قال محمد الكحلاوي : إني التزمت بمدح خير البرية


 

حكى لي الدكتور محمد محمد الكحلاوي أستاذ التاريخ الأندلسي بجامعات مصر والسعودية وغيرهما أن والده المنشد والمغني المعروف صاحب المضحِّك شكوكو والمضحِّك علي الكسار رحمهم الله في بعض الأفلام المصرية تعلق قلبه بالنبي  فأنشأ عدة أغاني في مدح هذا الرسول العظيم كما أنشأ عدة ابتهالات وتأوهات روحية كان لها رواج كبير بين الشعب المصري بل عبر العالم العربي، وبنى مسجدا ولازم العبادة كما حرص على تنشئة أولاده على حب الدين ومحبة رسول الله  ..

وذات يوم جاءه المبعوث يطلب منه أن ينشئ أغاني يمجد فيها حبيب الجماهير؛ وطلبُ هؤلاء أمرٌ صارمٌ لا يسع المأمور به إلا الرضوخُ لما يريدون مع إظهار الرضى والفرح والإقرار بالمنة الكبرى التي يمنون بها عليه  وعلى المداحين المتزلفين شعرا ونثرا وغناء ورقصا لكن محمد الكحلاوي كان قد التزم مع الله ألا يمدح إلا رسوله وخليله محمدا ، ولذلك أحْرِجَ أيما إحراج وهو يعلم أن رفض ما طُلِبَ منه فعلُه يجر عليه من البلاء والمضايقات ما ترتعد منه الفرائص. لكنه كان وفيا لرسول الله ، فرَدّ على حامل الطلب أو الأمر بأنه يعتذر عن تلبيته لأنه ملتزم ألاّ يمدح أحدا إلا سيد الخلق المعصوم محمدًا  . . فكان رد فعل السلطة الحاكمة أنها أعطت أمرها بمنع الإذاعة وغيرها من التعاون مع الكحلاوي، وبذلك لم يعد أحد يسمع من إذاعة القاهرة وفروعها أغانيه القديمة وابتهالاته وأمداحه للنبي  الجديدة، فظلت ممنوعة حتى جاء عهد السادات رحمه الله الذي وقع فيه انفراج كبير في مصر وعاد صوت الكحلاوي الجميل والمؤثر ينطلق عبر الأثير.

ومما أكرم الله به هذا الفنان الملتزم الذرية الصالحة: الدكتور محمد الكحلاوي المؤرخ والأستاذ الجامعي الذي زار المغرب أكثر من مرة، وأكرمني بزياراته وهو طالب يُعِدّ درجة الدكتوراه، وأخته الداعية الجليلة الدكتورة السيدة عبلة الكحلاوي عميدة كلية الدراسات الإسلامية بإحدى جامعات مصر وصاحبة البرامج العلمية والدعوية الناجحة في قنوات فضائية مصرية وعربية.

لقد سجل التاريخ أن الفن الرفيع يأنف صاحبه أن يُبْتَذَل وأنْ يُطرح في أسواق التزلف والنفاق والوصولية ليُذَلّ ولدينا أمثلة كثيرة في هذا المجال الذي هو جدير بالتأليف ليكون قدوة لأصحاب المواهب الباهرة التي تتبلّد وتتخشّبُ وتفقِد قيمتها وإشعاعها إذا ما أصبحت وسيلة للارتزاق وأسلوبا للنفاق وسُلّماً للصعود الذي هو  في الحقيقة سقوط في غيابات الأغوار.

فرحم الله هذا الفنان الكبير وأيد بنصره وتوفيقه أولئك الفنانين والفنانات الملتزمين والملتزمات مع الله والصابرين والصابرات على ما يصيبهم من عنت ومضايقات وابتلاءات من جنود الشيطان وعملاء الشر الذين تؤذيهم توبة التائبين واهتداء التائهين وانتصار الحق على الباطل وارتفاع مستوى الفضيلة والطهارة والاستقامة في المجتمع ومع ذلك نسأل الله لهم أن يكرمهم بحلاوة الإيمان واللذة الكبرى بالتوبة النَّصُوح وأن يجعل قوَّتهم لصالح أمتهم المسلمة.

د. عبد السلام الهراس

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *