نداء الناس في سورة البقرة


النداء في القرآن الكريم كثير،  وكثيرة هي السورة التي تشتمل على نداءات ترتبط بموضوع السورة ومضمونها والغرض منها،  وسورة البقرة أول سورة نزلت بعد الهجرة، تضمنت نداءات كثيرة،  فيها النداء بصيغة {ياأيها الناس} الآيتان : 21،  167 وبصيغة {ياأيها الذين آمنوا} في الآيات  :  103،  152،  171،  177،  182،  206،  252،  262،  266،  277،  281 ونداء بني إسرائيل في الآيات  : 39،  46،  122 ونداء آدم في الآيتين  : 32،  34 ونداء موسى في الآيتين 54،  60 ونداء الرب مع حذف ياء النداء في العديد من الآيات.

ونقف عند أول نداء في هذه السورة الكريمة وهو قوله تعالى  :  {ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون  الذي جعل لكم الارض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الانهاركلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون}.

هذا النداء جاء بعد أن عدد الله تعالى فرق المكلفين من المتقين والكافرين والمنافقين، وأن المتقين على هدى من ربهم، وأن الكافرين مختوم على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة وأن المنافقين مرضى،  وزادهم الله مرضا، وهم صم بكم عمي، وذلك كله في تسعة عشر آية(1)

فبعد ما ذكر الله عز وجل صفات هذه الفرق الثلاث،  وما اختصت به كل فرقة مما يسعدها أو يشقيها أو يحظيها عند الله أو يرديها، أقبل عليهم بالخطاب، وهوالالتفات الجميل كقوله تعالى{إياك نعبد} وهو فن من الكلام جزل فيه هز وتحريك للسامع، ينبه المتكلم المخاطب بالالتفات فضل تنبيه، ويستدعي إصغاءه إلى إرشاده. وأسلوب الالتفات يهز المخاطب هزا ويشوقه إلى الإصغاء والإنصات، وهذا الافتنان في الحديث،  والخروج فيه من صنف إلى صنف، يفتح الآذان للاستمتاع(2).

وهذا النداء من الله تعالى إلى العباد يهيئ المخا طبين لما ينفعهم إرشادا لهم، ورحمة بهم  لأنه لا يرضى لهم الضلال، ولم يكن سوء صنعهم حائلا دون إعادة إرشادهم، والإقبال عليهم بالخطاب ففيه تأنيس لأنفسهم بعد أن هددهم ولامهم وذم صنعهم ليعلموا أن الإغلاظ عليهم ليس إلا حرصا على صلاحهم وأنه غني عنهم3.

قوله تعالى {يا أيها الناس} المراد بالناس كافة المكلفين مومنهم وكافر هم،  وطلب العبادة من المومنين طلب الزيادة فيها، وإقبالهم عليها، ومن الكافرين ابتداؤها، ومشروط فيها ما لابد منه، وهو الإقرار، كما يشترط على المأمور بالصلاة شرائطها من الوضوء والنية وغيرهما، وما لا بد للفعل منه فهو مندرج تحت الامر به وإن لم يذكر حيث لم ينفعل إلا به وكان من لوازمه، على أن مشركي مكة كانوا يعرفون الله ويعترفون به(4) يقول الله تعالى  :  {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} فلما بين الله تعالى حال الفرق الثلاث  : المتقين والكافرين والمنافقين فرع على ذلك أن دعا الناس إلى عبادته، وأن يلتحقوا بالمتقين دون الكافرين والمنافقين بهذه الآيات الخمس من قوله {ياأيها الناس} إلى قوله :  {وهم فيها خالدون}(5).

و(يا) حرف للنداء وهو أكثر حروف النداء استعمالا، فهو أصل حروف النداء، ولذلك لايقدرغيره عند حذف حرف النداء،  ولكونه أصلا كان مشتركا بين نداء القريب والبعيد و(أي) في الأصل نكرة تدل على فرد من جنس اسم يتصل بها  بطريق الإضافة  نحو :  أي رجل أو بطريق الإبدال نحو : (ياأيها الرجل)وإنما كثر النداء في كتابه تعالى على طريقة {ياأيهاالناس} لاستقلاله بأوجه من التأكيد، وأسباب من المبالغة كالإيضاح بعد الإبهام،  واختيار لفظ البعيد، وتأكيد معناه بحرف التنبيه، ومعلوم أن كل ما نادى الله عباده : من أوامره ونواهيه وعظاته وزواجره ووعده ووعيده واقتصاص أخبار الأمم الدارجة عليهم، وغير ذلك مما أنطق به كتابه -أمور عظام وخطوب جسام- ومعان علمهم أن يتيقظوا لها، ويميلوا بقلوبهم وبصائرهم إليها، لأنهم عنها غافلون، فاقتضت الحال أن ينادوا بالآكد الأبلغ(6).

قوله تعالى  :  {اعبدوا ربكم}

أول فعل أمر جاء بعد النداء هو {اعبدوا} والعبادة هنا عبارة عن توحيده والتزام شرائع دينه، وأصل العبادة الخضوع والتذلل يقال : طريق معبدة إذا كانت موطوءة بالأقدام.  قال الراغب : العبودية إظهار التذلل، والعبادة أبلغ منها لأنها غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال وهو الله تعالى، ولهذا قال :  {ألا تعبدوا إلا إياه}(يوسف  :  40) والعبادة ضربان : عبادة بالتسخير وهي للإنسان والحيوان والنبات، وعلى ذلك قوله :  {ولله يسجد من في السماوات والارض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال}(الرعد  :  15) وعبادة بالاختيار وهي لذي عقل، وهي المأمور بها في قوله :  {اعبدوا ربكم}(البقرة  :  21) وقوله :  {واعبدوا الله}(الحج  :  77) والعبادة في الشرع أخص، فتعرف بأنها فعل ما يرضي الرب من خضوع وامتثال واجتناب، أو هي فعل المكلف على خلاف هوى نفسه تعظيما لربه(7).

والمخاطبون بالأمر {اعبدوا} هم المشركون من العرب، والدهر يون منهم وأهل الكتاب والمومنون، كل بما وجب عليه من أمر واجب العبادة من الإيمان بالخالق وتوحيده، ومن الإيمان بالرسول(8).

{ربكم}

الرب في الأصل التربية، وهو إنشاء الشيء حالا بعد حال إلى حد التمام يقال : ربه ورباه ورببه، وقيل : لأن يربني رجل منقريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوا زن، فالرب مصدر مستعار للفاعل، ولا يقال الرب مطلقا إلا لله تعالى المتكفل بمصلحة الموجودات نحو قوله تعالى : (بلدة طيبة ورب غفور)سبأ 15 قال الزمخشري  : كان المشركون معتقدين ربو بيتين : ربوبية الله، وربوبية آلهتهم، فإن خصوا بالخطاب فالمراد به اسم يشترك فيه رب السماوات والارض والآلهة التي كانوا يسمونها أربابا(9).

والرب في الآية إما مصدر وإما صفة مشبهة على وزن فعل من ربه يربه بمعنى رباه، وهو رب بمعنى مرب وسائس، والتربية تبليغ الشيء إلى كماله تدريجيا،  ويجوز أن يكون من ربه بمعنى ملكه، والأظهر أنه مشتق من ربه بمعنى رباه وساسه، لا من ربه بمعنى ملكه، لأن الأول الأنسب للمقام، إذ المراد، أنه مدبر الخلائق وسائس أمورها ومبلغها غاية كمالها(10).

والله تبارك وتعالى عدل عن لفظ الجلالة  الله  فلم يقل  :  اعبدوا الله،  وقال :   اعبدوا ربكم  لأن الإتيان بلفظ الرب إيذانا بأحقية الأمر بعبادته،  فإن المدبر لأمور الخلق هو جدير بالعبادة، لأن فيها معنى الشكر وإظهار الاحتياج11، وعدل عن الجمع  أربابكم  إلى المفرد ربكم لأن هذا صريح في أنه دعوة إلى توحيد الله،  فالمشركون وإن أشركوا مع الله آلهة،  فإن بعض القبائل كان لها أصنام يعبدونها، ويدعونها أربابا.

{الذي خلقكم}

أي : أنعم عليكم بإخراجكم من العدم إلى الوجود، والخلق أصله التقدير المستقيم، ويستعمل في إبداع الشيء من غير أصل ولا احتذاء، قال الله تعالى :   {خلق السماوات والارض}(الأنعام  :  73) أي أبدعها بدلالة قوله :   {بديع السماوات والارض}(البقرة  :  117) ويستعمل في إيجاد الشيء من الشيء نحو {خلقكم من نفس واحدة}(النساء  : 1) وليس الخلق الذي هو الإبداع إلا لله تعالى، ولهذا قال في الفصل بينه تعالى وبين غيره :  {أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون}(النحل  :  17) وأما الذي يكون بالاستحالة فقد جعله الله تعالى لغيره في بعض الأحوال كما ورد في شأن عيسى عليه السلام حيث قال  :  {وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني}(المائدة  :  110).

والخلق لا يستعمل في كافة الناس إلا على وجهين :  أحدهما في معنى التقدير كقول الشاعر :

فلأنت تفري ما خلقت وبع

ض القوم يخلق ثم لا يفري

والثاني : في الكذب نحو قوله تعالى  :   {وتخلقون إفكا}(العنكبوت  :  17) ولفظ الذي خلقكم في الآية صفة موضحة مميزة لله تعالى،  والخطاب للفرق جميعا، وفيه زيادة بيان لموجب العبادة، أو زيادة بيان لما اقتضته الإضافة من تضمن معنى الاختصاص بأحقية العبادة(12).

قوله :  {والذين من قبلكم}

أي خلقكم وخلق آباءكم، فهو رب الحاضرين والغابرين، وخالق الناس أجمعين، فيه تذكيرالدهريين الذين يزعمون أنهم إنما خلقهم آباؤهم،  فقالوا :  {ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيى وما يهلكنا إلاالدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون}(الجاثية  :  23) فقوله تعالى  :  {والذين من قبلكم} تذكير لهم بأن آباءهم  الأولين لابد أن ينتهوا إلى أب أول فهو مخلوق لله تعالى(13).

قوله تعالى  :  {لعلكم تتقون}

معناه : اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لتتقوه بطاعته وتوحيده وإفراده بالروبية والعبادة، وهذا تعليل للأمر ولعل حرف يدل على الرجاء والرجاء هو الإخبار عن تهييء وقوع أمر في المستقبل وقوعا مؤكدا،  ولعل حرف مدلوله خبري،  لأنها إخبار عن تأكد حصول الشيء(14)، قال الأصبهاني : لعل طمع وإشفاق وذكر بعض المفسرين أن لعل من الله واجب، وفسر في كثير من المواضيع بكي، وقالوا إن الطمع والإشفاق لا يصح على الله تعالى ولعل وإن كان طمعا فإن ذلك يقتضي في كلامهم تارة طمع المخاطب وتارة طمع غيرهما، فقوله تعالى فيماذكر عن قوم فرعون :   {لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين}(الشعراء  :  40) هذا طمع منهم،  وقوله في فرعون  :  {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى}(طه  :  44) فهذا إطماع لموسى عليه السلام مع هارون،  ومعناه :  فقولا له قولا لينا راجيين أن يتذكر أو يخشى(15).  قال الزمخشري :  ولعل للترجي أو الإشفاق،  ولعل في الآية لا يجوز أن يحمل على رجاء الله تقواهم، لأن الرجاء لا يجوز على عالم الغيب والشهادة(16).

والتقوى هي الحذر مما يكره، والمتقي من اتصف بالاتقاء، وهو طلب الوقاية، والوقاية الصيانة والحفظ من المكروه، والتقوى الشرعية هي امتثال الأوامر واجتناب المنهيات من الكبائر وعدم الاسترسال على الصغائر ظاهرا وباطنا، ولما كانت التقوى نتيجة العبادة جعل رجاءها أثرا للأمر بالعبادة، والمعنى : اعبدوا ربكم رجاء أن تتقوا فتصبحوا كاملين متقين(17)، والله تبارك وتعالى  لما وضع في أيدي المكلفين زمام الاختيار، وطلب منهم الطاعة، ونصب لهم أدلةعقلية ونقلية داعية إليها ووعد وأوعد، وألطف بما لا يحصى كثرة لم يبق للمكلف عذر، وصار حاله في رجحان اختياره للطاعة مع تمكنه من المعصية كحال المترجي منه في رجحان اختياره لما يرتجى منه-مع تمكنه من خلافه-وصار طلب الله تعالى لعبادته واتقائه بمنزلة الترجي(18).

قوله تعالى :  {الذي جعل لكم الارض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} هذه صفة ثانية للرب والمقصود الإيماء إلى سبب آخر لاستحقاقه العبادة وإفراده بها، فإنه لما أوجب عبادته أنه خالق الناس كلهم،  أتبع ذلك بصفة أخرى تقتضي عبادتهم إياه وحده، وهي نعمه المستمرة عليهم مع ما فيها من دلائل عظيم قدرته، فإنه مكن لهم سبل العيش(19).

والمعنى  : جعلها بساطا ومهادا غير حزنة،  يفترشونها ويستقرون عليها، وما ليس بفراش كالجبال والأوعار والبحار فهو من مصالح ما يفترش منها، لأن الجبال كالأوتاد(20) قال تعالى :  {ألم نجعل الارض مهادا والجبال أوتادا}(النبأ :  6- 7) وهذا التعبير يشي باليسر في حياة البشر على هذه الأرض، فالله تبارك وتعالى جعل الأرض موطئا وقرارا لهذا الإنسان يستقر عليها، وفي ذلك تذكير لهم بنعمه التي أنعم الله بها عليه، وفي ذلك عطف منه عليهم، ورأفة منه بهم، ورحمة لهم، من غير حاجة منه إلى عبادتهم.  ونظير هذه الآية قوله تعالى :  {الله الذي جعل لكم الارض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين}(غافر :  64).

والسماء بناء

سماء كل شيء أعلاه، وسمي المطر سماء لخروجه منها، والبناء في الأصل مصدر سمي به المبنى، بيتا كان قبة أو خباء، والبناء في كلام العرب ما يرفع سمكه على الأرض للوقاية سواء أكان من حجر أو من أدم أو من شعر ومنه قولهم : بنى على امرأته، أي تزوج؛ لأنالمتزوج يجعل بيتا يسكن فيه مع امرأته. والسماء يراد بها الجنس كالسماوات، والمعنى بها الكواكب السيارة. . . .  فجميع السماوات والكواكب كالبناء المرتبط بعضه ببعض من كل جهة، والمتماسك كأجزاء الجسم الواحد بالجاذبية التي تحفظ نظامها في مداراتها، وهو جذب الشمس له(21). والسماء فيها متانة البناء، وتنسيق البناء، والسماء ذات علاقة بحياة الناس في الأرض وبسهولة هذه الحياة، وهي بحرارتها وضوئها وجاذبية أجرامها.. .  تمهد لقيام الحياة على الأرض وتعين عليها. فالله تبارك وتعالى امتن على عباده وضرب العبرة بأقرب الأشياء،  وأظهرها لسائر الناس : حاضرهم وباديهم، وبأول الأشياء في شروط هذه الحياة، وفيهماأنفع الأشياء وهما الهواء والماء النابع من الأرض، وفيهما كانت أول منافع البشر.. .  والسماء للأرض كالسقف للبيت ولهذا قال تعالى وقوله الحق :   {وجعلنا السماء سقفا محفوظا   الأنبياء  وهم عن آياتها معرضون}(الأنبياء  :  32) والله تبارك وتعالى ابتدأ بالأرض؛لأنها أول ما يخطر ببال المعتبر، ثم بالسماء؛لأنه بعد أن ينظر لما بين يديه ينظر إلى ما يحيط به(22).

قال الطبري : سميت السماء سماء لعلوها على الأرض، وعلى ساكنها من خلقه، وكل شيء كان فوق شيء آخر فهو لما تحته سماء، ولذلك قيل لسقف البيت سماؤه؛ لأنه فوقه مرتفع عليه، وعن ابن مسعود :   والسماء بناء  فبناء السماء على الأرض كهيئة القبة وهي سقف على الأرض وإنما ذكر جل ثناؤه السماء والأرض فيما عدد عليهم من نعمه التي أنعمها عليهم؛ لأن منهما أقواتهم وأرزاقهم ومعايشهم،  وبهما قوام دنياهم، فأعلمهم أن الذي خلقهما وخلق جميع ما فيهما وما هم فيه من النعم هو المستحق عليهم الطاعة، والمستوجب منهم الشكر والعبادة دون الأصنام والأوثان التي لا تضر ولا تنفع(23).

ولله در الزمخشري إذ يقول :  قدم سبحانه من موجبات عبادته وملزمات حق الشكر له خلقهم أحياء قادرين أولا، لأنه سابقة أصول النعم ومقدمتها، ثم خلق الأرض التي هي مكانهم ومستقرهم، الذي لابد منه، وهي بمنزلة عرصة المسكن وتقلبه ومفترشه، ثم خلق السماء التي هي كالقبة المضروبة والخيمة المطنبة على هذا القرار، ثم ما سواه عز وجل من شبه عقد النكاح بين المقلة والمظلة، بإنزال الماء منها عليها،  والإخراج به من بطنها أشباه النسل المنتج من الحيوان من ألوان الثمار رزقا لبني آدم، ليكون ذلك معتبرا ومتسلقا إلى النظر الموصل إلى التوحيد والاعتراف، ونعمة يتعرفونها، فيقابلونها بلازم الشكر، ويتفكرون في خلق أنفسهم، وخلق ما فوقهم وتحتهم(24).

قوله تعالى   :  {وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم}

فالله تبارك وتعالى أنزل من السماء مطرا فأخرج بذلك المطر مما بذر هذا الإنسان في الأرض من البذور رزقا لهم غذاء وقوتا وفي هذا امتنان بما يلحق الإيجاد ويحفظه من الاختلال وفيه تذكير بقدرة الله تعالى وأنه هو الذي خلق الإنسان وهو الذي يرزقه ويكفله وإنزال الماء من السماء وإخراج الثمرات به يتردد في القرآن الكريم في مواضع شتى في معرض التذكير بقدرة الله تعالى ومن هذا قوله تعالى :   {إنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا به حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا متاعا لكم ولأنعامكم}(عبس  :  25- 32).

{فلا تجعلوا لله أندادا}

الند المثل ولا يقال إلا للمثل المخالف المناوئ، من ند يند ندودا، إذا نفر، والنهي متفرع على مضمون ذلك الأمر،  كأنه قيل : إذا أمرتم بعبادة من هذا شأنه من التفرد بهذه الأفعال الجليلة، فلا تجعلوا له أندادا يشاركونه في العبادة، كما قال حسان بن ثابت رضي الله عنه  :

أتهجوه ولست له بند

فشركما لخيركما الفداء

وكل شيء كان نظيرا لشيء آخر وشبيها فهو له ند(25)، والأنداد الآلهة التي جعلوا له،  والمعنى لا تثبتوا لله أندادا تجعلونها جعلا وهي ليست أندادا وسماها أندادا تعريضا بزعمهم لأن حال العرب في عبادتهم لها كحال من يسوي بين الله تعالى وبينها وإن كان أهل الجاهلية يقولون إن الآلهة شفعاء ويقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله،  وجعلوا الله خالق الآلهة فقالوا في التلبية (لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك)(26).

قوله تعالى : {وأنتم تعلمون}.

هذه الآية جمعت بين الأمر بعبادة الله وحده، والنهي عن عبادة ما سواه، وبيان الدليل الباهر على وجوب عبادته، وبطلان عبادة ما سواه.  والمفعول محذوف والمعنى :  وأنتم ذوو علم،   وقيل :  عنى بذلك أهل الكتابين : التوراة والإنجيل،  والمراد بالعلم هنا العقل التام وهو رجحان الرأي المقابل عندهم بالجهل على نحو :  {هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} والنهي هنا يجمع بين التوبيخ وإثارة الهمة، فإنه أثبت لهم علما ورجاحة الرأي ليثير هممهم،  ويلفت بصائرهم إلى دلائل الوحدانية، ونهاهم عن اتخاذ الآلهة(27).  والخطاب هنا عام خطاب للناس كافة؛ لأنه تحدى الناس كلهم،  بقوله : {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} وعن ابن عباس وقتادة أنه عنى بذلك كل مكلف عالم بوحدانية الله،  وأنه لاشريك له في خلقه يشركه معه في عبادته غيره، سواء أكان عربيا أو أعجميا، كاتبا أو أميا(28).

———

1 -الميزان في التفسير  1- 57    –   2 -الكشاف 1/221

3 -التحرير والتنوير 1/323      –  4 -الكشاف 1/227

5  -الميزان في التفسير 1/57

6 -الكشاف 1/226 ومحاسن التأويل 1/67

7  -معجم مفردات ألفاظ القرآن.

8  -التحرير والتنوير 1/ 326  –  9  -الكشاف 1/227

10  -التحرير والتنوير 1/ 166   –  11  – التحرير والتنوير 1 /326

12  -التحرير والتنوير 1/327   – 14  -التحرير والتنوير 1/ 325

15  -معجم مفردات ألفاظ القرآن (لعل)    – 16  – الكشاف 1 / 227

17  – التحرير والتنوير 1 /330   –  18  – محاسن التأويل 1/ 68

19  – التحرير والتنوير 1 / 331    –  20  – الجامع لأحكام القرآن

21  – محاسن التأويل 1/61    –   22  – التحرير والتنوير 1 /333

24  – الكشاف 1 / 233   –    25  – جامع البيان في تفسير القرآن

26  – التحرير والتنوير 1/ 334    –    27  -نفسه 1 / 335

28  – جامع البيان في تفسير القرآن

د.  محمد الأمين

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *