سبل التخلق الجمـاعي بالـمحبة


إن الحب في الله مظهر أسمى من مظاهر الكرامة الإلهية، والسعادة الأبدية، و نعمة كبرى وزادٌ منَّ الله تعالى به  على المؤمنين، ولأهمية المحبة في الله، آخى رسول الله  بين المهاجرين والأنصار، فكان يقول لهم : تآخوا في الله أخوين أخوين (السيرة النبوية لابن هشام ج 1ص : 505 )، وقد ضرب صحابة رسول الله  المثل الأعلى في الحب والإيثار. لأن النبي  كان يهيئ أصحابه لمهمة كبرى، وهي التمكين لدين الله وإقامة دولة الإسلام، فكان هذا يستلزم قوة التلاحم والترابط بين أفراد هذه الجماعة التي باعت نفسها لله، وتعاهدت على نصرة شريعته، ليكونوا صفا واحدا متلاحما كالبنيان المرصوص. لأن الجماعة المسلمة المرجوة لنصرة الإسلام، لا تقوم على وحدة المفاهيم ووحدة التنظيم فقط، وإنما تقوم على وحدة المشاعر، وعلى تآلف القلوب، وارتباطها بعروة الحب في الله، وهو ما ذكره  الله تعالى في خطابه  لرسوله الكريم بقوله : {هو الذي أيّدك بنصره وبالمومنين وألّف بين قلوبهم، لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألّفت بين قلوبهم، ولكن الله ألف بينهم، إنه عزيز حكيم}(الأنفال : 62- 63).

ولهذا كان الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله في أحاديثه الأسبوعية -أحاديث الثلاثاء- حريصا على أن يبدأها دائما بإحياء القلوب بالإيمان والحب، وهو ما يسميه (عاطفة الثلاثاء). فقد جعل المحبة من أركان البيعة، وكان من كلماته المأثورة : “إن دعوتنا تقوم على دعائم ثلاث : الفهم الدقيق، والإيمان العميق، والحب الوثيق. إن الأخوة في الله والحب في الله أمر له تكاليفه وتبعاته، وهي ليست دعاوى فارغة، ولا شعارات براقة، وإذا كان الأخ لا يستطيع أن يقصر في أداء واجبه نحو أخيه في الدم والنسب، فإن أخاه في الله يجب أن يحظى بالدرجة نفسها من الاهتمام والرعاية والعناية، لأن المحبة في الله سبب أساسيلدخول الجنة ونيل الدرجات العلا”(انظر كتاب أين الخلل للدكتور يوسف القرضاوي ص 46).

ولكي نحقق  هذه المحبة في نفوسنا ونتخلق بها ونسير على درب السلف الصالح  لابد أن نسلك هذه السبل :

قضاء الحوائج

إن مما يقوي دعائم المحبة بين أفراد الجماعة المسلمة وينميها ويشخص جسديتها، هو كل معروف تقدمه لأخيك، سواء أكان هذا المعروف صغيرا أم كبيرا، فمن علامات المحبة أن تحب النفع لأخيك، فإذا اجتهدت في تحقيق هذا النفع فقد تقربت إلى الله بأزكى الطاعات وأجزلها مثوبة، لأن المبادرة إلى الخير والمسارعة إليه و انشغالك الدائم بهمومه أخلاق يرغب فيها الإسلام، وهي درجات، أدناها القيام بها عند السؤال والقدرة، لكن مع البشاشة والاستبشار، وأوسطها القيام بالحاجة من غير سؤال، وأعلاها تقديم حوائجه على حوائج نفسك. يقول الرسول  : >لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق<(رواه مسلم). ويقولالنبي  أيضا : >بادروا بالأعمال الصالحة فستكون فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا<.

قال رسول  : “يحشر قوم من أمتي على منابر من نور يمرون على الصراط كالبرق الخاطف، نورهم تخشع له الأبصار ما هم بالأنبياء، ما هم بالشهداء، إنهم قوم تقضى على أيديهم حوائج الناس”.

ينبغي أن تكون حاجة أخيك مثل حاجاتك أو أهم من حاجتك، وأن تكون متفقدا لحاجاته غير غافل عن أحواله كما لا تغفل عن أحوال نفسك، فتقوم بحاجته كأنك لا تدري أنك قمت بها، ولا ينبغي أن تقتصر على قضاء حاجته، بل تجتهد في البداية في زيارته وإيثاره وتقديمه على الأقارب والولد. سأل رجل رسول الله  : >يا رسول الله، أي الناس أحب إلى الله؟ فقال : أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل، سرور تدخله على مسلم تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد شهرا، ومن كظم غيظا ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه يوم القيامة رضا، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يقضيها، ثبت الله قدميه يوم تزل الأقدام..<.

لقد كان النبي  يخدم بنفسه ضعفاء المسلمين، ويقوم على حوائجهم، أخرج الإمام أحمد من حديث ابنة خباب بن الأرث قالت : خرج خباب في سرية فكان النبي  يتعاهدنا، حتى يحلب عنزة لنا في جفنة لنا، فتمتلئ حتى تفيض، فلما قدم خباب حلبها فعاد حلابها إلى ما كان (انظر جامع العلوم والحكم ج 2_187).

وقد كان صحابة رسول الله  يقتفون أثره ويسارعون في تقديم حوائج الضعفاء والمحتاجين، فكان أبو بكر الصديق ] يحلب للحي أغنامهم، فلما استخلف قالت جارية منهم : الآن لا يحلبها، فقال أبو بكر : بلى وإني لأرجو أن لا يغيرني ما دخلت فيه عن شيء كنت أفعله (المصدر السابق).

وكان عمر بن الخطاب يتعاهد الأرامل، فيستقي لهن الماء بالليل، ورآه طلحة يدخل بيت امرأة بالليل، ودخل إليها طلحة نهارا، فإذا هي عجوز عمياء مقعدة، فسألها : ما يصنع هذا الرجل عندك؟قالت : هذا له منذ كذا وكذا يتعاهدني، يأتيني بما يصلحني، ويخرج عني الأذى، فقال طلحة : ثكلتك أمك يا طلحة، أعورات عمر تتبع؟(أخرجه أبو نعيم في الحلية 1/48).

وعن ابن عباس أنه كان معتكفا في مسجد رسول الله ، فأتاه رجل فسلم عليه ثم جلس، فقال ابن عباس : يا فلان أراك مكتئبا حزينا. قال : نعم يا ابن عم رسول الله. لفلان علي حق ولاء، وحرمة صاحب هذا القبر ما أقدر عليه!

قال ابن عباس : أفلا أكلمه فيك؟ قال : إن أحببت. قال : فانتعل ابن عباس ثم خرج من المسجد، فقال له الرجل : أنسيت ما كنت فيه؟ قال : لا، ولكني سمعت صاحب هذا القبر، والعهد به قريب- فدمعت عيناه- يقول : >من مشى في حاجة أخيه، وبلغ فيها كان خيرا له من اعتكاف عشر سنين. ومن اعتكف يوما ابتغاء وجه الله تعالى جعل الله بينه وبين النار ثلاثة خنادق أبعد مما بين الخافقين<(رواه البيهقي).

وهذا الحديث يصور إعزاز الإسلام لعلائق الأخوة والمحبة، وتقديره العالي لضروب الخدمات العامة التي يحتاج إليها المجتمع لإرساء أركانه وصيانة بنيانه.

لقد آثر ابن عباس أن يدع اعتكافه. والاعتكاف عبادة محضة رفيعة الدرجة عند الله، لأنها استغراق في الصلاة والصيام والذكر، ثم هو في مسجد رسول الله ، حيث يضاعف الأجر ألف مرة فوق المساجد الأخرى. ومع ذلك ففقه ابن عباس في الإسلام جعله يدع ذلك ليقدم خدمة إلى مسلم يطلب العون : هكذا تعلم من رسول الله .

وقال عطاء : تفقدوا إخوانكم بعد ثلاث، فإن كانوا مرضى فعودوهم أو مشاغيل فأعينوهم، أو كانوا نسوا فذكروهم.

وقد كان بعض السلف يتفقد عيال أخيه بعد موته أربعين سنة فيقضي حوائجهم.

وقضى ابن شبرمة حاجة لبعض إخوانهكبيرة، فجاء بهدية، وقال : ما هذا؟ قال : لما أسديته إلي، فقال : خذ مالك عافاك الله، إذا سألت أخاك حاجة فلم يجهد نفسه في قضائها فتوضأ للصلاة وكبر عليه أربع تكبيرات وعده في الموتى.

وقال مجاهد : صحبت ابن عمر في السفر لأخدمه، فكان يخدمني. أخرجه أبو نعيم في الحلية 3/285-286.

وكان كثير من الصالحين يشترط على أصحابه أن يخدمهم في السفر. بهذه الأخلاق الفاضلة وغيرها ساد الحب والرحمة والألفة بين المؤمنين، واستطاعت الأمة أن ترقى إلى أقصى درجات الكمال.

الإيــــثـــــــار

الإيثار هو تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنيوية، رغبة في الحظوظ الدينية، وذلك ينشأ عن قوة اليقين، وتوكيد المحبة، والصبر على المشقة. لأن من حق أخيك عليك أن تؤثره على نفسك، وتقدم حاجته على حاجتك وهذه رتبة الصديقين والمحبين.

وقد قسم الإمام النووي الإيثار إلى ثلاثة أقسام : الأول ممنوع، والثاني : مكروه أو مباح، والثالث : مباح.

القسم الأول : وهو الممنوع، وهو أن تؤثر غيرك بما يجب عليك شرعا فإنه لا يجوز أن تقدم غيرك فيما يجب عليك شرعا.

مثاله : إذا كان معك ماء يكفي لوضوء رجل واحد، وأنت لست على وضوء، وهناك صاحب لك ليس على وضوء والماء لك. لا يجوز في هذه الحالة أن تعطيه الماء وتتيمم أنت، لأنك واجد للماء، والماء في ملكك، ولا يجوز العدول عن الماء إلى التيمم إلا لعادم.

فالإيثار في الواجبات الشرعية حرام، ولا يحل؛ لأنه يستلزم الإخلال بالواجب الذي عليك.

القسم الثاني : وهو المكروه أو المباح : فهو الإيثار في الأمور المستحبة، وقد كرهه بعض أهل العلم وأباحه بعضهم، لكن تركه أولى لا شك فيه إلا لمصلحة.

مثاله : أن تؤثر غيرك في الصف الأول الذي أنت فيه، مثل أن تكون أنت في الصف الأول في الصلاة، فيدخل إنسان فتقوم عن مكانك وتؤثره به، فقد كره أهل العلم هذا، وقالوا : إن هذا دليل على أن الإنسان يرغب عن الخير، والرغبة عن الخير مكروهة، إذ كيف تقدم غيرك إلى مكان فاضل أنت أحق به منه؟

القسم الثالث : وهو المباح وهذا المباح قد يكون مستحبا، وذلك أن تؤثر غيرك في أمر غير تعبدي، أي تؤثره  وتقدمه في أمر غير تعبدي. وهو القسم الذي نفصل فيه الحديث.

ومثاله  : أن يكون معك طعام وأنت جائع، وصاحب لك جائع مثلك، ففي هذه الحال إذا آثرته فإنك محمود على الإيثار، لقول الله تبارك وتعالى في وصف الأنصار : {والذين تبوءوا الدار والايمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويوثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة}(الحشر : 9).

ووجه إيثارهم على أنفسهم أن المهاجرين لما قدموا المدينة تلقاهم الأنصار بالإكرام والاحترام والإيثار بالمال، حتى أن بعضهم يقول لأخيه المهاجر : إن شئت أن أتنازل عن إحدى زوجاتي لك فعلت؛ يعني يطلقها فيتزوجها المهاجري بعد انقضاء عدتها. وإليك بعض النماذج التي تصور مكارم الأخلاق ومعالي الآداب، إذ لو تمكنا من الاقتداء بها لنلنا شرف الدنيا والآخرة.

وعن أبي هريرة ] قال : جاء رجل إلى النبي  فقال : إني مجهود، فأرسل إلى بعض نسائه، فقالت : والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، ثم أرسل إلى أخرى، فقالت : مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك : والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء.فقال النبي  : “من يضيف هذا الليلة؟ فقال رجل من الأنصار : أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رحله، فقال لامرأته : أكرمي ضيف رسول الله . وفي رواية هل عندك شيء؟ فقالت : لا، إلا قوت صبياني. قال : علليهم بشيء، وإذا أرادوا العشاء، فنوميهم، وإذا دخل ضيفنا، فأطفئي السراج، وأريه أنا نأكل معه، فقعدوا وأكل الضيف وباتا طاويين، فلما أصبح، غدا إلى النبي  فقال : >لقد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة<(أخرجه مسلم في الأشربة). متفق عليه. فنزل قوله تعالى: {ويوثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} إلى قوله : {أولئك هم المفلحون}(فتح الباري8/805).

وعن أبي موسى الأشعري ] قال : قال رسول الله  : >إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قل طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية فهم مني وأنا منهم<(متفق عليه أخرجه البخاري في الشرك (2486) ومسلم في فضائل الصحابة(167)).

وكان قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما من الأجواد المعروفين حتى إنه مرض مرة، فاستبطأ إخوانه في العيادة، فسأل عنهم؟ فقالوا : إنهم كانوا يستحيون مما لك عليهم من الدين. فقال : أخزى الله مالًا يمنع الإخوان من الزيارة، ثم أمر مناديا ينادي : من كان لقيس عليه مال فهو في حل منه. فما أمسى حتى كسرت عتبة بابه، لكثرة من عاده.

و مما يصور منتهى درجة المتحابين في الله ما روي أن مسروقا أدان دينا ثقيلا وكان على أخيهخيثمة دين، قال : فذهب مسروق فقضى دين خيثمة وهو لا يعلم، فذهب خيثمة فقضى دين مسروق وهو لا يعلم. وقوله تعالى :  {ويوثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} يعني : حاجة، أي يقدمون المحاويج على حاجة أنفسهم بالناس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك. وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله  أنه قال : >أفضلُ الصدقة جَهد المقل<(أحمد3/411).

وهذا المقام أعلى من حال الذين وصفهم الله بقوله : {ويطعمون الطعام على حبه}(الإنسان : 8). وقوله : {وآتى المال على حبه}(البقرة : 177)، فإن هؤلاء تصدقوا وهم يحبون ما تصدقوا به، وقد لا يكون لهم حاجة إليه ولا ضرورة به، وهؤلاء آثروا على أنفسهم مع خصاصتهم وحاجتهم إلى ما أنفقوه. ومن هذا المقام تصدق الصدِّيق بجميع ماله، فقال رسول الله  : >ما أبقيت لأهلك؟” فقال : أبقيت لهم الله ورسوله<(أبو داود(1678)).

وقال حذيفة العدوي : انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي -ومعي شيء من الماء- وأنا أقول : إن كان به رمق سقيته، فإذا أنا به، فقلت له : أسقيك، فأشار بنفسه أن نعم، فإذا أنا برجل يقول : آه! آه! فأشار إلي ابن عمي أن انطلق إليه، فإذا هو هشام بن العاص، فقلت : أسقيك؟ فأشار بنفسه أن نعم، فسمع آخر يقول : آه! آه! فأشار هشام أن انطلق إليه، فجئته فإذا هو قد مات. فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات، فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات. (الجامع لأحكام القرآن للقرطبي18/30).

قال أبو يزيد البِسطامي : ما غلبني أحد ما غلبني شاب من أهل بَلْخ، قدم علينا حاجا فقال لي : يا أبا يزيد، ما حد الزهد عندكم؟ فقلت : إن وجدنا أكلنا. وإن فقدنا صبرنا. فقال : هكذا كلاب بلخ عندنا. فقلت : وما حد الزهد عندكم؟ فقال : إن فقدنا شكرنا وإن وجدنا آثرنا.

وحكي عن ابن الحسن الأنطاكي أنه اجتمع عنده نيِّف وثلاثون رجلا بقرية من قرى الري، ومعهم أرغفة معدودة لا تشبع جميعهم فكسروا الرغفان وأطفأوا السراج وجلسوا للطعام، فلما رفع فإذا الطعام بحاله لم يأكل منه أحد شيئا، إيثارا لصاحبه على نفسه.

قال ابن عمر : أهدي لرجل من أصحاب رسول الله  رأس شاة وكان مجهودا، فقال : إن أخي فلانا وعياله أحوج إلى هذا منا، فبعثه إليه، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى تداولها سبعة أبيات، حتى رجعت إلى الأول، فنزلت : ويوثرون على أنفسهم…

التزاور في الله

إن الإنسان بطبيعته يألف غيره من الناس، ويحرص على مخالطتهم، وعن طريق هذه الألفة، وهذه المخالطة، يتم التعاون بين الناس على قضاء المصالح في أقرب وقت وبأقل جهد. وقد شرع الإسلام لتنظيم هذه العلاقات مناهج من شأنها أن تقوي هذه الروابط، وتشد من أزرها، وتبعد عنها، ما من شأنه أن يضعف منها. ومن هذه النماذج التي رسمها الإسلام : أدب الزيارة حتى تكون المخالطة فيه على أساس أدبي كريم.

ما أعظم الزاد الذي يناله الفرد في الصحبة الصالحة للمحبة في الله حيث يفوز بحب الله ومغفرته وحسن مثوبته له بما يتم بينه وبين إخوانه من نظرة حب في الله يتبادلونها ومن مصافحة ومن تبسم في وجوه بعضهم بعض، ومن تزاور وتجالس بينهم ومن تواصي وتذكير بالحق بينهم. والأحاديث في هذا الباب كثيرة منها :

عن أبي هريرة ] عن النبي  أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى فأرصد الله له على مدرجته ملكا، فلما أتى عليه قال : أين تريد؟ قال : أريد أخا لي في هذه القرية. قال : هل لك عليه من نعمة تَرُبُّها (تربها = ترعاها، وتقيم عليها )؟ قال : لا… غير أني أحببته في الله عز وجل، قال : فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه (رواه مسلم في كتاب البر والصلة باب فضل الحب في الله 15-16/359-360).

وقال رسول الله  : >من عاد مريضا أو زار أخا له في الله، ناداه مناد بأن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا<(رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب).

وقال معاذ بن جبل ]  : سمعت رسول الله  يقول : قال الله تعالى : >وجبت محبتي للمتحابين فيّ، والمتجالسين فيّ، والمتزاورين فيّ، والمتباذلين فيّ<(حديث صحيح رواه مالك في الموطأ بإسناده الصحيح).

فهذه الأحاديث وأشباهها كلها تدل على أنه ينبغي للإنسان أن يفعل ما فيه المودة والمحبة لإخوانه، من زيارة وعبادة واجتماع وغير ذلك.

التهادي

إن من بين الأخلاق الموجبة للمحبة التهادي. فقد أخرج الترمذي عن أبي هريرة عن النبي  قال : >تهادوا، فإن الهدية تذهب وحر الصدر(غله)<(أخرجه الترمذي في سننه2131). وفي رواية أخرى : >تهادوا تحابوا<(حديث حسن أخرجه البخاري عن أبي هريرة في الأدب المفرد).

وفي مسند البزار عن أنس عن النبي  قال : “تهادوا فإن الهدية تسل السخيمة”. وعن عمر بن عبد العزيز قال : “تصافحوا، فإنه يذهب الشحناء وتهادوا”(الترغيب والترهيب3/434).

وعن أبي هريرة ] عن النبي قال : “يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارةٌ لجارتها ولو فِرْسِن (الفِرْسِن = هو عظم قليل اللحم) شاة”(فتح الباري 5/243). وفي هذا الحديث مبالغة في إهداء الشيء اليسير وقبوله، لا إلى حقيقة الفرسن لأنه لم تَجْر العادة بإهدائه أي لا تمنع جارة من الهدية لجارتها الموجود عندها لاستقلاله بل ينبغي أن تجود لها بما تيسر وإن كان قليلا فهو خير من العدم.

وعن عائشة رضي الله عنها، قالت : “يا نساء المسلمين تهادوا ولو فِرْسِن شاة، فإنه ينبت المودة ويذهب الضغائن”(فتح الباري5/245). وفي هذا الحض على التهادي ولو باليسير لأن الكثير قد لا يتيسر كل وقت، وإذا تواصل اليسير صار كثيرا، وفيه استحباب المودة وإسقاط التكلف. عن أبي هريرة ] عن النبي  قال : >لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت<. وخص الرسول  الذراع والكراع بالذكر ليجمع بين الحقير والخطير، لأن الذراع كانت أحب إليه من غيرها والكراع لا قيمة له.

فذكر عليه الصلاة والسلام للكراع  والفِرْسِن فيه إ شارة إلى الحض على قبول الهدية ولو قَلَّت لئلا يمتنع الباعث عن الهدية باحتقار الشيء، فحض على ذلك لما فيه من التآلف.

النصيحــة

إن تقديم النصيحة للمسلمين واجب على كل مسلم، فإذا ما ادعينا أننا نحب إخواننا المسلمين، فإنه يجب علينا أن نرشدهم إلى مصالحهم، ونعلمهم أمور دينهم ودنياهم، ونستر عوراتهم، ونسد خلاتهم بدفع الأذى والمكروه عنهم، وإيثار فقيرهم، وتعليم جاهلهم، ورد من زاغ منهم عن الحق في قول أو عمل، بالتلطف في ردهم إلى الحق، والرفق بهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومحبة إزالة فسادهم، ولو بحصول ضرر له في دنياه، كما قال بعض السلف : وددت أن هذا الخلق أطاعوا الله، وإن لحمي قرض بالمقاريض. وكان عمر بن عبد العزيز يقول : يا ليتني عملت فيكم بكتاب الله وعملتم به، فكلما عملتفيكم بسنة، وقع مني عضو، حتى يكون آخر شيء منها خروج نفسي… لأن أحد معايير هذا الحب هو ذلك القدر من النصح المخلص الذي ننقله إليهم. لأنناإذا لم نفعل ذلك فإن حبنا سيكون سطحيا، وسيكون ادعاؤنا كلاما وليس شعورا نابعا من القلب. لأن >المؤمن مرآة أخيه<، فما من فرد إلا وفيه عيوب وقصور. وكثيرا ما يغفل عنها ولا ينتبه لها، فهو أحوج ما يكون إلى من يبصره ويعينه على إصلاحها والتخلص منها، ولا يقدر على ذلك إلا أخ محب مخلص دائم الصلة، رقيق المعاملة حكيم في نصحه وتبصيره. قال   : >إن أحدكم مرآة أخيه فإذا رأى فيه شيئا فليمِطه عنه<(رواه أبو داود والترمذي وهو حسن). وقال  أيضا : >المؤمن مرآة المؤمن، المؤمن أخو المؤمن يكف عليه ضيعته ويحوطه من ورائه<. في سنن أبي داوود، وهوحديث حسن أخرجه البخاري في الأدب المفرد.

إن الإنسان الحكيم يستفيد من النقد الموجّه إليه وذلك بتصحيح الأخطاء التييراها الآخرون فيه ولا يلحظها هو. وفي الحقيقة، فإن الصديق المخلص الذي ينقل النصيحة يعدّ صديقا لا يمكن الاستغناء عنه في هذه الحياة.وقد دعا عمر ] ربه مرة فقال : >رحم الله امرؤا أهدى إلي عيوبي< فهو ] يفهم تذكيره بعيوبه على أنها هدايا تهدى إليه. وهي في الواقع ليست هدايا قيمة فقط لكنها هدايا ضرورية لا يمكن الاستغناء عنها، ولاسيما في الوقت الحاضر، إذ فقدنا هذه الممارسة الحضارية. إن هذه الممارسة تنبع من حبنا للآخرين واهتمامنا بهم. فإذا أنت أحببتهم يتعين عليك أن توضح لهم أخطاءهم لا أن تفضحها للآخرين، ويتعين عليهم أن يتبادلوا معك ذلك، وإلا فإن الإيمان يصبح موضع تساؤل وفقا للحديث >لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه<(صحيح البخاري وصحيح مسلم ).

ومن أعظم أنواع النصح : أن ينصح لمن استشاره في أمره، كما قال  : >إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له<. وفي بعض الأحاديث “منحق المسلم على المسلم أن ينصح له إذا غاب”. ومعنى ذلك أنه إذا ذكر في غيبة بسوء أن لا يضره ويرد عليه، وإذا رأى من يريد أذاه في غيبته كفه عن ذلك، فإن النصح في الغيب يدل على صدق الناصح، فإنه قد يظهر النصح في حضوره تملقا ويغشه في غيبته.

وقال الحسن : وقال بعض أصحاب النبي  : >والذي نفسي بيده،  إن شئتم لأقسمن لكم بالله، إن أحب عباد الله إلى الله الذين يحببون الله إلى عباده، ويحببون عباد الله إلى الله، ويسعون في الأرض بالنصيحة<.

وقال الفضيل بن عياض رحمه الله : “ما أدرك عندنا من أدرك بكثرة الصلاة والصيام، وإنما أدرك بسخاء الأنفس وسلامة الصدر والنصح للأمة”. وسئل ابن المبارك : أي الأعمال أفضل؟ قال : النصح لله. وقال معمر : “كان يقال أنصح الناس لك من خاف الله فيك”.

وفي مجال النصيحة يجمل أن نشير إلى شيء من آدابها وكيف تؤدى بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن امتثالا لقوله تعالى : {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن}(النحل125). وكذا قول بعض السلف الصالح : “أد النصيحة على أكمل وجه واقبلها على أي وجه. ومن وعظ أخاه سرا فقد نصحه وزانه ومن وعظ أخاه علانية فقد فضحه وشانه”.

وكان السلف إذا أرادوا نصيحة أحد وعظوه سرا، حتى قال بعضهم : من وعظ أخاه فيما بينه وبينه، فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس، فإنما وبخه. وقال الفضيل بن عياض : “المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعير”. وقال عبد العزيز ابن أبي روّاد : “كان من قبلكم إذا رأى الرجل من أخيه شيئا يأمره في رفق فيؤجر في كل أمره ونهيه، وإن أحد هؤلاء يخرق بصاحبه، فيستغضب أخاه ويهتك ستره”.

خاتمــة

لقد كان من آثار هذه التعاليم أن شعر الضعفاء بأن يدا حانية تمسح آلامهم فأحبوا مجتمعهم، وأخلصوا له ووثقوا به، وانفتح أمامهم باب الأمل والعمل فظفروا بما يبتغون، دونأن يعوقهم عائق، أو يصرفهم عن أهدافهم صارف.

وبهذا سادت روح المحبة والرحمة، ونمت عواطف البر والحنان، وأظل الجميع السلام والوئام، وأحسوا بطعم الراحة والهناء. وأي مجتمع تتوافر فيه هذه المبادئ الكريمة، يكون أهنأ المجتمعات، وأقربها إلى السعادة، وأحقها بالسيادة والقيادة.

د.موسى الشيحي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *