من واقع التعليم الابتدائي  في الوسط القروي


ليس الموضوع على الحقيقة نكرة ولا معرفة ؛ وإنما هو شيء من هذا وذاك ؛ إذ ما قد يعرف عنه الكثير إلى حد كشف محجوبه ؛ قد يجهله الأكثرون إلى درجة خفاء سره ؛ لكن القدر المشترك بين تصور هؤلاء وأولئك عن الموضوع هو الانطباع السلبي القاتم الذي يخلفه غالبا حديثهم عنه؛ بحيث إذا ما تم التذاكر عن التعليم في الوسط القروي سيطرت على الحوار عبارات الاتهام بالغش والاستهتار والخيانة موجهة إلى المعلمين خاصة لاسيما وأنهم على خط التماس الأول مع الآباء و أولياء التلاميذ.

وليس المقال بغرض دفع الاتهام باعتبار صاحبه معلما ؛ وإنما هي شهادة تجربة متواضعة لاثني عشرة سنة في  الميدان ؛ حلوة على شقاء ظروفها الطبيعية والمادية ؛مريرة بعلقم علاقاتها الادارية والتربوية. وهي لاتملك إزاء هذا الانطباع السائد إلا أن تقرر ابتداء أنه ليسعلى إطلاقه ؛ إذ مهما نقم الناقمون على المعلمين إلى حد اعتبارهم أحيانا عابثين  ؛ نجد من إخوتنا في الدرب من يبددون بعض  هذه الأقاويل ؛ بما أخلصوا لله إخلاص الصادقين في أداء واجبهم الرسالي أولا والمهني ثانيا؛ بحيث يستفرغون وسعهم في تعليم الصبيان والفتيان بما  يطاق وقد لايطاق ؛ فقد كان أحد الأعزاء منهم يقطع ما يقرب من عشرة أميال ذهابا وإيابا ؛ وأحيانا على الوحل تحت المطر ؛ أداء لأمانته محتسبا لله.وأعرف مثله من يعمل لسنتين  في نفس الظروف تقريبا وهو مهضوم الحق في مجموعته رغم أن أمره قد بلغ رأس نيابته. كما أعرف غيره ممن ينوب عن أولي الأمر فيما ينبغي لهم القيام به ؛ وعن الجمعيات فيما يمكن أن تضطلع به ؛ فيحمل حاسوبه أحيانا إلى قسمه ليطور عرض دروسه ويرفع قدرات تلاميذه ؛ ناهيكم عن أنه مواظب من مدة  على تقديم دروس الدعم مجانا لفئة من أطفال محل استقراره . هذا فضلا عمن يحمل من إخوتنا شهادات الدكتوراه والديزا ؛ الذين كانت قسمة النظام الأ ساسي الجديد إزاءهم ضيزى ؛ رغم صدور أكثر من مذكرة تخول لأمثالهم العمل بالثانوي ؛ ومع ذلك وهم في غمرة الإحباط والقهر ما زالوا يقاومون متفانين مغلبين القصد الرسالي العبادي على القصد المهني العادي متضرعين إليه سبحانه بالدعاء بالفرج عملا بقوله عليه السلام {ستكون أثرة وأمور تنكرونها ؛ قالوا وما المخرج منها يا رسول الله ؛ قال تؤدون الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم}

فهؤلاء وأمثالهم و إن عُدُّوا قلة ؛ وقد يكونون أكثر من ذلك ؛ بالاضافة إلى فئة قد تصل حد الغالبية من إخواننا الذين لا يكلفون أ نفسهم إلا وسعها ؛ دون أن يجتهدوا في تحمل ما يتحمل أهل العزائم منا فيأخذون بالرخص أحيانا ؛ قد يقلصون من حجم الصورة القاتمة لما شاع وذاع مما يصدق على فئة قد تكون غير قليلة من المحسوبين على المعلمين. والحمد لله أن منهم من غادر الوظيفة في إطار الحملة الأخيرة طوعا أو كرها ؛ ومنهم من لايزال على حاله ولاحاجة لله في غدوه  و رواحه نسأل الله لنا ولهم التوبة والأوبة إليه سبحانه.

فهذه أصناف المعلمين التي لا صنف بعدها في الواقع القروي ؛ وإسناد أمر الفشل والتعثر والترهل في الأداء التعليمي إليهم دون سواهم إنما هو إدخال للجمل في سم الخياط ؛ وتحجيم لما لايقبل التحجيم ؛وتبسيط لمشكلة بالغة الغاية في التعقيد. ذلك أن غير المعلم ممن فوقه إداريا وتربويا من الادارة إلى الوزارة معني هو أيضا  بما ينطبع في صدور الناس من الصورة القاتمة عن واقع التعليم عامة والابتدائي منه في الوسط القروي خاصة. وقد يكون تعلقه به على حسب موقعه أكبر وآكد خصوصا إذا ما انطلقنا من القاعدة اللغوية المأثورة المشهورة {الزيادة في المبنى تفيد الزيادة في المعنى}.

والمؤسف أنه في الوقت الذي يفترض فيه مضاعفة الجهود بإخلاص واحتساب حيثما ارتقى المرتقون في السلم الاداري حتى يبلغوا كمالهم المطلوب أداء وأخلاقا ؛ يرى إلى حد ما وبحسب التجربة المتواضعة التي آمل أن تكون استثناء أن هذا الأمر غالبا ما يكون معكوسا منكوسا. ذلك أنه متى غاب القصد العبادي الرباني  عز وجود القدوة في الأداء المهني الإنساني.

إننا في الوقت الذي نرفض فيه استهتار صنف من المعلمين في أقسامهم وتقصيرهم في أداء حد الكفاية من واجبهم مهما كانت الظروف ؛ نشجب فيه أيضا تفريط صنف من المديرين في حسن التسيير والتدبير ؛ واعتبارهم العمل الاداري خلودا إلى الراحة والدعة  والابتزاز والطمع في المطعم المدرسي وعلب الطباشير ودريهمات التلاميذ مقابل ما يسمى بطائق تعاونية القسم  بتوصيلات مزورة حينا وبدون توصيلات أحيانا أخرى. فالمدير لاينبغي أن يكون مضرا بمجموعته ؛ هاشا باشا لما يلقى فيها من سقط الكلام ؛ مشجعا للمستهترين من المعلمين بالتغاضيعنهم تحت ضغط مادي أو معنوي.

كما ندين في صنف من المفتشين غياب شخصية الموجه التربوي الباحث والمربي الحكيم لاسيما وأن الوقت مسعف لهم لتكوين الذات ؛ وتصحيح التصورات ؛ والرقي بالملكات. فمن الواجب العيني المضيق أن يعيروا لهذه الأمور اهتماما ؛ ويلتزموا بها التزاما ؛ حتى تكون زياراتهم التربوية نافعة رافعة بإذن الله ؛ لامجرد تفقدات سياحية ياكلون فيها الطعام ويمشون في الا سواق ويلعبون الأوراق ؛ حتى إذا ما استنجد بهم أهل التدريس لحل بعض المشكلات والتعثرات لم يسعفوهم إلا بالأوهام والتلذذ بالآلام ؛ وإيذاء ذوي الحقوق وتقريب أهل التملق والاستهتار والفسوق.

كما أننا ندين وبدرجة أكبر أيضا بيروقراطية النافذين في مغاوير النيابات والأكاديميات ؛ وتسترهم على المناصب الشاغرات ؛ وتغاضيهم عن ظلم ذوي الظلمات ؛ من بعض المديرين والمفتشين ورؤساء المصالح والمقاطعات ومكاتب النقابات.

فإذا ما صلح أمر هؤلاء وأولئك إضافة إلى من فوقهم صلح إن شاء الله الأمر كله ؛ وهان تحصين الذات من الغريب الوافد المستبيح لحماها مما يقترض ويفرض. وفي ذلك دعامة كبيرة لإعادة تشكيل عقلنا التربوي والتعليمي بما به الأمة تسند فتنهض ؛ إذ لا يعقل أن توتي المنظومة التربوية الأصيلة المنشودة أكلها وأهلها غافلون فلابد لأجل تنزيلها إذن بعد الأب الواعي الحريص من المدرس الصابر والمدير الذاكر ؛ والمفتش الصادق والرئيس القانت ؛ ومدير الموارد المخلص والكاتب العام المتبتل؛ والوزير المستغفر بالأسحار والحكومة الناصبة وكأنها تصلي ليل نهار

{قل إنما أعدكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا}  ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع.

ذ. عبد المجيد بلبصير

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *