نساء في شموخ الرواسي 30- هل سيصدق حكايتي..؟!


كيف أقتحم كفن معاناتي، لأستعيد بعضا من إحساسي بالحياة؟!

كيف أتحدى ماضي لأجعل من انكساراتي جسراً نحو مستقبل آمن؟!

بل كيف أستعيد لحظة شعوري بالأمان؟!

ليتني أستطيع إحراق صفحة الماضي وذره في عين الظلم، وإن كان الظلم أعمى لا بصر ولا بصيرة له!!

إِبني، صفحة من ذلك الماضي… يكبر، وتكبر معه أسئلته البريئة، كما تكبر جراحاتي..؟! أأحكي له الحقيقة، أم أتركه للقدر علّه يعيها يوماً ما؟!

كانت حياتي سعيدة مدللة، في أحضان أسرة محبة، غنية، ومثقفة.. رضيت بالقدر حين توفيت أمي… فقدت الحضن الذي يحتوي فرحي وحزني ويعيش خلجات نفسي، وأنا أخطو نحو عتبة الشباب، وقدمي الأخرى ما تزال على عتبة الطفولة وكأنها خطوة بين ضفتين، غير أني لم أكمل خطوتي، فقد ألقت بي يد غاشمة في هوة سحيقة لأتجرع عذابات لا تنتهي!

كان أبي يهم بالخروج ليوصلني إلى بيت خالي، علّ بناته يخففن بعضا من حزني وكمدي على أمي.. وإذا بصديق عمره يلح عليه أن يوصلني بنفسه مادام بيت خالي في طريقه…

وفي الطريق، اقترح علي صديق أبي -أو عمي كما كنت أناديه- أن أفاجئ ابنتيْه بزيارة خاطفة.. ابنتاه تكبراني سنا، وقد تعودت عليهما منذ صغري.. قبلت اقتراحه.. ولجت غرفة البنتين، لأتبين أن البيت خال تماما… وهناك اغتصبني الوحش تحت الإكراه والتهديد، مرددا أنه كان ينتظر هذه الفرصة منذ مدة.. وهددني إن فشوت السر!

انهارت نفسي تماما، كتمت آلامي، لزمت الصمت، اسودت الحياة أمامي… كرهت الناس ونفسي، فتقوقعت بداخلي.. والكل يظن أن ذلك كله مرده حزني على أمي!

تضاعف عذابي، حين لاحظت انتفاخ بطني بسرعة وشيئاً ما يتحرك بين أحشائي.. ما أحوجني إلى أمي!! لمن اللجوء والبوح…؟!

أخبرت أبي… لم يصدقني، لأن صديق عمره -حسب ظنه- إنسانٌ في غاية الاستقامة!!

ضربني أبي ضربا مبرحاً لأول مرة في حياتي، وطردني من البيت؟

يا لوحشة الشارع وقساوته وغربته، رغم أني في مدينة مكتظة!! نصحني البعض باللجوء إلى كنيسة.. أحاطتني الراهبات بعناية بالغة.. وضعت ابني، لم تكن صرخته الأولى إعلانا عن حياة، بقدر ما كانت بداية لمأساة لنا معاً.. خيرتني الكنيسة بين أن أسلمه لها وأرحل، أو أربيه مدة عامين، ثم أسلمه لها وأتخلى عنه تماماً وأرحل… طبعا، رفضت… فطردت!

حملته إلى الشارع القاسي.. كيف سنعيش؟! لن أتسول.. لن أبيع جسدي لذئاب مقابل لقيْمة عيش!

لجأت إلى جمعية خيرية لمساعدتي.. اكْتريت غرفة في حي قديم.. لا أملك سوى حصير خشن وبطانية رثة.. عملت في البيوت طيلة النهار، إلى أن انسلخ جلد كفي، وقد كنت مدللة محبوبة وتلميذة متفوقة في مدرسة خاصة..!!

رفعت دعوى ضد الجاني.. فكان أول شاهد ضدي يبرئه هو : أبي.. فقد كذبني أمام المحكمة وقذفني مشيداً بأخلاق صديقه…!

هزتني الصدمة إلى حد اليأس، ابتليت بمرض السكري المزمن! >أم عازبة< عار على المجتمع.. لم يصدق أبي ولا أهلي حكايتي.. فهل يا ترى سيصدقها ابني؟!

أشعر أني في عداد الموتى، كالجمر تكويني صرخة وضحكة صغيري.. ترى، ماذا أقول له حين يكبر ويسألني عن أبيه؟!

ترى، هل سيصدقني، أم سينقم علي، لأني وصمته بعار >ابن الحرام<؟!.

لقد ارتفعتُ عن بيع ابني أو تسليمه مجانا للكنيسة. فهل يتداركني الله برحمة أبي ورحمة المجتمع؟!

ذة. نبيلة عزوزي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *