هذه البركة قد ذهبت لما دخل الكتاب المدرسي ومستقبل أبنائنا في سراديق المتاجرة ومتاهات العرض والطلب الربح والخسارة وما يستتبع ذلك من صفقات عمومية وغير عمومية عبر استمالة أصحاب القرار وبعض المفتشين الجهويين من أجل اقرار كتب دون أخرى في مناطق دون أخرى وهكذا حسب الكثافة التلاميذية والرفاه المادي لذويهم؟!

أما ثاني الأثافي فهو جشع آخر وهذه المرة من طرف بعض الأساتذة والمدرسين -خاصة في المواد العلمية- وقد أعماهم الطمع فنسوا نبل الرسالة العظيمة التي وكلهم الله للقيام بها فراحوا يلوون أيدي التلاميذ من أجل أخد دروسهم الخصوصية بشتى الوسائل والأساليب الدنيئة وبتواطؤ مع الإدارة في بعض الأحيان… ولا حاجة للتذكير بأن مصاريف هذه الدروس الخصوصية تثقل كواهل أولياء التلاميذ بعد أن ثقلت بمصاريف المدرسة وعبرها هذا طبعاً إذا بقيت لهم أكتاف أصلا؟!

أما بالنسبة لأبناء الفقراء وذوي الدخل المحدود فليس لهم إلا الله وحده يجأرون له بالدعاء على أمثال هؤلاء الأساتذة عديمي الضمير والأخلاق وهم يرونهم يفضلون عليهم أقرانهم في نفس الفصل لا لذكائهم وإنما لأنهم يأخذون دروسهم الخصوصية كيفما اتفق، إذ أن بعض التلاميذ قد يضطر لأخد دروس خصوصية من أستاذ فاشل وجشع لا ليزداد علما نافعا وإنما اتقاءا لشره وانتقامه عند وضع نقاط الامتحان.

وأخيرا وليس آخراً فكل هذا الجشع المزدوج يقع في مدارسنا بداية كل سنة دراسية ومسؤولونا في وزارة التربية الوطنية لا يفلحون إلا في ابتداع الشعارات عند كل دخول مدرسي فمن “تخليق ا لحياة المدرسية” إلى ضرورة “مراعاة الجودة” ثم “ربط المدرسة بمحيطها الاقتصادي” وأخيراً “المدرسة والأسرة”.

وما نرى ونشاهد اليوم من ترد مستمر لمستوى العديد من تلامذتنا على جميع المستويات الادراكية والعلمية والسلوكية والفكرية لخير دليل على الفشل الذريع في تحقيق ولو النزر القليل من تلك الشعارات..

فلا الحياة المدرسية خُلِّقت ولا جُوّدت ولا ربطت بمحيطها الاقتصادي ونحن نرى مستوى الاستهتار والعبث على أبواب المؤسسات وحتى بداخلها؛ فتيان وفتيات بسراويل هابطة وشعر منتصبة على أشكال أعراف الديكة أو أشواك ا لقنافيد مع أصباغ غريبة تذكرك بالهنود الحمر أو قبائل الزولو انكاطا، وتعاطي للمخدرات والمسكرات أمام بوابات المدارس. وتهكم بل اعتداء على المدرسين نهاراً جهاراً وهلم انحلال وابتذال ولا كاشف لهذا العبث إلا الله عز وجل وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ذ. عبد القادر الوكيلي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *