عن النعم التي تزول بجحودها


أينما حللت أو ارتحلت في أصقاع العالم العربي إبان أيام الحر هذه، تطالعك اليافطات واللافتات والإعلانات المبشرة بمقدم المطربة الفلانية والمهرجان الفلاني ، والقيامة الموسيقية ا لكبرى تعبئ الغرائز على أقدام وسيقان لمواعيد الجدبة والنشاط الهستيري، إلى حد إحالة ساحات كبرى بهذا العالم العربي المهرب عنوة من قضاياه المصيرية الكبرى، إلى مراتع للركل والرفس والجنس والمخدرات،  في حضرة نجوم محليين ودوليين، تهدر الملايين لاستضافتهم، سعيا وراء مخطط جهنمي خطير يريد من وراءه الحاطبون بليل أن يفرغوا طاقات الأمة  الإسلامية الغضة الطرية من قدراتها على الفعل والحراك وشل حيويتها وإحالة أبنائها إلى مجرد مخلوقات دوابية لا تحسن إلا العلف والرفس والتناسل..

والطامة في كل ما يحدث، أن بلدانا عربية كثيرة صعد إلى سدة حكوماتها مناضلون من ثلة اليسار الثوري البائد،(وهم الذين كانوا يخاصمون الأنشطة الثقافية والفنية الهابطة التي تسوق للمفهوم الرأسمالي الجشع المبني على اعتبار الفن والثقافة سلعة احتكارية تداس فيها القيم الجمالية والأخلاقية في سبيل مراكمة المال الوسخ وكان أولئك اليساريون يبذلون العرق والمال القليل الشريف لاستضافة فنانين ملتزمين يغنون لقيم الحب والعدالة والمساواة) هؤلاء المناضلون القدامى هم الذين، حين حملتهم صناديق الاقتراع إلى الأعلى ،صاروا يمهرون على قرارات تنظيم مهرجانات الزعيق والنعيق والرداءة المكعبة، ولا تكاد تجد هذه الأيام مدينة عربية لا تحتضن مهرجان غناء ورقص، وكأن هناك أمرا عاجلا ومقدسا صادرا عن دوائر عالمية، بإحالة المواطنين المسلمين على عجل إلى مجرد ذباب، داهمته زخات مبيد حشري، فلا يحسن إلا الطنين الحاد والدوران على نفسه قبل السقوط  (وهذا هو الأهم).

ولأن الشيء بالشيء يذكر،  فقد قرأت خبرا مفاده أندولة عربية تحيي هذه الأيام، مهرجانا عالميا للرقص أعطته كعنوان : “العالم يرقص”!!

ووضعت له كشعار “مساحات للرقص مساحات للتعبير”.

والدرامي في الأمر أن هذه الدولة التي تحتضن شعارا بهذ ا الزخم الإيماني بحرية التعبير، هي التي نصبت معتقلات مفتوحة للمناضلين الإسلاميين من العاملين في الضوء، وتحت ظل مؤسسات وجمعيات معترف بها فلا يكاد يمر يوم دون أن تسمع عن اعتقالات لإخوان وإفراج عن إخوان آخرين،  في إطار مصادرة الرأي والتضييق على حرية التعبير !، والأنكى من ذلك أن هذا المهرجان العالمي الضخم للرقص  تجري أطواره في بلد شهد في نفس الأيام التي أقيمت فيها وصلات رقص عالمية على المكشوف، وفي الهواء الطلق ،انتفاضات للعطشى من المقهورين الغلابى في عدة قرى، احتجاجا على نقص في مياه الشرب، في حين تخصص آلاف قنينات المياه المعدنية الصافية لإطفاء عطش الراقصات والراقصين المتعرقين أثناء أداء واجباتهم  ” الرقصية ” المقدسة !!..

والحال لا يقتصر على هذا البلد العربي في التهالك على مهرجانات ومسابقات (هز يا وز) بل يتعداه إلى جل الدول العربية التي تراهن على تدويخ  المواطنين في اتجاه تطويعهم وجعلهم كما قال تعالى كالأنعام بل هم أضل..

ويصبح هذا الحال مدعاة للصحو العاجل قبل فوات الأوان حين يفطن المرء إلى أن  كل هذا الصخب الفني والهزلي يقام بكل هذا الضجيج في الوقت الذي تتفاقم فيه وثيرة إفناء الشعب العراقي إنسانا وحضارة وعمرانا وثروات، وتتوحد فيه قوى الظلام لإجهاض تجربة حماس الديمقراطية النظيفة،  وتعد العدة لضرب إيران وتمزيق لبنان وتقسيم السودان  وقبر النفس الإسلامي المتأجج بباكستان واستعمار المغرب العربي من جديد بحجة مواجهة الإرهاب!!..

وأوراش إحتلالية أخرى لا حصر لها يتم تدبيرها في دهاليز دوائر الاستعمار ويتم بموازاتها الإنزال المكتف للمجموعات الغنائية ومجموعات الرقص الغربية وكذا العربية المدعومة للأغراض المعلومة!! وكما قلنا، لاستدامة غيبوبة الجماهير العربية وسلخها عن مشروعاتها النهضوية التي يحمل  الآن رايتها، الإسلاميون الشرفاء. وحال العرب مع دوائر الاستعمار هذه ، يشبه حال الغانية التي تترصد ضحيتها الموسر فتلف الشرك حوله فإذا سقط في حبائلها صارت تلقم فمه كأس الخمر تلو الكأس والعياذ بالله، وهي تبدي من صروف الحب والدلال ما يزيده شربا وإذعانا لرغبتها حتى إذا بلغ الثمالة استولت على جيبه ومحتوياته وتركته للصحو والعراء المر ..

فيا أهل الدعوة انفروا خفافا وثقالا، قبل أن يصبح العرب والمسلمون مجرد هنود حمر يرقصون بلباسهم اليوم، باسم الحداثة، وغدا كالهنود الحمر سيرقصون عراة حول النار باسم البداوة، وسيسوقهم لا قدر الله  السيد الأبيض للخدمة في ممتلكاتهم التي ما رعوها حق رعايتها، ولا عجب، فالنعم تزول بجحودها .

ذة. فوزية حجبـي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *