التكـويـن الذاتي(3)


التكوين العلمي : موجباته ووسائله ومجالاته وأدواته

تمهيد

يراد بالتكوين العلمي الاجتهاد في التحصيل العلمي إلى حد النبوغ فيه أو هو طلب كل علم يمكن أن يسد ثغرة لدى الفرد والأمة، ويكمل نقصا لديهما معا،ويرقيهما في مدارج القوة المطلوبة شرعا، فالعلم عنصر قوة على المسلم طلبه، والتكوين الذاتي في المجال العلمي يهدف إلى تحقيق تفوق الفرد ونبوغه وتفجير طاقاته الإبداعية واستثمار مؤهلاته أحسن  استثمار كما وكيفا، خصوصا إذا علمنا أن المسلم مطلوب منه أن يكون قويا في كل ما يمكنه تحصيل القوة فيه لتتحقق القوة والخيرية للأمة، والقوة العلمية إحدى أنواع هذه القوة المطلوبة.

مسوغاته

تتعدد مسوغات التكوين العلمي وتتنوع موجباته تنوعا يؤكد ضرورته الشرعية والعقلية، فما هي هذه المسوغات؟ وما هي هذه الضرورة ؟

<المسوغات الشرعية :

– أمر الشرع المكلفين بطلب العلم في كثير من الآيات والأحاديث بصيغ  متعددة كصيغة الوجوب كما في قول الله جل وعلا : .{يا يحيى خذ الكتاب بقوة}(مريم : 12)، وقول النبي  : >طلب العلم فريضة على كل مسلم<  وصيغة الندب والترغيب : كقوله  : >من يرد الله به خيرا يفقه في الدين< وقوله  : > إذا مات ابن أدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له<، وصيغة الثناء على أهل العلم والمتعلمين كقوله تعالى: .{يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات}(المجادلة : 11)، وصيغة التنفير من الجهال وممن لا يستخدمون عقولهم ويميلون إلى التقليد والاتباع كـقوله تعالى : {وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون قل أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون}(الزخرف :23- 24).

– أن العبودية لله لا تتحقق حقا وصدقا إلا بالعلم وأن أكثر الناس علما أكثرهم خشية لله وأقربهم إلى الله منزلة لذلك قال الحق سبحانه : .{إنما يخشى الله من عباده العلماء}(فاطر : 28) كما أن العالم العامل أرفع درجة عند الله من العابد غير العالم كما في حديث رسول الله  : >فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد<.

<المسوغات العقلية :

تتعدد المسوغات العقلية الموجبة لطلب العلم والتعلم المستمر وتكوين الذات تكوينا يناسب قدراتها وإمكاناتها وحاجياتها ويتماشى مع متطلبات المجتمع، ومن هذه المسوغات ما يلي :

< كون العلم مكتسبا وليس فطريا لقوله تعالى  .{اِقرأ بسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اِقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم}(أول سورة العلق) وقوله جل وعلا : .{والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا}(النحل :78 ) وقوله عز وجل: .{وعلمناه صنعة لبوس لكم ليحصنكم من بأسكم}(الأنبياء :80)، وكل ما كان مكتسبا كان متفاوتا تحصيله بين الناس، لذا وجب بذل غاية الجهد والوسع ليكون المرء أكثر تحصيلا وأكثر علما وتعلما من غيره وأكثر تفوقا على أقرانه.

< كون طلب العلم لا حد له في النهاية  وليس له محطة أخيرة ولا نقطة الوصول حتى يظن أحد أنه قد وصل و أدرك كل المعارف وكل العلوم. ولهذا السبب وجب الاستمرار في طلب العلم وعدم التوقف أبدا في أي مجال وأي ميدان وفي أي لحظة. لهذا ورد عن النبي قوله :” اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد”؛ وإذا كانت القناعة مطلوبة في كل شيء فإنها غير مطلوبة في طلب العلم.

< كون العلم هو الأداة التي بها تكتمل إنسانية الإنسان، فبقدر ازدياده في طلب العلم يزداد كمالا في الإنسانية،لأن الجهل نقص والعلم كمال ، وما شرف الإنسان إلا بالعلم والتعلم والتعليم، كما أن الجماعات البشرية لم تكن لها الريادة على بعضها البعض إلا بمقدار تفوقها العلمي واجتهادها في اكتساب المعارف والمعلومات.

< كون طلب العلم في المجتمعات المعاصرة أصبح ضروريا مثل الهواء والغداء، ولا يمكن للمرء أن يعيش بدون الاجتهاد في طلب العلم اجتهادا متزايدا بسبب سرعة نمو الحاجيات الاجتماعية وتنوعها وبسبب ميلاد علوم جديدة وازدياد الحاجة إليها، وبسبب الحاجة إلى تطوير العلوم والمعارف السابقة.

<انتشار عوامل الفساد وأساليب الإفساد في الأمة من ملاهٍ وتكوين ميولات تافهة وأذواق سافلة والتشجيع على مواهب لا أخلاقية وانتشار تعليم سطحي وخاضع للإملاءات والضغوط الأجنبية وبسببها يجد المسلم الغيور نفسه غريبا مغتربا مدفوعا به إلى الهامش والتبعية والاستلاب باستمرار، ولا يجد ما يحقق ذاته وينقذ الأمة من ضعفها ويوصلها إلى الشهود الحضاري لذا أصبح واجبا الوعي بهذا الواقع المتردي واتخاذ التدابير اللازمة لإنقاذ الذات أولا ثم الأمة ثانيا والتكوين الذاتي علميا هو إحدى هذه المداخل .{يا معشر الجن و الإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان}(الرحمان :33).

كل هذه الأسباب وغيرها تجعل من التكوين العلمي الذاتي للفرد مطلبا ملحا: به يكمل ذاته، وبه يحقق وجوده الاجتماعي، وبه يحصل له التفوق والإبداع.

 مجالاته

تتعدد مجالات التكوين الذاتي العلمي تعددا شاسعا بقدر شساعة الحياة، وشساعة مجالاتها وتخصصاتها ؛ ولما كانت حياة الإنسان ممتدة في الزمان من الزمن المحدود (الحياة الدنيا)إلى الزمن اللا محدود  (الحياة الأخرى) وجب أن يشمل التكوين العلمي الذاتي مجالي الحياتين معا، وهما اللذان اصطلح على تسميتهما باسم علوم الدين وعلوم الدنيا، وهو تقسيم لا يصح إلا من حيث جهة التعليم والبيان، وإلا فهما وجهان لعملة واحدة.

<التكوين في العلوم الدينية: يأتي هذا التكوين ـ كما سبق ـ في مقدمة التكوين لأنه هو الذي يهيئ الفرد لأن يكون صالحا في فكره وعلمه ويجعل علومه ومعارفه نافعة وموجهة دوما نحو النفع العام ويجعل سلوكاته سلوكات إنسانية فاضلة، فضلا عن أن التكوين الديني يؤهل الإنسان لأن يكون أفضل عابد لله على بصيرة وعلى أحب حال يرتضيها الله عز وجل من عبده، لذلك قال رسول الله  : >ما عُبِدَ الله بشيء أفضل من التفقه في الدين<، وقد سبق في الحلقة السابقة بيان ذلك.

< التكوين في العلوم الدنيوية :  تنصرف غاية العلوم الدنيوية إلى تحسين معيشة الإنسان في مستوياتها المادية والمعنوية، البدنية والنفسية والاجتماعية وفي مختلف علاقاتها ؛ وتأتي ضرورة  التكوين في هذه العلوم لأنها تدخل في باب جلب المصالح ودرء المفاسد، وقد حث الشرع على طلبها فقال  :>أفضل العلوم الذي يحتاج إليه الناس<. سواء في المعاش أو المعاد، ومن تهاون في طلبها كان آثما شرعا وعقلا، وكان مقصرا في واجبه الفردي والاجتماعي. ولما كانت العلوم الدنيوية متعددة ومتفاوتة في الأهمية وفي إمكان تحصيلها وجب توجيه الاهتمام لتكوين الذات فيما تشتد الحاجة إليه، وفيما للذات إليه ميل ورغبة، وفيما يقل اهتمام الناس به أو لم يفطنوا لأهميته ولم يسبقوا إليه، كما ينبغي الحرص على النبوغ والإبداع  في المجال المراد التكون فيه ومن جملة ذلك :

أ- العلوم الكونية بجميع تخصصاتها وتشعباتها وفروعها (علوم رياضية وفيزيائية وكيميائية وفلكية وبيولوجية وطبية.وتكنولوجية…)، لأنه لا قوام للحياة الإنسانية بدونها، ولا يمكن سد الحاجات والضرورات أو تحقيق  التقدم الحضاري إلا بها.

ب- العلوم التطبيقية والمعلوماتية، لأنها أكثر ارتباطا بواقع الناس المعيشي، فالحاجة إليها أشد وتعلمها أوكد.

ج- العلوم الإنسانية ( علوم اجتماعية ونفسية وقانونية واقتصادية وإدارية ) لأنها تؤهل الفرد لأن يكون عضوا فعالا في مجتمعه ومشاركا في تدبير الشأن العام بكفاءة وإبداع.

د – علوم المناهج سواء كانت مناهج العلوم المادية أو العلوم الإنسانية أو العلوم الشرعية أو غيرها فكلها يتوقف إنشاء المعارف فيها على مناهج النظر والبحث وتحديد طرائق الفهم والتعلم والاستيعاب،  فبغير المنهج يبعد الطريق للوصول إلى النتائج وتضيع أغلب الجهود.

هـ- الفنون والآداب : والتكوين في هذا الجانب  ضروري لكونه ينمي القدرات اللغوية والتواصلية والذوقية ويوسع مدارك التفكير والخيال  وهي عناصر أساسية في البنية الإنسانية على المستوى الفردي والاجتماعي.

   أدواته ووسائله

< تحديد العلوم المطلوب التكون فيها: ليس المطلوب من الفرد أن يكون ذاته في كل العلوم تكوينا دقيقا فهذا مما ليس في طاقة أي أحد ، ولا يقول به عاقل، وإنما المطلوب من المرء أن يختار العلم الذي يرغب في التخصص فيه بشرط أن يتوفر فيه: شرط الرغبة والطموح الذاتي، وشرط المؤهل العلمي والقدرة على السير بعيدا في تحقيق الإبداعية وشرط الحاجة الاجتماعية لذلك العلم، كما لا ينبغي أن يفهم من هذا أن على الإنسان أن ينغلق على علم واحد وينحصر فيه بل المطلوب الانفتاح على كل العلوم الخادمة للعلم الأصلي موضوع التكوين، كما عليه أن ينوع من اهتماماته وهواياته العلمية فإن ذلك يوسع مداركه ويشرفه على عوالم السعادة العقلية وملذاتها فيجعل منه إنسانا ذا شخصية قوية ومتوازنة، ومما يساعد على التكوين في علوم عديدة التركيز على كلياتها وقواعدها الكبرى ومقاصدها وإشكالاتها الأساسية دون جزئياتها وتفاصيلها، فإن من شأن التركيز على الضروري في العلم محتوى ومنهجا ومقاصد أن يقرب طريق تحصيل مبادئ العلوم.

< تحديد برنامج التكوين : لا يمكن أن يؤتي التكوين العلمي ثماره المرجوة منه من غير وضع برنامج للتكوين يحدد فيه المرءُ العلمَ المراد التكون فيه ومدته ووسائله (أهل الاختصاص، مؤسسة تعليمية، جمعية، كتب ومكتبات، أشرطة، أقراص مدمجة، الشبكة الفضائية…) وغاية هذا التكوين

< تكوين مكتبة علمية خاصة بالفرد وخاصة بالمجال العلمي وتنميتها بالجديد وتنظيمها بشكل يسعف على الاستفادة منها بسهولة والحرص على استثمارها استثمارا نافعا بملازمة المكوث فيها والمطالعة والبحث والتأليف والإبداع.

<الاتصال بأهل العلم والاختصاص وسؤالهم عما أشكل فإن الاتصال بهم وملازمتهم من شانه أن يساعد المتكون على إدراك إشكالات العلم ومسائله ويبصره بما يجب البحث فيه دون إضاعة الجهود في تكرار البحث فيما سبق البحث.

< تنويع وسائل التكوين بين ما هو سمعي ومرئي ومقروء، وبين ما هوتأمل ذاتي وتفكر وتدبر وبين ما هو حوار وحجاج ومناظرة،  وبين ما يقوم على التذكر  والذكاء والتطبيق…فبقدر ما تتنوع وسائل اكتساب المعارف يتحقق المقصد من التكوين.

<تحويل المعارف والعلوم إلى أعمال قابلة للإنجاز بناء على ما سبق من القول بارتباط العلم بالعمل، وتلازم العلم مع التجربة وتكامل الأفكار مع التطبيقات، فعلى المتعلم أن يحرص على تحويل كل ما تعلمه إلى أعمال مفيدة، كما عليه أن يحرص على أن يستنبط نظريات وأفكار من أعماله. فإذا تعلق الأمر بقراءة كتاب عليه أن لا يدرب  نفسه على الاكتفاء بقراءة الكتاب فقط وإنما أن يدرب نفسه على القراء العلمية والمنهجية للكتب بتلخيص مضامينها ونقدها والتعليق عليها، والانتقال إلى التدرب على التأليف والكتابة الأدبية، وإذا تعلق الأمر بما هو علمي تعين على المتكون أن يجمع بين النظري والتطبيقي وبين الفكري والمهاري /اليدوي، وإذا تعلق الأمر بما هو أخلاقي جاهد نفسه على التحلي به والتدرب على السلوك وَفْقَهُ ومثله يقال في ما هو فني وذوقي.

وأخيرا يمكن القول إن التكوين الذاتي في المجال العلمي ضرورة بيولوجية لدى الإنسان لأنه كائن عاقل يحتاج عقله إلى المعارف الضرورية كاحتياج جسمه إلى الغداء والهواء، وضرورة شرعية بها يتمكن المسلم من إنجاز التكليفات الشرعية على أحسن وجه ويرتقي في مراقي الكمال الإيماني والشهود الحضاري، كما أنه ضرورة اجتماعية وعقلية تفرضها الطبيعة  النمائية للذات الإنسانية وحاجتها للتطور والاندماج في الواقع الاجتماعي الذي أصبح العلم فيه أهم معيار للكفاءة من هنا كان من اللازم العناية بهذا النوع من التكوين بحسب مجالاته وأدواته ووسائله وشروطه.

د. الطيب بن المختار الوزاني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *