بارقة – متى يجد جدُّنا ويسقط هزلنا ؟


توجد في العالم الثالث طائفة كبيرة تعاني مرضا مزمنا، وأخطر ما في هذا المرض أن صاحبه لا يشعر به لدرجة أنه يضحك في موطن البكاء ويبكي في موطن الضحك، وبعض هؤلاء المرضى يكون مبعثُ فرحه وضحكه ما قد أتيح له من فرصة لاستغلال وطنه وخيانة شعبه والسعي في عرقلة نموه وتقدمه وتكديس رصيده في الداخل والخارج مما يبتزه من وطنه أو ينال من ” خصومه ” الأشقاء الذين يتصدرون الدفاع عن وطن الجميع كما يقع في فلسطين وغيره؛ حيث تتآمر ثلة كانت بالأمس ” يسارية ” عندما كان اليسار النضالي يقود إلى ” اليسار ” المادي، وفي هذا المجتمع تنقلب الموازين، وتتغير المعايير، وتسود مقاييس مريضة وكريهة تقاس بها المواقف والأشخاص، ويصبح المفلس أخلاقا ودينا ونضالا هو الرجلَ ” الأجلَّ ” ، بينما الجليلُ المخلصُ الشريفُ النظيفُ يصبح ” باهتا ومُغَفَّلا ” لا يكاد يمر على الذاكرة أو يبعث على احترام وتقدير.

والعجب في هذا النوع من البشر أنه يرى نفسه يسير بخطوات حثيثة وواسعة نحو الإفلاس، وهو لا يزداد إلا حبورا ونشاطا في الركض نحو الإفلاس التام.

والعجب من ذلك كله، أن الشعوب كثيرا ما ترسل رسائلَ إلى هؤلاء أنها ترفض أسلوبهم، وتحتج على قياداتهم، وتسفه تقدميتهم، وتستهزئ من تهريجهم، وتَمُجُّ أفكارهم، لكنها تفعل ذلك في كثير من الأحيان بوسائل سلمية ومدنية وعبر النكتة والأمثال والحكمة.

إن العالم الثالث مصاب بمرض فيروسي خطير، وكان أستاذنا مالك عندما شاهد طلابا عربا يدرسون بباريس في الثلاثينيات ينشطون في مجال ” الكلام ” ويبرعون في الخطب ويحرصون على الفرنسة في اللباس والكلام ، كان يقول:

” إن هؤلاء سيكُونون نكبة على شعوبهم وأوطانهم “. وكذلك كان الواقع ولكن هذا الواقع مُسِخَ بحكومات أشد مسخا وعفونة وهي حكومات ” العسكر ” الثوريين الذين كانت لهم ” كوكبة ” من المفكرين والكتاب الثوريين الذين تحول بعضهم إلى ما يسمونه بالليبرالية التي لم يفهموها كما لم يفهموا اليسارية.

إن بعض القيادات التي نخرتها الشيخوخة ما تزال تسير على وتيرة الانحطاط، وتصد عن فهم الواقع الذي لا يزداد إلا وضوحا ورسوخا وطموحا عبر التعبير الصريح لغالبية الشعوب الواعية التي لم تجد لها لحد الآن من يقودها نحو تحقيق طموحها في التقدم والنهضة بجد ورؤية علمية صحيحة، ولكن ” القوم ” ما يزالون خائضين في حياة كلها هزل وهزال، وباطل وسقام.

إن الإصرار على السير في المتاهات المفلسة ما يزال هو الظاهرة البارزة في حياتنا والعجب أن المعجبين بالغرب لا ينقلون عنه المظاهر الصحية مثل الاختفاء من الحياة السياسية عند الإخفاق في الانتخابات أو عند ارتكاب أخطاء وقلما سمعنا أن رئيس حكومة أو زعيم حزب قدم استقالته من حزبه وعاد إلى الحياة العادية كما يفعل رؤساء الأحزاب في أوربا ..

إن الشعوب  العربية والإسلامية رافضة لهذه القيادات السياسية ولكنها  من بلادتها تبقى مصرة على أن تظل في القيادات إلى أن تجهز على البقية الباقية من مصالح أمتها ..

ومن أعجب ما نشاهد من هذا الصنف إصرار القيادات الفلسطينية على التفاهم مع العدو المغتصِب في حين تصر من جهة أخرى ألاّ تصطلح مع المقاومة العظيمة التي تهدد بقاء إسرائيل وتقض مضجعها حتى إن بعض زعماء اليهود صرح هذه الأيام بأن ” إسرائيل ” سائرة إلى الزوال في ظل استمرار صواريخ المقاومة، تلك الصواريخ التي تصنع محليا …

لقد أفسدت قيادات سياسية في بلادنا العربية حياتنا عندما حولت جدَّنا إلى هزل وهزلَنا إلى جد، وقادتنا إلى مجاهيل مخيفة ومستقبل مظلم بإصرار على القيادات والزعامات بزعم أنها الأصلح وهي في الحقيقة الأقبح والأبشع والأسوأ، ” إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور “.

د. عبد السلام الهراس

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *