المحبة : مفهومها وعلاماتها


مفهوم المحبة

معجم المحبة في اللغة العربية معجم متعدد وفريد. فهي الود والمودة  يقول تعالى: {سيجعل لهم الرحمن ودا}(مريم: 98).

وهي الخلة: بمعنى الاختلال والتداخل يقول الرسول : >المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل<(رواه أحمد في المسند، وغيره).  وهي الألفة بمعنى الاجتماع والاستمالة يقول تعالى: {فألف بين قلوبكم}(آل عمران: 103).  وهي الوجد بمعنى الزيادة واليسر يقول تعالى: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم}(الطلاق: 6)

أما لغة فالمحبة هي نقيض البغض بمعنى الحب والود وفي الاصطلاح عرف الغزالي الحب بأنه ميل الطبع إلى الشيء الملذذ ويرى الراغب أنه إرادة ما تراه أو تظنه خيرا.

ويفصل العلماء في المحبة على ثلاثة أوجه:

– محبة للذة: كمحبة الرجل المرأة ومنه قوله تعالى: “زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين” (آل عمران:14).

– محبة النفع: كمحبة شيء ينتفع به ومنه قوله تعالى: {وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب}(الصف: 13)

– محبة الفضل: كمحبة أهل العلم بعضهم لبعض لأجل العلم وربما فسرت المحبة بالإرادة نحو قوله تعالى: {فيه رجال يحبون أن يتطهروا}(التوبة: 109).  وقال الراغب ليس كذلك وإن المحبة أبلغ من الإرادة فكل محبة إرادة وليس كل إرادة محبة والاستحباب أن  يتحرى الإنسان في الشيء أن يحبه ومنه قوله تعالى {إن استحبوا الكفر على الإيمان}(التوبة:23).

ويرى الطاهر بن عاشور أن الحب انفعال نفساني ينشأ عند الشعور بحسن الشيء من صفات ذاتية أو إحسان أو اعتقاد انه يحب المستحسن ويجر إليه الخير.  فإذا حصل ذلك الانفعال أعقبه ميل وانجذاب إلى الشيء المشعور بمحاسنه فيكون المنفعل محبا ويكون المشعور بمحاسنه محبوبا وتعد الصفات التي أوجبت هذا الانفعال جمالا عند المحب.  وقد أوجز القرآن الكريم أنواع ذلك الحب فقال: {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث}(آل عمران:14).

كما أشار القرآن الكريم إلى حب الله للعبد وحب العبد لله تعالى في قوله: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه}(المائدة: 54).  وأشار القرآن الكريم إلى محبة النبي  في قوله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله}(آل عمران:31) وأشار إلى حب الإخوة فيما بينهم وخصوصا بين المهاجرين والأنصار وذلك في قوله تعالى: {والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم}(الحشر:9).

لقد جاء القرآن الكريم لينظم هذه المحبة الغريزية ويوجهها ويجعلها محبة إرادة واختيار لا محبة طبع فقط.  حتى تصبح نظاما لاعتقاد الإنسان المسلم ومنهج اقتدائه وعلاقاته بخالقه ونبيه وإخوته من المؤمنين وكافة الناس. يقول تعالى: {فلا وربك لا يومنون حتى يحكموك فيما شجر بينهمثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما}(النساء:64).

فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر فإنه جامع لجميع منازل المحبة فهو يورث الحب والشوق والخوف والرجاء والإنابة والتوكل والرضا والتفويض والشكر والصبر وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله.

وكذلك فيه شفاء من الأفعال المذمومة التي بها فساد القلب وهلاكه.

أهمية المحبة

التربية الصحيحة تقوم على وعي تام بغايات الوجود يقول تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين}(البينة: 5) ويقول عز من قائل: {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين}(فصلت: 32).  ثم على وعي مفصل بمعالم الكمال التي أسهب الدين في شرحها واستفاضت أنباؤها في الكتاب والسنة. هذا الكمال الذي يتأسس على مبدأ الإخلاص في النية والقصد والإحسان في الفعل والإنجاز حتى يتخلص الإنسان المسلم من شح نفسه وهواها فتلين لحب الخير وفعل الخير. وتخضع لخالقها وتشريعاته وطاعاته، خضوع إيمان خالص وتسليم كامل في مختلف ميادين وشعب الحياة وفي مختلف علاقات الإنسان مع خالقه وقدوته وإخوانه في الدين والخلق.

إن الإخلاص والإحسان  يؤديان إلى إيمان صادق يحكم علاقات الإنسان المسلم، ويولدان فيه محبة إيمانية تسري في هذه العلاقات سريان الدم في عروق الجسد الحي.  محبة أساسها:

1) إدراك علمي ومعرفة بالله تعالى.

2) صبغة وجدانية واستيطان عاطفي.

3) نزوع سلوكي وتعبير عملي عن هذه المحبة.

وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة  “وحبب إليكم الايمان وزينه في قلوبكم” (الحجرات: 7).

على أن الأمور لا تمضي بهذه السهولة عند التطبيق، وكثيرا ما تبرز عوائق تفك الارتباط بين هذه الانفعالات الثلاث وبين العلم والعمل والرغبة والتنفيذ.

من هنا كانت التربية الناجحة مهمة شاقة، وكانت صناعة الإنسان من أعقد الصناعاتفي هذه الدنيا، خاصة صياغة قلبه على المحبة ومولداتها وحمايته من مفسداتها.

إن منهج التربية القرآنية هو منهج التأليف بين قلوب المؤمنين على أساس محبة الله تعالى ورسوله، يقول تعالى: {وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الارض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم}(الأنفال: 64).  وهو منهج المسؤولية التامة والكاملة حتى عن أحاسيس وعواطف الفؤاد: يقول تعالى: {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا}(الإسراء: 36).

إن التربية الإسلامية التي تحاول الارتقاء بالمؤمن في مجال مجاهدة النفس بالتقرب إلى الله بالفرائض والنوافل طلبا لرضا الله تعالى ومحبته والفلاح في الدنيا والآخرة، يجب أن تُبنى على برامج تكون وحدتها الموضوعية هي محبة الله تعالى ورسوله والمؤمنين ونسقها المصطلحي هو نفي مفاهيم الهوى والبغض والكفر والنفاق والفرقة والظلم وهو إثبات لمفاهيم الود والخلة والألفة والرفق والتعارف والطاعة والعفو والولاء.

في مقابل هذا الوضوح المنهجي النظري الذي يميز المشروع التربوي الإسلامي، يعرف الواقع المفتون الذي تنكر لهذا المنهج وابتعد عن هذا المشروع، اضطرابا كبيرا في الشعور وانزياحا واضحا في المفهوم بسبب حالة الاغتراب التي نعيش واندفاع معسكر الإفساد وتراجع طائفة الإصلاح.

إن الواقع يشهد استثقالا للواجبات الشرعية ولإرادة تحكيم شرع الله والهدي بهدي رسول الله  وتنكرا لتحكيم القرآن الكريم وتمثيل هوية المجتمع. فلا زال الكثير من النخبة القيادية والاجتماعية يجدون في أنفسهم حرجا من أحكام الله تعالى ويجادلون فيها ولا زال الكثير من دعاة المشروع الإسلامي يسايرونهم في هذا جاعلين منهج القرآن الكريم في المواجهة النفسية للمنافقين وراء ظهورهم.

نعم إن المحبة نظرة إسلامية خالصة في التدين والاتباع على أساس العلم والاستعداد الوجداني. وهي خاصة نظرةكاملة متكاملة في الاستخلاف في هذا الكون وإعماره ومواجهة كل مظاهر النفاق والكفر والعدوان بما يصلح ويسدد. وليست المحبة انفعالات وجدانية أو خطابات لفظية فقط.

فالمحبة حقيقة خطاب قرآني واضح فهو خطاب التآخي بين المؤمنين يقول تعالى: {والذين تبوأوا الدار والايمان من قبلهم يحبون ما هاجر إليهم}(الحشر:9)

وهو خطاب التأسي بالرسول : {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}(الحشر:7)

وهو خطاب اتباع شرع الله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله}(آل عمران:31)

غير أن السؤال الكبير الذي يطرح نفسه هو المفهوم الحقيقي لهذه المحبة والمنهج التربوي القرآني الذي يؤسسها والمفسدات التي تتهددها كل حين.  ذلك أن المحبة في المفهوم الإسلامي ليست مجرد انفعال عاطفي أو رغبة طارئة يعبر عنهما العبد كيف شاء، بل هي إحساس حي أجهد الصحابة أنفسهم في السؤال عن كيفية الوصول إليه.  تذكر كتب التفسير أن الصحابة الكرام رضي الله عنهم قالوا: “يا رسول الله  إنا لنحب ربنا فأرشدنا إلى عمل يرضيه عنا فنزلت الآية: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله}(آل عمران: 31).  إن سؤال الصحابة كان يعني أنهم يطلبون معرفة الكيفية التي توصلهم إلى محبة الله وبشكل ملموس، ولأن ذلك لا يمكن فقد أحالهم القرآن إلى اتباع النبي . لقد بحثوا بجد عن حب الله فأكرمهم الله بحبه لهم وهو أعظم من طلبهم.  والمحبة بهذا إرادة تسبقها معرفة وإيمان وعبادة للمحبوب. يعكس العمل الإيجابي لمحبة الله ورسوله.

لقد أرهقنا هذا العصر خطاب إعلامي مكثف يتحدث عن الإسلام دين السلام والتسامح والمحبة في مواجهة مكشوفة لحقيقة إسلام العزة والكرامة والجهاد.  فهل فعلا يتعارض الجهاد والمحبة.  أو العزة والمحبة أو الكرامة والمحبة.

إن المحبة روح الإيمان والأعمال والمقامات والأفعال التي متى خلت منها فهي كالعبد الذي لا روح فيه، تحمل أثقال السائرين إلى بلاد لم يكونوا إلا بشق الأنفس بالغيها.  وتوصلهم إلى منازل لم يكونوا بدونها أبدا واصليها.  وتبوؤهم من مقاعد الصدق مقامات لم يكونوا لولاها داخليها.  هكذا تصبح المحبة روح الجهاد والعزة والكرامة لا شيء مفارقا عنها.  بل هي دليل الصدق في هذه الأعمال والصدق في المحبة ذاتها.

إن المحبة نور وقوة؛ فهي نور: لأنها مفتاح فعل الخير ورؤية طريق الخير مهما كان ظلام الخوف والضعف والكره.  فمن أحب الله تعالى اهتدى بنور القرآن ومن أحب الرسول  اهتدى بهديه وعرف الحق بسنته  ومن أحب المؤمنين كان وسطهم، يسير في حمى جماعتهم ويسترشد بنماذجهم وأئمتهم فهم كالنجوم يقتدى بهم ويهتدى بهم.

إن نور المحبة يدل على فعل الخير والإخلاص في العمل والاطمئنان المشروع.

وهي قوة: ذلك أن المحبة أيضا ميل قوي نحو الحق وطاعة الله تعالى ضد دعاوى الهوى والظلم.  فالمحبة ليست مجرد شعور بل هي اختيار وإرادة  {والذين آمنوا أشد حبا لله}(البقرة: 164) ويقول تعالى: {فيه رجال يحبون أن يتطهروا}(التوبة: 109).  فالطهارة هنا إرادة واختيار.

إن الحقيقة أن المحبة نور وقوة يعارض السلوك السلبي الذي يرتضيه بعض المسلمين لأنفسهم بدعوى التقرب إلى الله، ويعارض أيضا الإطار الضيق الذي يريده المحرضون الحداثيون والاستشراقيون  لمفهوم حب الإسلام والامتثال للقرآن.

علامات المحبة

أولا : محبة الله لعبده :

حب الله لعبد من عبيده أمر هائل عظيم وفضل غامر جزيل لا يقدر على إدراك قيمته إلا من يعرف الله سبحانه بصفاته كما وصف نفسه “يحبهم ويحبونه}(المائدة: 53).

ومن علامات محبة الله تعالى للعبد:

1- الحمية من الدنيا: عن أبي سعيد الخدري ] أن النبي  قال: >إن الله تعالى ليحمي عبده المؤمن من الدنيا وهو يحبه كما تحمون مريضكم الطعام والشراب تخافون علية<(رواه أحمد في المسند والحاكم في المستدرك)، فيحفظه من متاع الدنيا ويحول بينه وبين مغريات نعيمها وشهواتها مما يضره. وهذه الحماية هي لعاقبة محمودة وأحوال سديدة مسعودة كما يقول صاحب فيض القدير.

2- حسن التدبير له: فيربيه مُنْذُ طفولته على أحسن خلق وحكمة ويكتب الإيمان في قلبه وينور له عقله.  فيجتبيه لمحبته ويستخلصه لعبادته.  ثم يتولاه بتيسير أموره من غير ذل للخلق.  ويسدد ظاهره وباطنه.

3- الرفق: والمراد به لين الجانب واللطف والأخذ بالأسهل وحسن الصنيع يقول رسول الله : >إن الله إذا أحب أهل بيت أدخل عليهم الرفق<(رواه أحمد في المسند والبيهقي في شعب الإيمان).

4- القبول  في الأرض: والمراد به قبول القلوب له بالمحبة والميل إليه والرضا عنه والثناء عليه.  عن أبي هريرة ]، قال: قال رسول الله : >إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل، فقال: إني أحب فلانا فأحبه قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض<(متفق عليه).

5- الابتلاء : عن أنس ] قال: قال رسول الله : >إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط<(رواه الترمذي في سننه والبيهقي في شعب الإيمان).

6- الموت على عمل صالح: عن عمرو بن الحمق الخزاعي ] قال: قال رسول الله : >إذا أحب الله عبدا عسله، فقيل وما عسله؟ قال يوفق له عملا صالحا بين يدي أجله حتى يرضى عنه جيرانه -أو قال- من حوله<(رواه الحاكم في المستدرك).

ثانيا : محبة العبد لله تعالى :

محبة الله تعالى يدعيها كل أحد، لكن ما أسهل الدعوى وما أعز المعنى، فلا ينبغي أن يغتر الإنسان بتلبيس الشيطان، وخداع النفس إذا ادعت محبة الله تعالى، ما لم يمتحنها بالعلامات ويطالبها بالبراهين ويصدقها بالطاعات.  يقول تعالى: “فلا وربك لا يومنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ” (النساء: 64).

والمحبة شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء وثمارها تظهر في القلب واللسان والجوارح دلالة الثمار على الأشجار وهي كثيرة منها:

1- حب لقاء الله تعالى: فإنه لا يتصور أن يحب القلب محبوبا ولا يحب لقاءه ومشاهدته، لكن إذا علم أن لا وصول – رغم كراهة الموت – إلا بالارتحال من الدنيا ومفارقتها فإن المحب لا يثقل عليه السفر يقول الرسول : >من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه<(متفق عليه)، ويقول العز بن عبد السلام رحمه الله: “لا يكره لقاء الله إلا من فسدت أحواله وساءت أعماله”.

2- التقرب إلى الله بالفرائض : طاعة الله تعالى  والتقرب إليه بالفرائض والاستزادة بالنوافل دليل المحب الصادق يقول رسول الله : >جعلت قرة عيني في الصلاة<(رواهالنسائي وأحمد وغيرهما)، ومن كانت قرة عينه في شيء فإنه يود ألا يفارقه ولا يخرج منه لهذا يسعى المؤمن إلى أن يكون أنسه بالخلوة مناجاة الله تعالى، وتلاوة كتابه، فيواظب على التهجد ويغتنم هدوء الليل وصفاء الوقت بانقطاع العوائق.

3- الصبر على المكاره: المحبوب مبتلى والصبر على المكاره دليل هذه المحبة فأعظم المؤمنين محبة أشدهم صبرا لهذا وصف الله تعالى بالصبر خاصة أوليائه وأحبابه فقال عن حبيبه أيوب {إنا وجدناه صابرا}(ص:43) ويقول تعالى: {والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون}(البقرة: 176).

4- إيثار الحق : فلا يؤثر شيئا من المحبوبات على الله تعالى ولا على أوامره فمن آثر عليه شيئا من المحبوبات فقلبه مريض. بل عليه أن يكون مؤثرا ما أحبه الله تعالى على ما يحبه في ظاهره وباطنه، فيجتنب اتباع الهوى ويعرض عن الكسل ويصدق في مجاهدته وجهادهيقول تعالى: {.. والله لا يستحيي من الحق….}(الأحزاب :53).  فعلامة المحبة الصادقة ذكر المحبوب عند الرغب والرهب.

5- الخوف من الله تعالى والغضب لمحارمه إذا انتهكها المنتهكون ولحقوقه إذا تهاون بها المتهاونون، قال رسول الله: >إن الله يغار، وإن المؤمن يغار وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم عليه<(متفق عليه).  ذلك أنه إذا ترحل الخوف والغيرة من القلب ترحلت منه المحبة.

ثالثا : محبة المؤمن للرسول  :

محبة الحبيب تقتضي حب من يحب والله تعالى يحب الأنبياء ويحب خليله محمد . نعم لقد دفع القرآن الكريم المسلمين إلى حب النبي محمد . فهاهو يؤكد الولاء العاطفي المطلق للنبي  : {النبي أولى بالمومنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم}(الأحزاب:6).  كما أظهر القرآن الكريم دواعي هذا الحب وكشف عن عظم الرسول  وحرصه على المؤمنين ورأفته بهم وقد قال تعالى على لسان نبيه: “قل إن كنتم تحبون اللهفاتبعوني يحببكم الله}(آل عمران:31).   كما قال الرسول : >لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين<(رواه أحمد في مسنده).  إذن فالإيمان لا يتحقق إلا برفع منـزلة النبي فوق كل منزلة وتعظيمه.  إنها دعوة لتغليب حب الاختيار العقلي على حب الطبع الغريزي.  وسأل أعرابي النبي  عن موعد قيام الساعة فسأله النبي عما أعد لها فأخبره الأعرابي بأنه لم يتزود بالكثير من العبادات سوى أنه يحب الله ورسوله  فأجابه النبي  >أنت مع من أحببت<.

ومن علامات حب المؤمنين لرسوله اتباع سنته والصلاة عليه وحب آل بيته وحب المساكين والشوق إلى لقائه والابتعاد عن البدع والفرقة وتفضيله حقيقة عن النفس والولد كما فعل سيدنا عمر ] اختيارا حين قال له رسول الله  >الآن يا عمر<(رواه البخاري وغيره).

إن حب النبي  هو تابع لحب الله تعالى وهو أمر إيماني لا يستقيم سلوك الإنسان ولا إيمانه بدونه وعلى المسلم أن يسعى إليه جهد إمكانه.

رابعا : محبة المؤمنين :

المحبة في الله تعالى تجلب المحبة بين المؤمنين فالقرآن الكريم رسالة في المحبة بين الناس وصناعة مجتمع الجسدية الصادقة بديلا عن مجتمع العصبية النتنة. يقول تعالى: >وجبت محبتي للمتحابين في، والمتجالسين في والمتزاورين في والمتباذلين في<(رواه مالك وأحمد والحاكم وغيرهم).

وعن أبي هريرة، عن النبي ، أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى فأرصد الله على مدرجته ملكا فلما أتى عليه قال: >أين تريد؟ قال أريد أخا لي في هذه القرية. قال هل لك من نعمة تربها؟ قال لا غير أنني أحببته في الله عز وجل، قال فإني رسول الله إليك بأن الله قد احبك كما أحببته فيه<(رواه مسلم).  وعن أبي الدرداء ] يرفعه قال: >ما من رجلين تحابا في الله بظهر الغيب إلا كان أحبهما إلى الله أشدهما حبا لصاحبه<(رواه الطبراني في الأوسط). ومن علاماتمحبة المؤمنين التناصح والدعاء والتزاور وخفض الجناح.

فكما تعددت مولدات المحبة وعلاماتها كذلك تعددت المفسدات والمبطلات فلم تكن طاعة إلا لمحبة ولم تحدث معصية إلا لمحبة غير شرعية.

د.عبد الحميد أسقال

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *