يـومـيـات متسـولـة


جلست على حافة الرصيف جلسة القرفصاء، ترتدي جلباباً رمادي اللون وتنتعل حذاء أسود، من المستحيل تحديد عمر لوجهها الشاحب. تضع بجانبها عصا وكيساً من البلاستيك فوقه بعض النقود وقطع من الخبز وحبات خضر وفواكه.

تَجُول بعينيها في أرجاء الشارع وتُهَمهِم بكلمات غريبة، إذا أحست بأحد يقترب من مكانها تبدأ في التوسل والدعاء بصوت حزين رقيق مـؤثر : عَوْنُوا هَدْ لْمعْدُورَة فْهَدْ لْعْواشْر عَوْنَا أخَيْ فْهَدْ نْهَارْ دْيَالْ جْمْعة..

على الرغم من أن الأيام ليست أيام عواشر ولا اليوم يوم الجمعة فهي تردد هذا النشيد ليس إلا. لا تتوارى عمن يعرفها ولا تبالي بنظرة المجتمع إليها، فالحياة تزدان لديها عندما يمتلئ الشارع بالناس لكي تستعطفهم من أجل الحصول على قدر من المال يضمن لها الاستمرارية في الوجود ويضمن لأسرتها الصغيرة الحفاظ على ماء الوجه.

يوم الجمعة من أصعب الأيام لديها، فهو محك حقيقي لها، حيث تذهب إلى باب المسجد الذي يكون مكتظّاً بالباعة المتجولين (والزملاء) المتسولين لتتخذ مكاناً لها بينهم.

تبدأ المنافسة على أشدها عند بداية خروج الناس من المسجد حيث ترتفع أصوات الباعة ممتزجة بأصوات المتسولين الحزينة والمؤثرة، فهذا يستغل نبرات صوته الحاد والحزين وذاك يلفت النظر إلى احدى رجليه المبتورة وجسده المحروق من دون أن يتكلم وآخر يزعق ويصيح… مما يتطب منها أن تكون في مستوى المنافسة، فباستثناء اليوم الذي يكتسي طابعاً خاصاً عندها فالحياة روتينية لا تفرق فيها بين يوم وآخر إلا في التسمية.

انسدل الليل

فقامت من مكانها بعد أن أدخلت ما تيسر لها جمعه في كيسها البلاستيكي، وضعت عكازها في يدها اليمنى ثم حملت كيسها على ظهرها وتحركت في اتجاه منزلها.

انزوت في ركن البيت وبقيت صامتة للحظات طويلة، تساقطت دمعة ساخنة من عينهاثم ثانية وبعدها اندلع سيل من الدموع.. انتابها إحساس بالضياع والتشرد في عالم لا يعرف الرحمة، في عالم يأكل فيه القوي الضعيف، في عالم ترتفع فيه الشعارات وترتفع معها ظاهرة التسول والبطالة والدعارة و… وهلم جرا.

في الوقت الذي يزدريها الكبار يلتف حولها الأحفاد الصغار قبل النوم ويهتفون بصوت واحد : احكي لنا يا جدتي حكاية.. تتأوه ثم تضع يدها على رأس حفيدها الصغير وتمسك باليدالأخرى عكازها الذي تحركه بين الفينة والأخرى، تجول بعينيها في أرجاء البيت ثم تبدأ بِهَمْهماتٍ قبل أن يرتفع صوتها شيئاً فشيئاً : كَانّ يمَكانْ حَيْثَمانْ ما يْثْمَانْ في قَديم الزمان.. ثم تردف هذه المقدمة بسيل من الحكايات، ينام الأطفال ويستمر الليل في سكونه وتستمر معه في الحكي عن زمان مضى من غير رجعة.

فريد لقرع -تازة

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *