همسات في أذن الفقيه


لا أشك في أن فقيهاً واحداً لم يقرأ جريدة المحجة أو حتى لم يسمع بها، فالمحجة مما يعتز بها الفقهاء بل يعدونها مصدراً من مصادر دروسهم ومواعظهم و… الخ. وعلى صفحاتها أهمس هذه الهمسات في أذن الفقيه لعله يفقهها، وعبرت عنها بهمسات وإن كانت في شكل “أوامر ونواهي” فالأوامر المباشرة قد تُغْضِب. والنواهي قد تُخْجِل. هروباً من التصريح والتجريح عبرت بالهمسات كأنها نصائح من القلب إلى القلب. والفقيه في ذهن كل مغربي هو : من يحفظ كتاب الله العزيز حفظاً كاملاً ويتقنه اتقاناً محكماً، والفقهاء بمثابة العلماء والعلماء ورثة الأنبياء وأهل القرآن هم أهل الله وخاصته، فهم الحفظة لكتاب الله تعالى، وقد حفظ الله تعالى  كتابه في موضعين :

– في الصدور أي صدور الحفظة قال تعالى : {وحصل ما في الصدور}(العاديات : 10).

– في الستور أي حِفظُه في ستر الله، يقول تعالى : {إنا نحن نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون}(الحجر : 9) فمن يحمل كتاب الله فإنه يحمل رسالة الله في الأرض يتحمل مسؤوليتها من حفظ ودعوة ونشر وتبليغ وفقه وتفقه وعلم وتعليم.. وفقيه اليوم يتعرض لكثير من الانتقادات اللآذعة وحتى لا تصاب أخي إحباطاً ويأساً فإليك هذه الهمسات ضعها صوب عينيك تنج من التبعات :

1- حافظ على أناقتك، فكيف تدعو إلى النظافة ولا تلتزم بها أنت؟ وأنت الذي تقرأ : {وثيابك فطهّر}(المدثر) {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين}(البقرة) فالأولى بالفقيه أن ينظف حاله، فالهيئة لها دور مهمّ. والجلباب لباسٌ يعتز به، وهو من لباس الفقيه فأهْنئ به واعتزّ به ولا تلق بالاً إلى ما دونه.. فجلبابك شعارُك ودثارك حسبك فخراً به..

2- ابتعد عن كل الرذائل ومن ضمنها التدخين.. فكيف تدخل شيئاً خبيثاً إلى قلبك المطهر بالقرآن، فالرذائل تشوه سمعة الفقيه وتخدش حياءه.

3- حافظ على شرفك، فأنت عند الله عز وجل شريف لأنك تحمل كتابه، ومن شرّفه الله تعالى ألقى محبته وشرفه عند الناس، فشَرِّف نفسك يشرفك الناس، ومن يضيع شرفه كيف يشرفه الناس؟

4- أخلص في عملك، فالإخلاص لب العمل، لا تطلب شيئاً من متاع الدنيا جراء عملك، وإن أتتك هدية ما.. فاقبلها.. المهمّ أن تخلص العمل.

5- الزم التقوى على كل حال، وحيثما كنت ووجدت، فالتقوى قرينة الفقيه.. والتقوى تقيك كل الشرور. فمن اتّقَى وُقي فبتقواك ترتقي سُلّم المجد والعلى، يقول شاعرنا :

واتق الله فتقوى الله ما جاورت قلب امرئ إلا وصل. ليس من يقطع الطرق بطلا.  إن من يتقي الله البَطَل…

6- اطلع على ما يدور من حولك، اقرأ الدوريات والمجلات والجرائد والكتب ولا تبخل عن جلب المعلومات، فهي بمثابة حكم، والحكم ضالة الفقيه أينما  وجدها كان أحق بها.

7- كن ابن وقتك، فكل ما حولك تغير إلا أنت، فظللت على ما أنت عليه، عش وقتك وحياتك فالسهام مسلطة عليك أينما وُجِدت. الفقيه قال.. والفقيه فعل.. والفقيه لبس.. وماذاك إلا فقيه.. لا تَدَع أحداً يتهكم عليك.. أو تفتح له باباً من باب العطف عليك…

8- لا تبع دينك بشيء من الدنيا قليل، فالدنيا متاع زائل، وما عندك لا يبلى ولا يزول، فالتزم بدينك، فأنت ابن الجماعة كلها، وقد تكون إماماً فيأتيك من يريد شراء دينك بما لديه من مُتع زائلة. حذار.. فوراء الأكمة ما وراءها!!

9- كن كما أنت.. فأنت فقيه.. وعند الناس أنت عالم!! أنت مفتي.. أنت محمل الأسرار.. أنت الصالح المصلح. وأنت… لذا الزم العلم واطلبه من أي بحر كان.. لا تظنّن أنك قد أدركت كل العلوم قد تأتيك مسألة ما… لا تلف لها جواباً فتنعث بالعي والجهل..

10- دع مواطن التهم. وما أكثرها اليوم.. فاعلم أنك عزيز عند الله، وشريف عند الناس، يعني صفحة بيضاء مهما لا مسها السوادعكر بياضها يحسب الناس أنك معصوم وإن تلبّسْت بمعصية فأنت متّهم مدان، وقد يشار إليك بالبنان، فدع مواطن التُّهم.. مواطن الاختلاط، المواطن المخلة بالحياء..

11- قيمتك لا تباع ولا تشترى، ولا تُوهَب لك، قيمتك لا تهمّ أحداً إن لم تهمّك أنت. وقيمتك بيدك أنت، قد ترفعها وقد تخفضها، كلما كان الأدب وِجْهَتك. والاحترام قِبْلتك، فقيمتك تزداد، وكلّما قللتَ من أدبك واحترامك فقد تنازلت عن قيمتك وساعتها استعدّ للهبوط والنزول إلى الدرك الأسفل.. إلى الحضيض.. إلى حيث لا ترضى.

12- الناس في حاجة إليك، فكن عند حاجتهم، كن على استعداد لدعواتهم، فقد تضطر إلى حضور دعوة ما.. من خطبة وزفاق وعقيقة.. وتكون في الواجهة قد تكون وحدك بهدندامك في وسط الجموع، والحشود، كل العيون ترصدك، ترصد قولك وفعلك وحركاتك فالزم الأدب، واحذر أن تنزلق في المتاهات، ثبتك الله وثبتنا جميعاً على مكارم الأخلاق.

ذ. محمد الطوسي

إمام مسجد حمزة -سيدي سليمان

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *