نساء في شموخ الرواسي -33- الطفلة الحديدية…!


عشت طفولة فريدة.. تلميذة في فترة الدراسة، وعاملة مياومة بالحقول والضيعات أيام الآحاد والعطل…!

تتورم كفي الغضتين على قبضة الفأس، خاصة وقت البرد الشديد… كنت أحلم بلحيْظة أمارس فيها طفولتي لعباً ككل الأطفال، لم أذق طعم العطلة، ولم أعرف معنى الراحة والاستجمام… كنت أعمل بنصف أجرة الكبار، وأحيانا بربعها… أعمل منذ اطلالة الصبح الأولى ساعات غير محددة، لأعود بعد المغرب وأحيانا ليلا، لا أريد من الدنيا سوى سويْعات  نوم…!

كان الانحناء مرهقا لظهري الغض تحت وطأة القر والحرِ.. لم يكن مسموحاً لي حتى بالتقاط أنفاسي، ولا مسح عرقي.. كان عرقاً ينضح طموحا وأحلاماً كالجبال… حلمي أن أجابه الفقر، وأقف بجانب أبي العامل المياوم أيضاً، لأنفق على متطلبات دراستي…!

وعلى مقعد الدراسة كنت أمسك القلم بالإصرار نفسه الذي أمسك به الفأس فثمة علاقة عميقة بين قلمي وفأسي، وكلاهما يتناغم مع نبضي، فكنت أجتهد لأتفوق لأشعر بنشوة انتصاري على الفقر!

سعدت حين انتقلت أسرتي إلى المدينة.. رغم أني لم أكن راضية قط بالعيش في حي صفيحي هامشي.. كان زملائي وجل أساتذتي ينظرون إلي نظرة دونية، فأثبت شخصيتي بالتفوق لأفرض احترامي…!

كنت أبحث كالعادة على عمل شريف قبيل العطلة.. فمحارب الفقر لا يستكين ولا يستريح أبداً…!

تابعت دراستي إلى الجامعة… وبعد حصولي على الاجازة، حصلت على وظيفة.. أنقذت أسرتي من ذلك الحي، الذي ينعدم فيه أبسط شروط العيش الكريم…!

لم أعش طفولتي، فقد سلبني إياها الفقر، لكنه جعلني مسؤولة أقدر المسؤولية، قوية الشخصية، مصرة على تحقيق أهدافي…

لكن، ما يؤلمني حقا، وقد بلغت الأربعين، أن تستمر عمالة الأطفال في بلدي…!

ذة. نبيلة عزوزي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *