ثقافة التنمية – حسن الإنصات


حسن الإنصات، الإنصات الجيد، فن الإنصات، فن الاستماع، الاستماع الهادف، فن الإصغاء… كلها مترادفات لمعنى واحد هو كيفية استقبال الرسائل التي يبعثها المرسل بشكل جيد ولائق.

مفهوم الإنصات:

قال تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون}(الأعراف 204-.) الأمر هنا بترك الكلام بهدف التركيز والانتباه والتدبر واستيعاب معاني الآيات والتفاعل معها.

فالإنصات هو أعلى درجات الاستماع وهو عملية انتباه وتركيز عند استقبال كلام/رسائل الآخرين، من أجل الاستيعاب والفهم، ثم التفسير والتحليل بناء على ذلك أو ما يسمى بالبناء الذهني. بمعنى آخر تلقي المعلومة وفهمها فهما صحيحا ثم معالجتها المعالجة المطلوبة. وهذا هو الفرق بين الإنصات أو الاستماع وبين السمع العادي أو غير المركز الذي هو ظاهرة طبيعية تلقائية، والتي تقتصر على تلقي الأصوات بدون قصد أحيانا وبدون الرغبة في معرفة التفاصيل والفهم والتحليل. وهناك حالة يكون السمع بغرض الاستمتاع بالأصوات لا غير كسماع الموسيقى وأصوات الطبيعة (خرير الماء، صوت الرياح، أغاريد الطيور…).

إذن الهدف الأساسي من الإنصات هو الاستيعاب، الذي له ثلاثة أنواع:

– الاستيعاب المعرفي: ويهدف الاستفادة المعرفية من الرسائل التي يتم استقبالها.

– الاستيعاب الوجداني: وهو يتجلى في التأثيرات النفسية التي تحدثها الرسائل في المستقبل.

– الاستيعاب السلوكي: وتكون نتيجته هي إحداث تغير في سلوك المستقبل.

– أهمية الإنصات:

لمعرفة أهمية الإنصات يمكن تطبيق التمرين الجماعي الآتي: قم بتوجيه رسالة شفوية قصيرة إلى أحد أفراد المجموعة، ويقوم هذا الأخير بنقلها إلى من هو بجواره، وهكذا حتى تمر على جميع الأفراد وتصل الرسالة إليك. وستكتشف بأن مضمون ونص رسالتك قد تغير أو فقد معناه. لأن أفراد المجموعة ربما عمدوا إلى السمع وليس إلى الاستماع. وهذا هو السلوك السائد في التواصل اليومي بين الناس، بالرغم من كونهم nحسب الدراسات الحديثة- يقضون 45% إلى 50% من وقتهم في الاستماع إلى الآخرين وفقط 30% في التحدث و25% في القراءة والكتابة.

وهناك مثل صيني يقول “الله منحنا أذنين وفم واحد للسمع أكثر من الكلام”، ولكن السلوك السائد هو أن كل شخص يريد أن يستمع إليه الآخرون أكثر من استماعه هو إليهم. والواقع إذا أردت أن يسمعك الآخرون يجب عليك أن تسمعهم هم أيضا. كما أن الإنصات الجيَّد يمكن من معرفة كيفية تفكير الآخرين مما يساعد على فهمهم وبالتالي التأثير فيهم.

كيفية الإنصات:

الإنصات فن قائم على مجموعة من المهارات والآداب، ومجموعة من العمليات الذهنية السريعة. فالمنصت، لكي يصل إلى غرض ومقصد المرسل/المتكلم:

– يعمل من خلال استماعه المركز على التعرف على الأفكار الرئيسية والمعلومات التفصيلية والمصرح به وما بين سطور رسالة/رسائل المرسل،

– ويعمل في نفس الوقت على مقارنة ما جاء في الرسالة بما يتوفر عليه من معلومات ويحللها وينتقدها ويميز فيها بين المعلومات الواقعية أو الصادقة وبين ما هي من نسج الخيال أو الكذب،

– ويقوم بعملية الاستنتاج الممكن.

ولكي يوفق في هذه العمليات كلها، ينبغي عليه الالتزام بمجموعة من الآداب التي يمكننا أن نسميها بآداب الإنصات، منها:

– عدم الانشغال بالنظر إلى غير وجه المتحدث، ومقاومة الشرود.

– استعمال إشارات وحركات وملامح الوجه لإقناع المتحدث بأنك مهتم بكلامه ومتفاعل معه.

– عدم مقاطعة المتحدث، حتى في حالة عدم الموافقة على كلامه، إلا بغية التحقق من الفهم. وهنا نستحضر خلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، حتى مع أعدائه، إذ لما جاءه عُتبةَ بن ربيعة مندوبا عن قريش لمساومته على دينه ودعوته، تركه صلى الله عليه وسلم يسترسل في كلامه ولم يقاطعه، ولما رأى بأنه قد انتهى من كلامه لم يجبه ويبادر بأخذ الكلمة حتى سأله بأدب قائلا: “أفرغت يا أبا الوليد؟”، قال: نعم، قال : “فاستمع مني”.

تقنيات الإنصات الإيجابي:

هناك ثلاث قواعد لتحقيق الإنصات الإيجابي أو التفاعلي:

1- الاستفهام: أي طرح أسئلة على المتحدث لمساعدته على الاستمرار في الحديث وتبليغ رسالته، وبغية التعرف على المزيد من المعلومات، وذلك باستخدام الأسئلة المفتوحة (كيف، لماذا) والأسئلة المغلقة (من، متى، أين، كم).

2- إعادة صياغة كلام المتحدث: وهي أن تعيد ما قاله المتحدث بصيغة أخرى لتتأكد من أن ما فهمته من كلامه صحيح.

3- اتخاذ وضعية المتكلم: لا يمكن فهم أفكار وأحاسيس المتحدث إلا إذا وضعت نفسك في مكانه، أي استشعار ما يحس به وما يفكر فيه. وهي مهمة صعبة خصوصا إذا لم تكن هناك سابق معرفة بالإطار المرجعي وكيفية تفكير المتحدث.

ذ. أحمد الطلحي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *