وقفات – الأدب الإسلامي بين المغرب و الأردن


لطالما فكرت في واقع الأدب الإسلامي بالمغرب وحز في النفس أن أرى مهرجانات تقام لغيره فيروج لها إعلاميا وتدعم بسخاء ويستقدم الأدباء بنفقات باهضة و شروط  فادحة ويفتتح لها بجلسات ضخمة و تخصص لها المآدب الفاخرة و الحفلات الباذخة…

أما الأدب الإسلامي -و على الرغم من جهود أبنائه المخلصين – فإنه يظل غريبا في عقر داره… و يقول بعدها المغرضون : و لماذا الحاجة إلى الأدب الإسلامي و ما هذا  الأدب ذو اللحية و الحجاب؟ حتى إن بعضهن قدمتني يوما باعتباري عضو رابطة الأدب  و سكتت عن صفة الإسلامي سكتة استياء.

ليس الأدب الإسلامي سبة فيتبرأ منه لأنه أدب الإنسان في أرقى نوازعه وتصوراته ولأنه أدب يخص أجمل ما في الإنسان فطرته الأولى النقية ولأنه يلامس أروع ما في الإنسان حين تسمو الروح وتصفو النفس ويسطع الجوهر ولأنه بناءحضاري للمجتمع الإنساني… وماذا جرت بعض التيارات الأدبية الهدامة على الإنسان في كل زمان ومكان سوى انحراف في الذوق وعلة في الفكر وتهتك في السلوك؟ فكانت الأزمات الإنسانية الكبرى وماذا جنت براقش (سلمان رشدي) على قومها؟ أولا يمكن أن يعتبر أدب (طاغور الهندي) أدبا إسلاميا مادام ينحو ذلك المنحى السامي؟

ولعل العارف يدرك أن الأدب الإسلامي لم يكتم صوته بالمغرب إلا لأسباب عميقة الصلة بما هو سياسي وثقافي : منها أن مراكز القرار الثقافي قد تحكمت فيها رؤية غريبة عن الهوية، ومنها أن الثقافة تخندقت في توجه معين حتى أصبح الأدباء الحقيقيون في الظل و البغاث في النور، و منها الدعاوى العالمية الباطلة ضد كل ما هو إسلامي، و منها أسباب موضوعية تعود إلى الأدباء الإسلاميين أنفسهم ذلك أن البعض منهم لم يحرصوا على توفير شروط جمالية لهذا الأدب وظنوه مرادفا للموعظة و للوصية و للخطاب المباشر وبذلك ظل مفتقرا إلى حاجاته الجمالية التي تؤهله لخوض معركة التحدي إلى جانب التيارات الأدبية الأخرى بل إن بعضهم ضيقوا رؤيتهم إلى ما هو ثقافي كما ناصبوا العداء لإخوانهم من الأدباء الإسلاميين و ذنب هؤلاء إنهم حاولوا أن ينحتوا في تجربتهم الأدبية طريقا جديدا يرد عن الأدب الإسلامي تهمة القصور الفني.

لكن وضع الأدب الإسلامي في المغرب غيره في الأردن فله في هذا البلد سوق عامرة ومنابر مسموعة وأصوات عالية وتجارب رائدة لمست ذلك خلال انعقاد أسبوع الأدب الإسلامي المغربي بالأردن حيث توجه وفد مكون من عشرة أدباء ونقاد يترأسهم الشاعر الدكتور حسن الأمراني في بداية يوليوز الماضي… كان أسبوعا متميزا بكل المقاييس افتتحه السفير المغربي بالأردن صحبة وزير الثقافة الأردني بقاعة المؤتمرات الملكية وبتغطية إعلامية واسعة كما نشطت خلال الأسبوع العديد من الهيئات والمراكز والجامعات دراسة واحتفاء.. وقد أعقب كل يوم دراسي زيارة المناطق الأثرية تحت إشراف مكتب الرابطة في شخص أعضائها وكذا رئيسها الدكتور عودة أبو عودة… إضافة إلى الزيارات واللقاءات صدحت أصوات الشعراء من المغرب والأردن طوال الأيام السبعة بالرائق من الأشعار ثم توج الأسبوع بحفل عشاء أقامه السفير المغربي على شرف الوفد… كما أشرف على اختتام الفعاليات.

قلت في نفسي مازال للأدب الإسلامي صولة في هذه الديار ومازالت لفرسانه جولة هي غيرها في المغرب قطعا.. حيث يتعامل مع الأدب الإسلامي بحذر وبسوء نية وحيث لا تدعم لقاءاته من الجهات المعنية ولو على سبيل الحضور المعنوي في حين تدعم مهرجانات التسيب والفجور. وأعتقد أن ارتباط الأردنيين بالأدب الإسلامي وانتصارهم له يعود الى حرصهم على الهوية ومن مظاهره بروز الحس الديني في الحياة الأردنية كشيوع ظاهرة الحجاب بالشارع الأردني وغياب مظاهر العري والتبرج والتفسخ مع حضور الاحتشام والوقار تتبعت ذلك عن كثب بقصد إرواء الفضول.. وفي تونس أيضا حيث قضى الوفد المغربي يوما وليلة فوجئت بكثير من ملامح الحشمة في الشارع التونسي على الرغم مما يشاع عن علمانية الدولة.

ما أحوجنا في المغرب إلى أن نغير ما بأنفسنا وأن نجدد رؤيتنا إلى الأدب الإسلامي وفق شروط فنية جديدة من شأنها أن تحدث طفرة نوعية في هذا الأدب كما عبر عن ذلك الناقد الكبير الدكتور إدريس الناقوري في إحدى مداخلاته بالأردن وكما تصدقه أشعار الشاعرين الكبيرين محمد علي الرباوي والمرحوم محمد بنعمارة….

ولكي نجدد هذه الرؤية لا بد أن يحدث تجديد من الداخل وأن تحيطه شروط ثقافية واجتماعية صحية وأن يعمل الأدباء الإسلاميون على تغيير أدواتهم وأن يتسلحوا بالتحدي لفرض أصواتهم وبكل هذا وغيره يمكن أن يكون للأدب الإسلامي ذلك الحضور القوي الذي يسم نظيره في الأردن.

ذة. أمينة لمريني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *