مـن أسرار شعيرة الحج وفوائدها


توطئة

ما تكاد أشهر الحج تبدأ حتى يشهد العالم كله شرقا وغربا وشمالا وجنوبا حركة دائبة، واستعدادا قائما على قدم وساق، يدفع بهذه الجموع المتلهفة إلى بيت الله الحرام، يهزها الشوق إلى رؤيته، ويدفعها الحنين إلى رحابه، وتتواثب الفرحة في أفئدتهم، لأن هذه الرحلة ستحملهم إلى جوار البيت الذي عظمه الله تعالى وشرفه، وبارك من حوله، ولا غرو في ذلك ولا عجب لمن فقهه الله في دينه، وعلمه كتابه، لأنه سيدرك أن هذه الحركة الدائبة التي جاشت بالقلوب إلى رؤية هذا البيت إنما هي استجابة الله لدعوة إبراهيم عليه السلام، حينما قال في دعائه : { ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون}(إبراهيم : 37).

حِكم وأسرار العبادات

لقد شرع الله الشعائر والعبادات لحكم عظيمة، ومصالح عديدة، لا ليضيق بها على الناس، ولا ليجعل عليهم في الدين من حرج.

ولكل عبادة في الإسلام حكم بالغة يظهر بعضها بالنص عليها، أو بأدنى تدبر، وقد يخفى بعضها إلا على المتأملين الموفقين في الاستجلاء والاستنباط.

والحكمة الجامعة في العبادات هي تزكية النفوس، وترويضها على الفضائل، وتطهيرها من النقائص، وتصفيتها من الكدرات، وتحريرها من رق الشهوات، وإعدادها للكمال الإنساني، وتقريبها للملأ الأعلى، وتلطيف كثافتها الحيوانية؛ لتكون رقاً للإنسان، بدلاً من أن تسترقه. وفي كل فريضة من فرائص الإسلام امتحان لإيمان المسلم، وعقله، وإرادته.

أسرار الحج

هذا وإن للحج أسرارًا بديعة، وحكماً متنوعة، وبركات متعددة، ومنافع مشهودة سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى الأمة. فمن أسرار الحج ومنافعه ما يلي:

1- تحقيق العبودية لله تعالى: فكمال المخلوق في تحقيق العبودية لربه، وكلما ازداد العبد تحقيقاً لها ازداد كماله، وعلت درجته. وفي الحج يتجلى هذا المعنى غاية التجلي؛ ففي الحج تذلل لله عز وجل، وخضوع وانكسار بين يديه؛ فالحاج يخرج من ملاذ الدنيا مهاجراً إلى ربه، تاركاً ماله وأهله ووطنه، متجرداً من ثيابه، لابساً إحرامه، حاسراً عن رأسه، متواضعاً لربه، تاركاً الطّيب والنساء، متنقلاً بين المشاعر بقلب خاضع، وعين دامعة، ولسان ذاكر يرجو رحمة ربه، ويخشى عذابه. ثم إن شعار الحاج منذ إحرامه إلى حين رمي جمرة العقبة والحلق: “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك”، ومعنى ذلك أنني خاضع لك، منقاد لأمرك، مستعد لما حملتني من الأمانات؛ طاعة لك، واستسلاماً، دونما إكراه أو تردد.. وهذه التلبية ترهف شعور الحاج، وتوحي إليه بأنه -منذ فارق أهله- مقبل على ربه، متجرد عن عاداته ونعيمه، منسلخ من مفاخره ومزاياه. ولهذا التواضع والتذلل أعظم المنزلة عند الله عز وجل، إذ هو كمال العبد وجماله، وهو مقصود العبودية الأعظم، وبسببه تمحى عن العبد آثار الذنوب وظلمتها، فيدخل في حياة جديدة ملؤها الخير، وحشوها السعادة. وإذا غلبت هذه الحال على الحجاج، فملأت عبودية الله قلوبهم، وكانت هي المحرك لهم فيما يأتون وما يذرون، صنعوا للإنسانية الأعاجيب، وحرروها من الظلم، والشقاء، والبهيمية.

2- إقامة ذكر الله عز وجل: فالذكر هو المقصود الأعظم للعبادات، فما شرعت العبادات إلا لأجله، وما تقرب المتقربون بمثله. ويتجلى هذا المعنى في الحج غاية التجلي، فما شرع الطواف بالبيت العتيق، ولا السعي بين الصفا والمروة، ولا رمي الجمار إلا لإقامة ذكر الله. قال تعالى: {ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير}(الحج: 28).. وقال جل ذكره: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم، فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق}(البقرة: 198- 200).

3. ارتباط المسلمين بقبلتهم: هذه القبلة التي يولّون وجوههم شطرها في صلواتهم المفروضة خمس مرات في اليوم. وفي هذا الارتباط سر بديع؛ إذ يصرف وجوههم عن التوجه إلى غرب كافر، أو شرق ملحد؛ فتبقى لهم عزتهم وكرامتهم.

4- إن الحج فرصة عظيمة للإقبال على الله بشتى القربات : إذ يجتمع في الحج من العبادات مالا يجتمع في غيره؛ فيشارك الحج غيره من الأوقات بالصلوات وغيرها من العبادات التي تفعل في الحج وغير الحج. وينفرد بالوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، ورمي الجمار، وإراقة الدماء، وغير ذلك من أعمال الحج.

5- الحج وسيلة عظمى لحط السيئات، ورفعة الدرجات:  فالحج يهدم ما كان قبله. قال النبي  لعمرو بن العاص]: >أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله؟<(رواه مسلم).

فالحج أفضل الأعمال بعد الإيمان والجهاد؛ فعن أبي هريرة ] قال: سئل النبي : أي الأعمال أفضل؟ قال: >إيمان بالله ورسوله<، قيل: ثم ماذا؟ قال: >جهاد في سبيل الله<، قيل: ثم ماذا؟ قال: >حج مبرور<(رواه البخاري).

والحج أفضل الجهاد؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت : >قلت يا رسول الله! نرى الجهاد أفضل الأعمال؛ أفلا نجاهد؟< قال: >لا، ولكن أفضل الجهاد حج مبرور<(رواه البخاري).

والحج المبرور جزاؤه الجنة، قال عليه الصلاة والسلام: >العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة<(رواه مسلم).

والحاج يعود من ذنوبه كيوم ولدته أمه إذا كان حجه مبروراً، قال النبي : >من حج هذا البيت فلم يرفث ولميفسق رجع كيوم ولدته أمه<(رواه البخاري ومسلم).

6- هياج الذكريات الجميلة: ففي الحج تهيج الذكريات الجميلة العزيزة على قلب كل مسلم، وما أكثر تلك الذكريات! وما أجمل ترددها على الذهن!

فالحاج، على سبيل المثال يتذكر أبانا إبراهيم الخليل \ فيتذكر توحيده لربه، وهجرته في سبيله، وكمال عبوديته، وتقديمه محبة ربه على محبة نفسه، ويتذكر ما جرى له من الابتلاءات العظيمة، وما حصل له من الكرامات والمقامات العالية، ويتذكر أذانه في الحج، ودعاءه لمكة المكرمة، وبركات تلك الدعوات التي ترى أثارها إلى يومنا الحاضر، ويتذكر الحاج ما كان من أمر أمنا هاجر(عليها السلام)، فيتذكر سعيها بين الصفا والمروة بحثاً عن ماء تشربه، لتدر باللبن على وليدها إسماعيل \، ذلك السعي الذي أصبح سنة ماضية، وركنًا من أركان الحج. ويتذكر أبانا إسماعيل \ فيمر بخاطره مشاركة إسماعيل لأبيه في بناء الكعبة، ويتذكر ما كانمن بر إسماعيل بأبيه؛ إذ أطاعه لما أخبره بأن الله يأمره بذبحه؛ فما كان من إسماعيل إلا أن قال: {افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين}(الصافات: 102)، ويتذكر الحاج أن مكة هي موطن النبي تكتب مجموعة وصَغيرة ففيها ولد وشب عن الطوق، وفيها تنزل عليه الوحي، ومنها شع نور الإسلام الذي بدد دياجير الظلمات. ويتذكر من سار على تلك البطاح المباركة من أنبياء الله ورسله وعباده الصالحين، فيشعر بأنه امتداد لتلك السلسلة المباركة، وذلك الركب الميمون، ويتذكر الصحابة (رضي الله عنهم) وما لاقوه من البلاء في سبيل نشر هذا الدين، ويتذكر أن هذا البيت أول بيت وضع للناس، وأنه مبارك وهدى للعالمين..

بلدة عظـمى وفـي آثارهـا

أنفع الذكرى لقوم يعقلون

شب في بطحائها خير الورى

وشبا في أفقها أسمح دين

فهذه الذكريات الجميلة تربط المؤمن بأكرم رباط، و تبعث في نفسه حب أسلافه الكرام، والحرص على اتباع آثارهم، والسير على منوالهم. ثم إن الحاج إذا عاد من رحلة حجه حمل معه أغلى الذكريات، وأعزها على نفسه، فتظل نفسه متلهفة للعودة إلى تلك البقاع المباركة. ورحم الله الإمام الصنعاني إذ يقول في ذكرى الحج ومنافعه :

أيا عذبات البان من أيمـن الحمى

رعى الله عيشاً في رباك قطعناه

سرقناه من شرخ الشباب وروقه

فلما سرقناه الصفا منه سرقناه

وعادت جيوش البين يقدمها القطا

فبدد شملاً في الحجاز نظمناه

ونحن لجــيران المحصب جيرة

نوفي لهم عهد الوداد ونرعاه

فهاتيك أيام الحـــياة وغيرها

ممات فيا ليت النوى ما شهدناه

فيا ليت عنا أغمض البين طرفه

ويا ليت وقتاً للـفراق فقدناه

وترجع أيام المحصب من منى

ويبدو ثراه للعــــيون وحصباه

وتســرح فيه العيس بين ثمامه

وتستنشق الأرواح نشر خزاماه

أثر الحج في تقوية الإيمان

وتصحيح السلوك

إن الحج فرض على المسلم القادر العاقل، حيث قال الله تعالى: {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر ياتين من كل فج عميق، ليذكروا…..}، ومعنى ذلك أنه ليس فريضة لتحقيق الأهواء والرغبات فقط، وإن حرص بعضهم على الحج الفاخر يمكن أن يكون خيرا لو كان وسيلة لفتح صفحة مع الله عز وجل، ولكن للأسف الشديد فإن بعضهم يعودون من الحج ويواصلون معاصيهم التي كانوا يرتكبونها قبل الحج كالرقص والغناء وأكل أموال الناس بالباطل، ومعنى هذا أن أثر الحج لم يظهر عليهم وهذا يدل على أن الله عز وجل لم يتقبل منهم العمل لأنه لم يظهر عليهم أي أثر للتقوى، وكأنهم في رحلة سياحية لا يستفيدون سوى ضياع الوقت، وإنفاق المال رياء، ولهذا يقول الله تعالى:{فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا}، فالله تعالى هو الذي يقبل العمل أو يرده، إلا أننا نستند في شأن من يصر على المعصية والكبائر رغم حجه إلى قوله تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر..}، وقول رسولالله :” من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له” لأنه من الواجب أن نعلم أنه بقدر ما تقربنا الطاعات من الله تعالى، فإن المعصية تبعدنا عنه، لذلك فإنه لا يليق بمن يعبد الله عبادة خالصة في الحج أن يعود ليبادر الله بالمعاصي، وهنا أذكر حادثة المرأة التي كانت تزني لتنفق على اليتامى، وذكر ذلك لرسول الله  فقال:” ليتها لم تزن ولم تتصدق”، وهذا ينطبق على العبادات التي تستخدم فيها الأموال الحرام.. وقد رجح مجموعة من العلماء عدم تكرار الحج بعد الفريضة، أو الحج الفاخر، وقالوا بوجوب توجيه المال لأعمال الخير المختلفة..

ذ. محمد بوهو

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *