الحياءُ في الجنّة…والبذاءُ في النّار…


قال رسول الله  :  >لكل دين خُلق، وخلق الإسلام الحياءُ<(رواه مالك).

وقال كذلك :  >المعروف كله صدقةٌ، وإن آخر ما تعَلق به أهل الجاهلية من كلام النبوة : إذا لم تستحي فافعل ما شئت<(رواه أحمد).

وقال كذلك :  >الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة >والبذاء من الجفاء والجفاء في النار<(رواه ابن ماجة).

الحياء هوالذي يكفّ الإنسان عن مُوَاقعة الشر وارتكاب السّوء >الحياء هوالذي يبعث على ترك القبيح من الأقوال والأفعال، ويمنع من التقصير في حق ذي الجلال والإكرام ؛.. الحياء باعثٌ يبعث على أفعال البر ومانعٌ يمنع عن المعاصي…

أما البذاء، فهوالفُحش في القوْل والسّوء في الخُلق >والبذيء هوالذي لا حياء له لما فيه من الجفاء >والجفاء من غلظة الطّبع وقساوة القلب.

إن كل من يَهُمّ بفعلٍ ما من المسلمين يستحضر في ذهنه دائما وأبدا موقف الآخرين منه حسب ميزان الشرع، فإن كان محمدة أقدم عليها وإن كان مذمّة أحجم عنها. وفي الأحاديث النبوية الشريفة إشارة إلى أن الحياء خلق عظيم يختص به أهل الإسلام >أوبتعبير آخر : قيمة ثقافية يتميز بها المسلمون عن غيرهم من الأمم (1).

غير أن المتأمل في حركات وسكنات مجتمعنا المسلم يخلص إلى نتيجة مؤدّاها أن السلوكات الرائجة مُشبعة بالوقاحة إلى حدّ التخمة والغثيان >سلوكاتٌ لا تراعي لله تعالى وعباده حُرمة، سلوكات لا تعترف بالحياء خُلقا بله حقا وواجبا.

الآن ونحن في عصر العولمة، عصر الثقافات العابرة القارات : أوَ ليس من حقنا أن نعيش في بلادنا حياة كريمة تُعَبر مختلف جنباتها عن تلك القيمة الثقافية الإنسانية النبيلة بأقصى ما يمكن من الالتزام؟… أم إنه يراد لنا أن نستسلم ببلادة للمسخ الثقافي المنظم؟…

إن هويتنا الإسلامية تعترف تمام الاعتراف بأن الكمال لله وحده، وأن العصمة لأنبيائه، وأن التردد ما بين الخطأ والصواب مزية كل بني البشر مهما علت درجة تقواهم، وأن التوبة ملاذهم جميعًا إن هُم أرادوا الخير لأنفسهم ولغيرهم. قال رسول الله  :  >كل ابن آدم خطاء، فخير الخطّائين التوابون…<(رواه أحمد).

وحتى من ابتلاه الله وامتحنه بمعصية لم يستطع منها فكاكا فإن الإسلام قد وجهه إلى التّجَمُّل بخلق السّتر، فإن الله تعالى قد أمر بالستر ونهى عن المجاهرة بالمعصية. قال الرسول  :  >كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول : يا فلان عملتُ البارحة كذا وكذا >وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه<(رواه البخاري).

ومما جاء في شرح هذا الحديث عند صاحب كتاب فتح الباري وصاحب كتاب شرح مسلم (بتصرف) : أن كل واحد من الأمة يعفى عن ذنبه ولا يؤاخذ به إلا الفاسق المجاهر المعلن. أي كل أمتي لا ذنب عليهم إلا المجاهرون >والمجاهر هوالذي أظهر معصيته وكشف ما ستر الله عليه فيحدث بها في غير ضرورة ولا حاجة. وقد ورد في الأمر بالسّتر حـديث ابن عمر رفعه :  >اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها، فمن ألَمّ بشيء منها فليستتر بسِتر الله<.

إن في الجهر بالمعصية استخفافا بحق الله، ورسوله وبصالحي المؤمنين، وفيه ضرب من العناد لهم، وفي الستر بها السلامة من الاستخفاف. ويقول صاحب إحياء علوم الدين :  >… وهذا لأن من صفات الله ونعمه أنه يٌظهر الجميل ويستر القبيح ولا يهتك السر >فالإظهار كُفران لهذه النعمة<.

كما دعا ديننا الذين ألَمّ بهم شيء من تلك القاذورات أن لا يضاعفوا ذنوبهم باستدراج غيرهم إلى مسايرتهم في معصيتهم >فإن في ذلك ذنبا أعظم لا ينتهي يتراكم عليهم. قال الرسول  :  >… ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا+  (رواه مسلم). وقال بعض السلف فيما نقله صاحب إحياء علوم الدين :  >ما انتهك المرء من أخيه حُرمة أعظم من أن يساعده على معصية ثم يُهَوّنَها عليه<.

إننا نرى بأسف شديد وعميق يحرق قلوبنا كَمَدًا إقدام الكثير من أبناء المسلمين في وقاحة بالغة على انتهاك حُرمات الله، والتمادي في ذلك إلى حدود خطيرة تستفز مشاعرنا الإسلامية أشدّ ما يكون الاستفزاز >وما دعواهم في ذلك غير دعاوى مُبهمة تدور رحاها حول مبدأي ” حريةٍ ” و” تسامحٍ “(2)… والحقيقة التي يغفل عنها هؤلاء أنهم يتجاوزون حدود حقوقهم ويقتحمون بفضاضة حقوق الآخرين بما يمارسونه من أفعال تؤذي وتؤلم قلوب المسلمين، وتزيدها إذاية بما فاض عليها من إنكار المنكر بالقلب أمام صمت ألسنة أهل العلم وشلل أيدي أهل السلطان (4).

الحرية حق مقدس لا شك… لكن أن تهوي دعوى الحرية بصاحبها إلى مهاوي الهمجية والاستهتار، فلا يراعي لحقوق الله تعالى والناس حرمةً، فذلك ما لا يقبله أي منصف عاقل يرغب صادقا في العيش وسط جماعة بشرية تريد أن تحيى حياة إنسانية كريمة… والحُرّ الحق هوالذي يتحرر من قيود رغبات وشهوات نفسه فيؤثر عليها غيره..، يؤثر مصلحة الجماعة التي ينعم بالعيش في حِماها على مصلحته الخاصة، وإنه بقليل من التعقل والتبصر سيدرك أن مصلحة الجماعة ضمانُ أمانٍ لمصالحه.

قال أحدهم في حكمة بالغة :  >فالإنسان المتمسّك بسنن الآداب والأعراف الأخلاقية، لا مندوحة له من تقديم المصلحة العامة على مصلحته الخاصة. وإذا كان المجتمع لا تزال تتوافر له روابط متينة، فإنه لن يكون هناك تناقض يذكر بين المصلحتين، ذلك لأن المرء لن يكون قادرًا بيُسر على تحقيق النجاح الذي يصبوإليه من خلال مخالفة المعايير السائدة والقيم المتعارف عليها. إلا أن الأمر سيختلف حينما لا يرتبط الأفراد بروابط متينة >ففي هذه الحالة تفقد المعايير الاجتماعية أهميتها وذلك لأنها ستفقد قوتها الإلزامية >وحين تصبح المصلحة الخاصة هي المعيار المتحكم في السلوكيات، فإن المجتمع سيفقد متانته واستقراره بكل تأكيد<(4).

نرجومن هؤلاء جميعا بكل حسن نية وحب لهم أن يتوبوا إلى الله عز وجل، وأن يقلعوا عمّا هم فيه من منكرات ينكرها ديننا الحنيف ــ المعيار الشرعي الوحيد لأعمالنا ــ وهذه عَزْمَة نرجومن الله عز وجلّ أن يوفقهم إليها.

وحتى إذا لم يستطع البعض عزمةً، فأقل ما نرجومنه أن يستتر حدًّا لمشاعر الكراهية التي تتصاعد، وتنفيسا لمشاعر الغضب، أوحتى الانتقام، التي تكاد تنفجر. ونرجوله صادقين أن يكون بذلك ضِمْن الذين قال فيهم النبي  : >من زحزح عن طريق المسلمين شيئا يؤذيهم كتب الله له به حسنة، ومن كتب له عنده حسنة أدخله الله بها الجنة<(رواه أحمد).

هذه دعوة عامة إلى جميع أبناء هذا البلد المحبين له. كما أن هذه دعوة خاصة إلى كل الذين يمتلكون وسائل التأثير في الجمهور العريض بقدرتهم على اقتحام قوقعات البيوت وعلى التأثير في النفوس..>نرجومنهم جميعا أن يكونوا معلمي خير لا معلمي شر.

وحيث إن الدعاة الحقوقيين المنصفين يتفقون على أن الحقوق المعترف بها لبني البشر هي في نفس الوقت واجبات >حقوق تمارس وواجبات تحترم >بحيث يشيع في هذا الشأن قولهم عن محدودية الحرية وعدم إطلاقها تجنبا للفوضى والخراب…

… فإن كل من يعتقد في نفسه اعتقادا جازما لا رجعة عنه أن حقوقه وحريته بحر لا شاطئ له وسماء لا سقف لها، نرجومنه أن يبحث له عن مكان آخر في هذا الكون الفسيح حيث أرض الله الواسعة لكي يعيش فيه لوحده >فيمارس حياته كما يشاء دون قيد أوشرط، ويكون بذلك قد جنبنا ويلات الفتن والفوضى… وإننا لنكره له أن يكون مِمَّن قال فيهم النبي   ؛… إنّ شرّ الناس من تركه الناس (أوودعه الناس) اتقاء فُحشه<(رواه البخاري)…

… و…  >إن الله عز وجل إذا أراد أن يُهلك عبدًا نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء لم تَلقهُ إلا مَقيتا مُمَقتا…<(رواه ابن ماجة).

ذ. عبد المجيد التجدادي

tajdadi@maktoob.com

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ــ سبق لمؤتمر مكسيكوالذي عقدته منظمة اليونسكوسنة 1982 حول السياسات الثقافية أن أوصى في بيَانِهِ بضرورة الحفاظ على الهُوية الثقافية لكل شعب والدفاع عنها، واعترف للشعوب بحقها في ذلك الدفاع.

(2) ــ وددنا لوكان هناك اهتمام بتحديد تعريف دقيق لمفهومي الحرية والتسامح مثل ذاك الاهتمام والجدل الذي يقع في تعريف الإرهاب >فنكون بذلك قد ميّزنا ما بين فضيلة الحرية ورزية الفوضى والتسيب، وما بين فضيلة التسامح ورزية البلادة والهوان، مثلما يحاولون التمييز ما بين جُرم الإرهاب وحق المقاومة.

(3) ــ نلاحظ هنا باستغراب كبير أن مختلف التوجهات الرسمية (السلطة بمختلف مكوناتها) تركز على دعايةِ واجب المواطنين في التسامح مع إغفال واجبها هي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد نجزم أن إهمالها لواجبها ذاك مُبَررٌ كافٍ لكي يتصدّى له غيرها، لكن، في طيش يقوده الغضب الجامح وقلة الزاد.

(4) ــ قول لجورج سوروس. ورد في : هورست أفهيلد : ” اقتصاد يغدق فقرا “، ترجمة : د. عدنان عباس علي، سلسلة عالم المعرفة العدد 335، الكويت، دجنبر سنة 2007.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *