الحــلـم الكـبـيــر


نطمح دائماً إلى أن تتحقق في أرضنا العربية الدولة المتحررة الواحدة، والمجتمع الذي لا ظالم فيه ولا مظلوم.. ونوجه أنظارنا واهتماماتنا وجهودنا باستمرار صوب أهداف خارجية، نرجو عن طريق مغاضبة بعضها والتزام بعضها الآخر تحقيق حلمنا الكبير.. ويبلغ من نزعنا الخارجي هذا أن تتجه فئة منا إلى تحميل بعض الدول الكبرى المتقدمة كل أسباب تمزقنا وتبعثرنا وتأخرنا، وتتجه فئة أخرى إلى الالتصاق ببعض الدول الكبرى المتقدمة علها تقضي على أسباب هذا التمزق والتبعثر والتأخر، وتقودنا إلى حلمنا الكبير!!

ولم يلتفت أحد منا -إلا القلة القليلة- إلى حقيقة أن أي حلم كبير، أو هدف مصيري حاسم لن يتحقق إلا بأن ننظر في (الداخل) أولاً، في أعماق نفوسنا، ونسيج عواطفنا، وخطوط تفكيرنا، وخلايا اهتماماتنا، وأسس أخلاقيتنا، ونسيج عواطفنا، وخطوط تفكيرنا، وخلايا اهتماماتنا، وأسس أخلاقيتنا، لكي نعيد تنظيم وصياغة هذه النفوس على كل مستويات الفكر والعاطفة والمطامح والأخلاق، بما يمكننا من تحقيق الشروط الأساسية اللازمة للتحرك صوب أهدافنا والاقتراب يوماً بعد يوم من حلمنا الكبير!!

وما كان لأمة تسعى إلى مصيرها أن تغفل عن هذه الحقيقة الأساسية في التعامل مع سنة التاريخ… ولكن يبدو أن هناك من استؤجر في قلب بلادنا لكي يصرفنا دائماً عن تلمس الطريق الصحيح في الأعماق، ويوجهنا إلى أهداف خارجية بعيدة المنال نصب عليها جام غضبنا مستنزفين طاقاتنا في هذا الهجوم غير المجدي، أو نتعبدها ونتقرب إليها ونتكئ عليها ظانين أنها ستحملنا على جناحيها السحريين إلى حلمنا الكبير.

يبدو أن هنالك من يخوننا من بين ظهرانينا، وإن الزعامات السياسية والفكرية والأخلاقية التي اختبرت لتنفذ هذه الخيانة، قد نجحت لحد الآن في أداء الدور الذي طلب منها أن تؤديه، بل إنها تزداد نجاحاً يوماً بعد يوم لأنها في -أعقاب كل هزيمة -تقدر- بإشارة بسيطة – أن تحرك عشرات الآلاف من المؤمنين لكي يرقصوا في الشوارع والساحات، ويشقوا حناجرهم هتافاً ضد الامبريالية، أو أكفهم تصفيقاً للمعسكر الحليف.

إن هذا التأرجح المحزن بين غضب ضد عدو ما كان له أن يهزمنا لو أن عرفنا كيف ننتصر في (الداخل)، في جبهة النفس، وفق ما علمنا الرسول عليه السلام إياه، فسماه لخطورته بالجهاد الأكبر، وبين ارتماء في أحضان صديق لا تهمه مصالحنا وأهدافنا بقدر ما يسعى إلى استغلال هذه (السذاجة) فيربت على أكتافنا ظاهراً، ويمتصنا باطناً، بما لا يدعنا، في مستقبل قريب أو بعيد، نملك قطرة من دماء!!

لقد طرحها القرآن الكريم قاعدة عريضة {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} {ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}. وبدون هذا التغيير النفسي الذي هو مفتاح المصير، فسنظل ندور في الحلقة المفرغة، حتى ولو ضربنا رؤوسنا بألف جدار غاضبين أو مستعطفين.. بدون هذا التغيير الذاتي ستظل أمتنا تعاني (الخيانة) الخطيرة من أبنائها أنفسهم، وتحمل في دمها وخلاياها جراثيم الدماء الوبيل الذي يفتك بها ويصدها عن المضي إلى أهدافها بصحة وحيوية وعافية.. وترين على أعينها وأفئدتها طبقة من الغبار الكثيف يحجب عنها الرؤية الحقيقية لخرائط الصراع في عالمنا، ومواقعه الأساسية، فتتخبط في الدرب، وتتلقى رؤوس أبنائها ضربات المتصارعين وهم لا يرون أيهم العدو وأيهم الصديق.

وكيف نرجو لأمة تحمل في مسيرتها حشداً من الخونة، وفي دمها كثيراً من الجراثيم، وترين على أعينها طبقة من الغبار، أن تصل إلى أهدافها وتحقق حلمها الكبير ؟ ! وصدق الله العظيم إذ يقول : {أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أني هذا ؟ قل هو من عند أنفسكم}!!

لقد منحنا القرآن الكريم بآياته الحاسمة (الطريق)، وسلمنا (المفتاح) فلنجرب مرة واحدة أن نفتح الباب الموصود بمفتاحه الحقيقي، لكي نمضي – من ثم – على الطريق إلى حلمنا الكبير!!

 أ. د. عماد الدين خليل

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *