لغتنا المستباحة


يُحكى أن الخليل بن أحمد الفراهيدي، شغلته يوما مسألة نحوية فبات الليل ساهرا يبحث عن حل لها، وبينما هو منهمك في إيجاد الحل الأمثل، طرق بابه طارق فقطع عليه حبل تفكيره، فقام صارخا في انفعال شديد :

ـ من الطارق؟

فجاءه صوت عليل من خلف الباب :

ـ شيخ فقير يسأل الصدقة.

فرد عليه الخليل في عصبية :

ـ حاجتك ليست عندي  هيا انصرف

فعاد الصوت وقد اتسم بقليل من الحدة :

ـ اسمي أحمد يا سيدي

وكأن السائل يَعْني أن “أحمد” اسم ممنوع من الصرف.

بغض النظر عن مدى صحة هذه القصة، فإنها تبين إلى أي مدى كان سلفنا يهتم بلغة الضاد، ويحرص أن يرفع من شأنها ويرتفع بها، غير أن بعض أبنائها الآن، إما جهلا وإما استلابا يحاول أن يحط من قدرها ويعلي من شأن لغة موليير التي رضعها لا طلبا في العلم والتفتح، بل خدمة لمشروع تدميري يبدأ باللغة ولا ينتهي إلا  بهدم كل القيم التي لوثت فضاءاتها لغة القرآن، والدليل على ذلك أن هذا الصنف من أنصاف المثقفين لا يجد حرجا أن يكتب بالعامية، ويعتبرها لغته القومية ويصدر الصحف والدوريات التي تحتفي بالدارجة وتعتبرها ذكاء لغويا، بل وينعى على اللغة العربية تحجرها وعدم انفتاحها على لغة الشارع حتى يسهل على الناس تعلمها، لأنه على حد تعبيره يرى أن النحو في لغتنا الكلاسيكية معقد ويزيد من صعوبة تعلم اللغة.

نحن لسنا ضد انفتاح اللغة على محيطها، وتجددها باستمرار، ولكننا ضد أن تصبح مسخا ليس له أصل ولا فصل، فالفرنسية والانجليزية وكل لغات الشعوب تتجدد ولكن في إطار أكاديمي يحفظ خصوصياتها ويرفع من شأنها بين الأمم، فلماذا نريد للغتنا أن تترعرع كما تترعرع الأعشاب البرية والنباتات الطفيلية؟! كيف سنقرأ تاريخنا وتراثنا؟ أي لغة سيدرسها الباحثون من المستشرقين الذين يريدون معرفتنا؟ أهي الدارجة المغربية،أم المصرية، أم اللبنانية، أم ما ذا؟… أتمنى أن يكون حسن النية وراء هذا الاتجاه، وألا يعمي الحقد الإيديولوجي بصيرة البعض.

ذ. أحمد الأشهب

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *