مراد النفوس وهواها


إنما يجر الإنسان متاعب كثيرة في حياته بسبب استسلامه لمراد نفسه الأمارة بالسوء، التي تميل إلى الجشع، ولا ترضى بالقليل، لأن الإنسان في هذه الحالة يصبح أسير مطامعه ورغبات نفسه، فلا يرى إلا ما فيه تحقيق لتلك المطامع والرغبات وإن كان في ذلك من الظلم لغيره والإجحاف بحقوق سواه ما فيه.

إن الناس الذين يذهب بهم مراد نفوسهم الأمارة بالسوء كل مذهب يظلون في قلق دائم، و أرق مستمر، لأنهم يعيشون حالة التربص لنيل ما يريدون مهما كانت الوسائل التي يستخدمونها….. هذه الحالة (المرضية) تشغل الإنسان بغير المهم عن المهم، وبالتافه من الأمور عن الجليل منها، وتوقعه في براثن مطالب الحياة الدنيا الرخيصة – مهما غلت- فينشغل  بها عن مطالب الآخرة الغالية التي لا يتحقق الربح الحقيقي إلا بها.

كم من إنسان مستسلم لمراد نفسه لا يعرف النوم، ولا يستطيع أن يعيش لحظة خشوع في صلاته، ولا لحظة انشراح في تلاوة آية، ولا لحظة صفاء في تسبيح و ذكر ودعاء..

قال لي أحدهم : والله لقد أصبحت كثير الأرق، قليل النوم،مقصرا في واجباتي الخاصة  والعامة مع أهلي : فقلت له – وأنا أعرف حاله – : أتدري لماذا؟ لأنك مازلت تنظر إلى الحياة وما فيها من المادة والمظاهر بمنظار الطمع، ولهذا دَار بك دولابها فصرفك عن لذة الحياة والطاعة، ومتعة هدوء النفس وراحة البال فوصلت إلى ما وصلت إليه من الحالة التي تشكو منها.

هناك مظاهر رخيصة في الحياة لا تستحق أن يضيع وقت الإنسان العاقل وجهده من أجلها، و إنما ينخدع بها من فتح منافذ قلبه للدنيا و حبها فأصبحت تلك المظاهر الرخيصة غالية عنده يبدل في سببها راحة قلبه، وهدوء نفسه، ويهدر من أجلها حقوق الناس من حوله.

إن السعي في مناكب الدنيا أمر مشروع ولكنه وسيلة من وسائل العيش في هذه الحياة الدنيا، وليسغاية وهدفا، ومتى ما أصبح مراد النفوس، وهواها ورغباتها متصادما مع حقيقة وجود الإنسان في هذه الحياة، عبادة الله سبحانه وتعالى عبادةً خالصةً يتحقق بها العدل والإنصاف، والرضا بقضاء الله، وشكره على ما تيسر من رزقه الذي  يكتبه لعباده، أقول : متى ما أصبح ذلك المراد النفسي متصادما مع غاية وجود الإنسان أصبح سببا في شقائه وقلقه وأرقه، وعاملا من عوامل خسارته في الدنيا والآخرة….

إن الإنسان العاقل المؤمن بالله هو الذي يعطي كل شيء قيمته الحقيقية، دون إفراط ولا تفريط.

ومن سلبيات الانقياد لمراد النفوس ومطامعها إساءة الظن بالناس والحقد على من لا تتحقق عن طريقه تلك المطامع، وفي هذا من الشقاء,و العَنت والمشقة ما لا يمكن أن تتحقق معه الراحة التي يتوق الإنسان إليها، ولا السعادة التي ينشدها…..

وصدق القائل :

يدوم لنا إخلاصنا ويقيننا…..

وما دونه في هذه الأرض ذاهب

ومراد النفوس أهون من أن…

نتعادى  فيه و أن   نتفانى

أحمد بن جنان- مكناس

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *