مقدمات ضرورية لفهم المراحل، وفقه ما بين عصرنا وعصر النبوة من فروق


 

ثالثا :  الفُرُوق بين زماننا وزمان الرسول

الفروق كثيرة، وتتجلى من الناحية الدّعوية والاجتماعية والسياسية في بعض النواحي التالية :

1) وحدة الداعية : كان في زمن محمد  داعية و احد هو محمد ، والباقي مرتبط به، أما اليوم فالدّعاة كثيرون، والبضاعة متنوعة، والدكاكين كثيرة، والتنافس كبير بين مختلف العارضين، فهناك الدّعوة السلفية بما لها وعليها، وهناك الدعوة الصوفية بما لها وعليها، وهناك الدعوة التجديدية بما لها وعليها.

وكل جهة تحتها أنواع، والمورد أو المنبع ليس صافيا، فالكل ينطبق عليه قول الرسول  >إنّك امرؤ فيكَ جَاهِلية< من قريب أو بعيد.

فتعدد الرؤوس فتنة أو مصيبة، والتعلم من الورق والصحف فتنة أو مصيبة أخرى، والتعصب للطائفة أو للمذهب فتنة أو مصيبة ثالثة.

وهذه الفتن كلها هي المصاعب الكبرى في الطريق يحتاج التغلب عليها  إلى فقه دعوي خاص، بفكر خاص، وتخطيط خاص، ورجال خاصين، وأمكنة خاصة، وبرامج خاصة في أزمنة خاصة، الله وحده يعلم متى يتوفر ذلك.

2) محدودية ساحة التجربة النموذجية : نقطة التجربة في زمن النبوة محدودة هي : الجزيرة العربية، ولذلك كانت الوصية بألا يبقى فيها مشرك ولا يهودي لتبقى خالصة التوحيد.

فمجال الدعوة في العهد النبوي محدود من حيث الأرضُ والمكانُ ومن حيث ظرفُ النبوة ووجودُها، لا من حيث مستقبلُها الممدُود إلى يوم القيامة، أي الخطوط محدودة : من مكة، إلى المدينة، إلى الطائف، وغير هذا لا يدخل في حساب التجربة النموذج. أما في عصرنا فالمجال قد اتسع أكثر، والعمل أو مجالاته متعددة في العالم العربي، ثم الإسلامي، ثم العالمي.

3) الشعوب اليوم هي حصن الدعوة : الآن العالم كله أصبح كمكة قديما، من حيث محاصرة ا لدعوة، والتواصي بالتضييق على أهلها وتشويه سمتعهم. أما من حيث علاقة الدّعوة بمصدر التحكم العالمي فإن حالة المسلمين تشبه حالة موسى \ مع فرعون، والفرق أن لا عصا لفلق البحر لنجاة المسلمين وإغراق الفرعون الكبير المحسوس وغير المرئي.

فالفراعنة الأزلام موجودون ولكنهم دركيون فقط، ومن لم يحافظ منهم على مصلحة فرعون الكبير يُزال ويُقلب، فهم يحاربون الإسلام تنفيذاً لهواه فقط، وليس لاقتناع ذاتي.

والهجرة غير موجودة لأنه لا مدينة في هذا العصر، كما أنه لا مكة المستقلة سابقاً عن نفوذ الفرس والروم، فالكل عبد في خدمة السيد الكبير العالمي العامل من وراء الستار، وعلى هذا فلا انتظار لاستخلاف في (المدينة)، ولكن التهيّؤ الشعبي للإستخلاف على صعيد الشعوب الإسلامية هو الطريق، لأن المواجهة الحاسمة سوف لن تكون إلا بالشعوب الصامدة المصممة على الحياة الكريمة، فلا انقلاب، ولا ثورة مسلحة يمكن أن تقتل الدّعوة أو تؤخرها، أو ترسِّخُها، كل ذلك لا يجدي، وإنما الشعوب الواعية هي القادرة على الحسم وانتزاع الإمامة.

4) تعدد القيادات اليوم : في عصر النبوة كان الزمام في يد الرسول  فهو الذي يأمر وينهى، وكان الإسلام مجتمعاً في نقطة واحدة هي المدينة أو الجزيرة العربية بصفة عامة، ولكن الإسلام اليوم في كل مكان من العالم، وقيادُه ليس في يدِ رَأْسٍ واحد، ولكن في يد عدة رؤوس بوسائل متعددة وأساليب وأفكار مختلفة. وهذا بقدر ما يكوّنُ صعوبة التفاهم والالتقَاء الاستراتيجي -مؤقتا- بقدرما هو دليلٌ على عظمة الإسلام، حيث يكوّن ذلك التعدُّدُ والتنوُّعُ والاختلافُ سدّاً منيعاً أمام اجتياحه والقضاء عليه أو التحكُّم فيه وتوجيه مساره.

ومن فضل الله على هذا الدين وأهله أن الجهاد في سبيله لا ينطفئ أبداً، فكلما هَدَأ الأمر في جهة من جهات العالم قام الجهاد في نقط أخرى بوسائل مختلفة تُعجز المجرمين الظالمين عن ملاحقته والقضاء عليه. وهكذا سيبقى الأمر دواليك إلى أن تُوجد للمسلمين دولة الدّعوة التي إليها يفيئون، وعن أوامرها يصدرون، وبواسطتها يتفاهمون مع العالم تفاهُم من يحمل رسالة إنقاذ للتائهين كي يَرْشدوا، لا تفاهُم مصالح دنيوية وتقاسُم للثروات. فالمسلمون ورّثهم الله تعالى الخلود في الآخرة، وهم للخلود الحق يدْعُون. إذْ الله تعالى لم يَخْلُق الإنسان للفناء أبداً ولكنه خلقه للخلود إما في الجنة أو في النار، والسعيد من اختار الخلود في فراديس الجنان، والمسلمون بدعوتهم يساعدون الإنسان على حُسْنِ الاختيار.

5) غرق المسلمين اليوم في التبعية : عَدُوُّ المسلمين في هذا العصر مستيقظ أكثر من المسلمين، ويعمل بتخطيط محكم شامل لكل شروط التمكين المادي والغلبة العلمية والإعلامية والثقافية والصناعية والعسكرية، بينما المسلمون غارقون في التبعية والتوظيف في مخطط الأجنبي، على عكس ما كان عليه المسلمون في عصرالنبوة، فالقرآن النازل بمكة كان يشتمل على التنبيه للآفاق العالمية، لفتا لأنظار المسلمين إلى أنهم يمتلكون المشروع العالمي الشامل الكامل بكل شروطه ومؤهلاته المادية والمعنوية، {ومَا هُو بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ فَأَيْنَ تَذْهَبُون إنْ هُوَ إلاّ ذِكْرٌ للْعَالِمِينَ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُم أن يَسْتَقِيم}(التكوير : 29)، {ويَقُولُون إنّهُ لمَجْنُونٌ ومَا هُوَ إلاَّ ذِكْرٌ للْعَالَمِين}(القلم : 52).

والرسول  كان يلفت نظر الصحابة المستعجلين -أحيانا- وبعض القبائل المدعوة إلى الأفق البعيد لهذا الدين وأنه عما قريب سَيَدِين به أكثرُ الناس بذلّ عزيز، وعِزِّ ذليل. إلا أن المسلمين بحاجة إلى سموٍّ أخلاقي وعلمي وفكري وتخطيطي في مستوى مشروعهم الشامل، وبحاجة أيضا إلى الاستفادة من كل التجارب والطاقات لتوظيفها في خدمة الدّعوة باستقلالية وتميُّزٍ.

6) وحدة جبهة الأعداء : كان اليهود يكونون جبهة معادية مستقلة مرئية في عصر النبوة أما اليوم فقد تمكنوا من النصارى ودخلوا في بطنهم وفكرهم وشعورهم وأعصابهم، وأصبحوا يضربون المسلمين بأيدي النصارى النائبين عنهم، وأحيانا بيد النصارى والمجوس وكل الوثنيين، بل وبأيدي المنافقين من العلمانيين والملحدين، وبذلك تحققت وحدة جبهة الأعداء الذين يقول فيهم الله تعالى : {والذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أوْلِيَاءُ بَعْضِ إلا تَفْعَلُوه تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأَرْضِ وفَسَادٌ كَبِيرٌ}(الأنفال : 74).

في عصر النبوة كانت وحدة جبهة المسلمين في وجه الأعداء المتفرقين. واليوم جبهة المسلمين المتفرقين المتطاحنين في وحدة جبهة الأعداء، فكيف يغلبون وينتصرون ويتحضرون وهم على ما هم عليه ؟؟!

7) امتلاك القرار  : في عصر النبوة المسلمون كانوا يملكون القرار  المستقل لأنهم مستقلون دينا ومرجعية وأخلاقا وعملا وتخطيطا، فلم يكونوا مشغولين لابالفرس ولا بالروم، بل كانوا ينظرون اليهم نظرة ا لداعي للمدعو، ونظرة صاحب الرسالة الضال عن الطريق، أما الآن فالمسلمون بدُوَلِهِم مجرَّدُ ولايات للكبار يستحْيُون أن يخاطبوهم بالإسلام، فضلا عن أن يستقلوا بأنفسهم مرجعيةً وتخطيطًا.

8) الوحي ينقل الخطى : في عصر النبوة كان الوحي هو الذي ينقل الخطى، أما الآن فالمسألة اجتهاديةٌ، والذي صَعّبَ القضية أن الكثير من الحاملين للدّعوة تأثروا بثقافة الغرب -عدُوِّهم- فهم ليسوا أصلاَءَ في الثقافة الإسلامية، وإنما يحاولون التأصُّلَ، وهذا الخلط يجعلهم يغترفون من مرْجِعيَّتَيْن : مرجعية إسلامية ومرجعية غربية مع محاولة الـمواءمة بينهما، مثل الخلط المزمن بين الشورى والديمقراطية، وحقوق الإنسان في المرجعة الإسلامية والغربية، وكذلك حقوق المرأة من المنظور الإسلامي والمنظور الغربي إلى غير ذلك من المواضيع التي شغلت المسلمين لفترات طويلةومازالت، وتَراشقَ فيها المتناظرون تراشقًا سفيهاً أحياناً أدَّى إلى التسابُب والتقاطع لقلة العلم من جهة، وضيق الصدر من جهة أخرى.

9) الدعوة اليوم إلى تجديد الدين : المدعوون قبلُ كانوا مدعُوِّين لشيء جديد هو الإسلام أما الدّعوة اليوم فهي لتجديد الدّين فقط، لأن الدين اكتمل، ولذلك فالمدعوُّون يشاركون الدعاة في الانتماء للإسلام والادّعاءِ بأنهم حُماتُه.

فالخلاف اليوم ليس في النصِّ حيث النصُّ موجود، ولكن في فهْمِ النصِّ. أما سابقاً فالجاهلية لا نَصَّ لها ولا تشريع يمكن أن يواجه الإسلام والوحْيَ، وإن ادّعَوْا أنهم على ملَّة ابراهيم فدعوتهم كانت مَرْدُودَةً عليهم. والآن كيف يستطيع الداعية مواجهة كثرة التأويلات والفهوم التي يُطلقها إمَّا : عُلماء السلاطين وإمَّا عُلماء التِّيَّارات ويَغْتَرُّ بها قُطْعان الشعوب، إنها محنَةٌ وأية مِحْنة أمام الدّعاةٍ النزهاءِ الأُصَلاءِ.

10) التلقّى للعمل والدّعوة والتلقي للتثقيف : نزل الإسلام للعمل به وتطبيقه والدّعوة إليه، ولكن الكثير من الناس اليوم يرغبون في فهم الإسلام للزينة والتجمُّل الشكلي والمعرفي بدون هَمٍّ ولا حُرقَةٍ.

ذ.المفضل فلواتي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *