أطـــلال اللـغـة


أصبح واجبا على كل ذي غيرة أن ينهض ليعيد المجد الضائع…

نعم مجدنا الضائع بضياع لغتنا وانقراض بعض مفرداتها بين الحين والحين، ولعل المناسبة الجديدة التي أنستنا بعض ما بقي من كلمات وعبارات هي هذه الفتنة الحديثة، الهاتف النقال، الذي طلع علينا فأنسانا كلمات الأخوة والصداقة، والشوق والحنين، والدعاء والتمني، التي كانت في مقدمات رسائلنا إلى عهد قريب، لتحل محلها كلمات تحكمها دراهم معدودة.

أدركت هذا عندما أردت أن أكتب رسالة، فكان القلم حاضرا بين يدي والكلمات غائبة، حاولت أن أعصر ذاكرتي علَّها تجود ببعض الكلمات، لكن العصارة كانت فارغة إلا من بعض المفردات العامية التي أرست قواعدها هذه الفتنة، واسمحوا لي أن أخفض صوتي عند ذكر هذه “الفتنة”، كي لا يسخط علي بعض المعارضين الذين يرون الخير كل الخير في هذا الجوال الذي لايقيدك بزمان ولا مكان. ويقدرونه حق قدره، وينتظرون آخر موضاته تطلعا إلى مزاياه الجديدة، نعم ومن ذا ينكر تلك المزايا ؟ إنه يختزل المسافات، ويوجز الأزمان، ويقرب البعيد، ويضرب المواعيد، و…و.. إلى غير ذلك مما في طياته من جديد، لكن لا ننسى أن هذا على حساب لغتنا الشهيدة، التي لم تزل حياتنا تأخذ منها كل حين، بهذه المناسبة أو تلك، حتى لم يبق لنا منها إلا مجال ضيق للتواصل عبر الرسالة العربية، وهاهي اليوم تستشهد على يد هذا الدخيل الذي احتل مكانها، وغير كلماتها، فأتى له بكلمات لا تحتاج إلى تفكير ولا تمزيق أوراق، فوفَّر عناء السهر على الكتابة في جنح الظلام، ووفر عناء انتظار الرسالة بشوق ولهف – ويا لها من لذة تلك- لمعرفة أخبار الأحباب، فاشتاقت الآذان إلى تلك العبارات الموزونة التي تسحر القلوب بمعانيها، وتحرك المشاعر، وتمتع الأبصار وهي ترى خيال الحبيب بين الكلمات.

هذه هيالفتنة التي صيرت الرسالة العربية غريبة بين أهلها، فقد كان الواحد منا يستحي أن يكتب رسالة بغير اللغة العربية الفصيحة، ومن أجل ذلك يمزق الأوراق، ويسهر الليالي في اختيار الكلمات وتجميل العبارات، وهاهو اليوم يستحي أن يتكلم مع مكلمه في الهاتف بعبارة فصيحة.

معذرة فلا أحسبني إلاّ قد جاوزت الحد وتعديت على حرمات هذه النعمة التي لا يستهان بها، التي أخرجتنا من زمن التباطؤ إلى زمن السرعة، وإنما نظرت إلى الأمر من جانب دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة، والمفسدة هنا هي هذا الإعراض عن الرسالة العربية، حيث لم يبق لنا منها إلا الأطلال البالية، والمصلحة هي تسهيل التواصل وتحقيق القرب من الأحباب.

ولنا أن نجمع بينهما، فنحافظ على الرسالة العربية، وبذلك نحافظ على لغتنا ونحيي ما مات منها، ولنتذكر مقولة الشيخ محمد عبده : ” لا خير في أمة ماتت لغتها “، ورحم الله امرؤسًا أعاد للأمة مجدها حفاظا على لغة القرآن الكريم.

محمد عبد الصمد الإدريسي

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *