توسمات جارحة – الممارسة السلوكية والإيمان


مس الحياة بصفة عامة خلل خطير حين اقتصرت العبادة على الناحية الشعائرية من صلاة وصوم وزكاة وحج، وأهملت أو استُبعدت مختلف مناحي الحياة تحت غطاء مسميات عدة، كمسايرة التقدم والتطور وغيرها.ووقع التسلط على الإنسان المسلم باسم الحرية، وبدلا من أن يستخدم المناهج العلمية والتقنيات والآليات الحديثة لخدمته، وللارتقاء بإنسانيته. ولم يكن ليتم كل هذا إلا في ظل غياب كلي للأخلاق الإنسانية، وعدم تفعيل الإيمان في حياة الفرد المسلم.

ورغم المجهودات الخاصة  القائمة على تقديم الدين للناس عبر الربط الأساس بين الواقع والتصور، الفكر والممارسة، فإن إشكالية التشبث بشكل العقيدة وطقوسها الخارجية،  وتغذية التصور بمفاهيم خارج إطار مصدر الشريعة، أدت إلى الانفصام الحاد الذي نجده في شخصية المسلم منذ لحظات احتكاكه بالغرب، ومحاولاته الخروج من وهدة التخلف والانحطاط. وهي إشكالية تغلغلت في أعماقه، وفرخت أنماطا من السلوكيات والممارسات لا علاقة لها بالهدف الأسمى من وجود الإنسان في الأرض، الأمر الذي أدى إلى خراب القيم والميادئ، والحضارة الإنسانية بصفة عامة، رغم مظاهر العمران والمدنية المختلفة. فكان الابتعاد عن حقيقة العبودية والخضوع الكامل والاستسلام المطلق لله ووحيه وأحكامه وهديه، يقول تعالى : {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}. والإنسان ببعده عن عبادة الله، وعدم تسخير ما في وسعه وقدراته وطاقاته لجلب مرضاة الله تعالى وطاعته يسهم في انحطاط الحضارات، وينزع منها كنه جوهرها، وروح حقيقتها، وإدراك المهمة التي خلق من أجلها، بالابتعاد عن مفهوم الاستخلاف القرآني {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة}(البقرة.30). وهنا يقول ابن عاشور في تفسير التحرير والتنوير :”فالخليفة آدم، وخلفيته قيامه بتنفيذ مراد الله تعالى من تعمير الأرض”. وعلى هذا الأساس فإن غاية الحياة الإنسانية وهدفها أن يقوم الإنسان بتعمير الأرض وفق أوامر الله تعالى ونواهيه، بحيث يكون كل عمل صادر منه، كيفما كان شأنه، متوجها به إلى الله يبتغي مرضاته وتبعا لذلك تكون الحركة التعميرية التي يقوم بها الإنسان في الأرض في كل توجهاتها الفردية، أو الاجتماعية، المادية أو المعنوية حركة تعبدية بانية للحضارة -الإنسانية الحقة {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}(الذاريات.57).

من هنا كان تفعيل الإيمان في حياة كل مسلم قضية أساسية، تخرج الدين من كونه مسألة شخصية محدودة، إلى اعتباره منهجا متكاملا يتغلغل في نسيج الممارسات الإنسانية المتعددة. فتصبح مدار حياة الإنسان لا تخرج عن دائرة قوله  : >ثلاث من كن فيه وجد بهن طعم الإيمان : من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب في الله ويبغض في الله<(رواه النسائي عن أنس). وهذا الطعم الإيماني ينبع عنه سلوك عملي وأخلاقي يتميز به المسلم عن غيره. ولن يتم تذوقه و تفعيله إلا بالحب الرباني، وربطه بأصل الانبعاث الإسلامي في قوله صلى الله عليه وسلم: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، وبالإستجابة لعوامل الإحياء، يقول تعالى :”استجيبوا لله إذا دعاكم لما يحييكم”. والاستجابة للحياة الصحيحة المستقيمة تقوى أو تفتر أو تضمحل حسب سعة التعرف إلى الله تعالى أو ضيقه. وقد تكون هذه المعرفة فطرية، لكنها تنمو بالتربية والتوجيه، ومجاهدة النفس على التخلق بأخلاق الإسلام. وبدون تفعيل الإيمان الحق في حياة الأمة لينسحب على واقعها فإنها تجنح عن الصواب، ولن يفيدها آنذاك أي نظام أو غيره لتغييرها.

وقد وعى بناة الحضارة الإسلامية حقيقة الإيمان، وارتقوا به إلى درجة الإحسان، فأصبح فاعلا مؤثرا في حياتهم وعلاقاتهم الاجتماعية والإنسانية، وهذاأول درس حري بنا تعلمه وفقهه من تاريخنا وتراثنا. وتفعيل الإيمان بعد هذا ليس هو الزهد في الدنيا، أو الانغماس المرضي في الروحانية {ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها}(الحديد.27)،وإنما السعي في البناء المادي، وتمتيع الجسم الإنساني بمطالبه المادية في إطار الحدود الشرعية، والارتقاء بالنفس في مدارج الإحسان. يقول تعالى : {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك}(القصص.77).  وهذا التوازن الإيماني بين الروح والجسد يجب أن يكون في استقلال تام عن مفسدات الواقع، وما يمور فيه من أعراف وتقاليد مبنية على ضلال وأوهام.

د. أم سلمى

umusalma@Islamway.net

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *