مسؤولية الأسرة في التحصيل الدراسي لأبنائها


مقدمة

يستمد عنوان هذا الموضوع مشروعيته من واقع الممارسة العملية لمهمة التربية والتعليم التي تفرض، مما تفرضه، معرفة التلميذ. وإنه لا يمكن أن تكتمل هذه المعرفة بعزله عن محيطه الذي يعيش فيه (فمنه يأتي إلى المدرسة، وإليه يرجع بمجرد الخروج منها. يعج هذا المحيط بعدة  (مدارس)أخرى كلها تساهم بنسب متفاوتة في تربية وتعليم هذا التلميذ، فهناك الشارع، والجمعية، والرفاق، والتلفاز..، وهناك الأسرة. وكلها تترك عليه بصمات واضحة.

وتبقى الأسرة أهم هذه المدارس وأعظمها أثرا. إنها مدرسة طبيعية تربط التلميذ بأفرادها أوثق الروابط وأدومها : الأمومة، والأبوة، والأخوة، والقرابة. منها ينطلق..، وانطلاقته هي سنواته الأولى التي لا شك أن تنفرد به فيها أسرته. و(لقد عني علماء النفس والتربية بالسنوات الأولى التي يقضيها الطفل في منزله، وذلك لما لها من الأثر الواضح في حياته المدرسية، فكثير من مسائل الصحة العقلية، والعادات الوجدانية والاجتماعية تنشأ مع الطفل في بيئته المنزلية، وتلازمه طول حياته)(1 ــ ص : 174). وبناء على قول الدكتور أحمد أوزي، فإنه (إذا كان علم النفس يعرف العديد من المدارس والاتجاهات المختلفة، فإن الشيء الذي لا يختلفون فيه هوإجماعهم على أهمية السنوات المبكرة من حياة الشخص وما تتركه من بصمات واضحة عل شخصيته وتكوينه)(2 ــ ص : 148). (إن ما يتعلمه الطفل أوالمراهق في البيت لا يتركه على عتبة المدرسة ــ كما يقول أحد السيكولوجيين ــ وإنما يدخله معه إلى الفصل الدراسي)(2 ــ ص : 148). أي أن التلميذ قد يعكس في جو المدرسة محاسن منشأها أسرته، كما أنه قد يعكس عيوبا منشأها أسرته. والتحصيل الدراسي لن يشذ عن هذه القاعدة (فقد تنعكس عليه إيجابياتٌ أوسلبياتٌ منشأها الأسرة، بل وقد يعكسها،فنميز في النتائج الدراسية بين ما يلي :

ــ تلميذ متفوق في دراسته؛

ــ وتلميذ متخلف في دراسته.

فهل يحق لنا أن نحصر مسؤولية التحصيل الدراسي في الأطراف الأساسية التي تكون العملية التعليمية التعلمية؟ وهل يحق للنظام التعليمي أن يختبئ وراء تلاميذه ومدرسيه؟ وهل يمكن للمدرسة أن تكون عالما مغلقا منعزلا يؤدي رسالته لوحده؟.

الأسرة والتحصيل الدراسي

1 ــ التحصيل الدراسي :

من المقاييس المستعملة لقياس الفروق الفردية نجد التحصيل الدراسي (3)، وهو(المعلومات والخبرات التعليمية المفروض أن يحصل عليها التلاميذ في المدرسة)(1 ــ ص : 384). وتعتبر المراقبة المستمرة والاختبارات وسيلة قياس التحصيل حيث يرمز إليه بنقط وعلامات. ويمكن من خلال هذه النتائج التمييز بين المتخلفين والمتقدمين دراسيا (فالتخلف الدراسي (نعت للتلميذ حينما يكون دون المستوى الدراسي العادي)(4 ــ ص : 12)، أي أن التفوق الدراسي نعت للتلميذ حينما يكون في أعلى مستوى من المستوى الدراسي العادي؛ و(المتخلف دراسيا هوذلك التلميذ الذي عجز عن بلوغ هدف أومجموعة من الأهداف المحددة له…)(5)، أي أن التلميذ المتفوق دراسيا هوالذي نجح في بلوغ الأهداف المسطرة.

ومن أسباب التأخر الدراسي حسب التجارب التي أجراها ” بيرت ” بإنجلترا(1) :

ــ ضعف الصحة العامة؛

ــ وضعف البصر والسمع والنطق؛

ــ وضعف الذكاء العام؛

ــ والفقر المادي للمنزل؛

ــ وفقدان التوازن العاطفي؛

ــ وانحطاط المستوى الثقافي في المنزل؛

ــ وعدم المواظبة على حضور المدرسة، إلخ.

إجمالا، يمكن تصنيف هذه الأسباب إلى أسباب موروثة وأسباب مكتسبة، أو إلى عوامل وراثية وأخرى بيئية..، بل يبدو أنها جميعها تتجمع في الأسرة.

2 ــ الوراثة :

(يتماشى مستوى ما يصل إليه الفرد من التعليم، أومقدار ما يقضيه في سنوات التعليم مع مستوى ذكائه (…). فالشخص الأكثر ذكاء هوالذي يعيش سنوات أطول في التعليم، أما الشخص الأقل ذكاء فإنه يتخلف عبر المراحل التعليمية، ولذلك نلمس ارتباطا بين الذكاء والتحصيل التعليمي)(6 ــ ص : 95). إذن، فكلما زادت نسبة الذكاء إلا وتقدمت معها النتائج الدراسية، وكلما تدنت نسبة الذكاء إلا وتدنت معها النتائج الدراسية ــ قد تتعارض هذه الفكرة مع نظرية الذكاءات المتعددة، لكن الواقع يشهد لها حيث إن البرامج المدرسية في معظمها تركز على جزء من الذكاءات ينحصر في الذكاء اللغوي والذكاء المنطقي الرياضي.

والذكاء كما سبقت الإشارة قوة فكرية طبيعية موروثة يرثها الفرد من والديه..(أي من أسرته).

غير أن التجارب التي أجريت على التوائم وأطفال التبني أظهرت أن البيئة المنزلية لها دور حاسم في تحديد مستقبل هذه القدرة الفطرية الموروثة. ففيما يتعلق بأطفال التبني، تبين أن انتقالهم إلى بيوتهم الجديدة حسَّن من مستوى ذكائهم، ورفع منهبدرجة تفوق ما كان يتوقع له اعتمادا على قياس ذكاء الأم الحقيقية، وربما يعود ذلك إلى (الغنى الثقافي أوالمعرفي في البيت الجديد)(6 ــ ص : 87). كما أن (النتائج المستمدة من دراسة التوائم توضح أن المسؤول عن نموالذكاء كل من العوامل البيئية والوراثية معا)(6 ــ ص : 102). (وإذا كان الناس يظهرون (…) جميع أنواع الذكاء، فإن الأفراد يختلفون بفعل تأثيرات الوراثة والبيئة في المدى الذي يمكن أن تصله مختلف قدراتهم)(7 ــ ص : 43).

ويستخلص الدكتور عبد الرحمان العيسوي نتيجة مؤداها أن (البيئة المنزلية الجديدة التي تبدأ في مرحلة مبكرة من عمر الطفل لها تأثير فعال في نموالطفل من الناحية العقلية والاجتماعية. ولكن البيئة مهما تحسنت لا يمكن أن تخلق من العدم أوأن توصل جميع الأطفال إلى مستوى واحد، ولكنها توفر الفرصة الجيدة لكي يصل كل طفل إلى أقصى ما لديه من إمكانيات وراثية)(6 ــ ص : 87، 88).

أي أن (البيئة المثالية للفرد هي التي تهيئ (له الظروف المناسبة) للوصول إلى أحسن نموممكن في الحدود التي وضعتها العوامل الوراثية)(8 ــ ص : 26).

وبتعبير آخر : (الوراثة تمدنا بالمميزات والبذور، والبيئة هي التربة التي تنموفيها هذه البذور (وعلى قدر صلاحية التربة تكون درجة النبات وقوته)(9 ــ ص : 155).  والفلاح الخبير يعي أن البذور المختارة عالية الجودة لا تكفي لوحدها لضمان إنتاج مرتفع، فهناك المناخ، ونوع التربة، والسقي، والأسمدة، إلخ. والذكاء أشبه بمادة أولية خام تحتاج إلى صقل ورعاية خاصة على يدي راعيها حتى تتبلور في الشكل المأمول أن تصبح عليه.

3 ــ البيئة الأسرية :

(في دراسة لحياة العباقرة يشير راجح (أحمد عزت) إلى عوامل أخرى غير الذكاء والمواهب الخاصة كان لها أثر بالغ في عبقريتهم، منها : المثابرة، والطموح، والثقة بالنفس، والرغبة في التفوق، والمقدرة على التركيزالشديد، وولع خاص بناحية خاصة، هذا إلى جانب الصمود واحتمال سخرية الناس)(10 ــ ص : 79). وما هي إلا عوامل مكتسبة من البيئة.

إنه إذا لم يكن ممكنا التحكم في العوامل الوراثية، فإنه بالإمكان التحكم في العوامل البيئية وتناولها بالتعديل، أوالتغيير أوالتحسين. وهنا تكمن أهمية الوسط الأسري في التأثير على الصحة العقلية للفرد (فإذا كانت الوراثة هبة إلهية للفرد تزوده باستعدادات وميولات خاصة، فإن البيئة هي التي (تعطي لهذه الاستعدادات والميولات مجال النمو أو الانكماش، وهي التي توجهها (…) كما أن البيئة السيئة تعمل على إهمال الخصائص الموروثة فتضعف من نموها، أوتعطلها أوتوجهها توجيها سيئا)(11 ــ ص : 130).

ولنبدأ بالبعد الجسمي من شخصية الطفل والمراهق. فعلى الرغم من أنه أقل تشكيلا بعناصر البيئة في سماته، فإن ظروف الأسرة ومستواها المادي والثقافي لها تأثير بارز على نموه. فتوفير أسباب الصحة في البيت أمر بالغ الأهمية كالتهوية، والشمس، والضوء، والحرارة، والنظافة، والتنظيم، والراحة الكافية، والغذاء الصحي، والخلومن الأمراض أوالقدرة على الوقاية منها ومعالجتها… ولا شك أن البيوت التي لا توفر وسائل حفظ الصحة تؤثر تأثيرا ضارا في حالة أهلها الجسمية، ومن ثم حتى على الصحة العقلية. ونعود هنا من جديد إلى مرحلة الطفولة المبكرة : (فقد دلت الإحصاءات على أن نسبة الأطفال الذين يمرضون في مرحلة الطفولة المبكرة أكبر في الأسر الجاهلة والفقيرة منها في الأسر الغنية والمتعلمة، وكذلك نسبة وفيات الأطفال في الأسر الجاهلة والفقيرة أكبر منها في الأسر الغنية والمتعلمة، وكثير من العاهات والعلل الجسمية تحدث نتيجة لإهمال الوالدين للأطفال في سنواتهم الأولى بصفة خاصة كالعمى والصمم والأمراض الصدرية)(11 ــ ص : 85).

أما عن البعد العقلي والوجداني أوالانفعالي، فسِماتُهما أكثر تأثرا بالبيئة وخاصة في السنوات الأولى التي يقضيها الطفل في منزله، فتبقى ملازمة له طول حياته كما تؤثر تأثيرا واضحا في حياته المدرسية… فهذا طفل وسط بيت غني ماديا ومعرفيا واجتماعيا (فيه كتب، ويوفر مجالا واسعا للتعبير، وتلبى فيه حاجياته بما فيه الكفاية، وتربطه علاقات طيبة بوالديه وإخوته، ويهتمون بصداقاته ومساره الدراسي، مما يجعله وسط بيئة مثيرة ومحفزة تشجعه على التحصيل الدراسي…، وتدل أبحاث بعض العلماء أمثال “بروكس” على أن البيئة لها تأثير كبير على المستوى العقلي للفرد، إذ كلما كانت بيئة المراهق مليئة بالخبرات كلما كان ذلك يساعد على شحن ذهنه ومساعدة قدراته المختلفة على حل المشاكل العقلية المعقدة)(12 ــ ص : 71). كما أوضحت عدة بحوث أن (للأسرة تأثيرا على طموحات الطلاب المهنية والتعليمية، وأن الأسرة المستقرة التي يسودها التفاهم والود بين أفرادها تؤدي إلى تنميةمستوى الطموح لدى أبنائها وتحدد سلوكهم)(10 ص : 139).

… وهذا طفل حظه أنه في وسط عائلي أمي فقير ماديا وثقافيا، يتسم بضعف أوانعدام الإثارة والتحفيز، مما قد يؤدي إلى تأخر النموالعقلي. أضف إلى هذا أن (المناهج الدراسية (…) تتطلب دعما وتوجيها خارجين عن كفاءة التلميذ. وما دام المدرس في وضعية أقسام دراسية مكتظة بالتلاميذ، فإن ذلك لا يسعفه في عملية تتبع إيقاع التعلم الخاص لكل تلميذ، وما دامت نسبة الأمية في المجتمع المغربي تتجاوز 50 %، فإن الآباء يكونون عاجزين عن مد يد المساعدة والعون لأبنائهم)(13 ــ ص : 143)، وحتى إذا فكروا في مخرج ” الساعات الإضافية ” فإن الفقر لا يأذن لهم بذلك.

… وهذا طفل نشأ وسط جوأسري مضطرب تتخلله مشاحنات الوالدين، ومشاكساتهما الدائمة، فلا يستطيع الاستذكار والتحصيل، حيث يتشتت انتباهه ذلك (أن الجو العام، وحالة الفرد الانفعالية تشكل أهم دوافع التعلم وزيادة النشاط والإنتاج. وعلى العكس من ذلك يكون الفرد في ضوء علاقات سيئة بينه وبين أفراد جماعته أومن يحيط به، يتولد له كره العمل وانصرافه عن التحصيل)(10 ــ ص : 141).

… وهذا طفل في مسكن مزدحم تهمل فيه حاجات الطفولة، وينعدم فيه مكان للمراجعة وإنجاز الواجبات المدرسية.

… وهذا طفل ساء حظه أوسعد لأنه الأكبر في إخوته أوأوسطهم أوآخرهم. (فأحيانا يكون الآباء متحمسين لطفلهم الأول، لكن حماسهم يفتر بالنسبة لإخوته الصغار، وأحيانا يكون العكس، فبعد تجرع الأبوين مرارة فشل طفلهما الأول يدركان أسرار اللعبة المدرسية، ويحاولان ما أمكن ألا تتكرر لدى إخوته الصغار)(14 ــ ص : 17)…

… وهكذا تتعدد الحالات والعوامل المساعدة أوالمعطلة إلى حد يستحيل حصرها. (وتتفاوت الفائدة التي يجنيها الطفل من المدرسة بنسب كبيرة وفقا للظروف العامة لحياته العائلية وسلوك والديه. ويجب أن يكون الأهل وسطاء بين مقتضيات المدرسة والمقتضيات الفيزيولوجية والعقلية الخاصة بكل سن وبكل طبع. والتلميذ الذي لا يجد في بيته أي إعداد سيكولوجي أواجتماعي، ولا أي تشجيع معنوي أوإعانة لا يمكن أن يتفتح في المدرسة)(15 ــ ص : 66).

4 ــ نماذج لحالات فشل دراسي :

نعرض فيما يلي لحالات عرضت على العيادة السيكولوجية بمعهد التربية للمعلمين بالقاهرة ظهر فيها اعوجاج على السلوك نتيجة الحرمان من تحقيق حاجات نفسية أساسية، فانعكس ذلك على التحصيل الدراسي(1) :

أ ــ حالة تلميذ يميل إلى العناد والعصيان، وعدم الميل إلى المذاكرة، ويميل إلى الشره في الأكل. وضحت دراسة حالته أنه كان الولد الذكر الأول، فعاش مدللا من طرف والديه، وظل معتمدا عليهما حتى أنه إذا أعطي واجبًا منزليا لا يقوم به إلا إذا ساعده والداه أومدرس خاص.

ب ــ حالة تلميذ فاشل دراسيا، أصر والده لفقره على أن يستمر في تعليمه، فأرهقه بالضرب والحبس، واستعمال القسوة، فانتهى الأمر بالابن إلى الهرب.

ت ــ حالة تلميذ ذكي تعوّدَ التأخر الدراسي، والعناد والعصيان. كان هوالولد الوحيد لأبويه، والده يتدخل في كل شؤونه كبيرها وصغيرها، وأمه ترفض هذا الأسلوب، وبالتالي انعدم تعاونهما في تربية ابنهما.

5 ــ خلاصة بحث ميداني :

قمنا ببحث ميداني شمل عينة من التلاميذ المتفوقين والمتخلفين دراسيا (66 تلميذا) بإحدى المؤسسات الإعدادية فجاءت النتائج كالتالي (باختصار شديد) :

ــ العوامل الإيجابية تميل إلى الارتفاع في أسر التلاميذ المتفوقين، وتميل إلى الانخفاض في أسر التلاميذ المتخلفين.

ــ العوامل السلبية تميل إلى الانخفاض في أسر المتفوقين، وتميل إلى الارتفاع في أسر المتخلفين.

ــ لعلاقات أفراد الأسرة ومدى استقرارها وتوافق أهلها أهمية بالغة في التأثير على الحصيلة الدراسية للتلاميذ. ولعل هذا يتفق مع ما خلصت إليه إحدىالبحوث المهتمة التي لاحظت ارتفاع معامل الارتباط بين عمل المدرسة والاستقرار والوفاق العائلي : (فقد بحث ” لانمرمانا ” الصلة بين عمل التلميذ وظروفه والبيئة الاجتماعية، فوجدها كما يلي :

“ـ معامل الارتباط بين عمل المدرسة ودخل الأسرة : 0,19.

“ـ معامل الارتباط بين عمل المدرسة وحجم الأسرة : 0,32.

“ـ معامل الارتباط بين عمل المدرسة وحالة المعيشة : 0,53.

“ـ معامل الارتباط بين عمل المدرسة والاستقرار والوفاق العائلي : 0,63)(11 ــ ص : 155).

فنخلص إذن إلى نتيجة مؤداها أن جودة العلاقات بين أفراد الأسرة يمكنها أن تعوض إلى حد بعيد عن نقص المستويين الثقافي والمادي، كما يمكنها أن تخفف من النقص الناجم عن الوراثة..(وبالتالي فإن هذه العلاقات هامش واسع لصالح الأسرة يجعل لها متنفسا ومتسعا للحركة، لها القدرة على التحكم فيه وحرية توجيهه لما فيه مصلحة فلذات الأكباد…

خاتمة

لا نستطيعالجزم بأن للأسرة دورا قاطعا وحتميا يستحيل تجاوزه في تقدم أوتخلف التحصيل الدراسي لابنها، فهناك عوامل أخرى تساهم في ذلك، لكنها على الأقل تلعب دورا هاما، وتساهم مساهمة كبيرة في تفوق أوتخلف ابنها لما توفره له أوتحرمه من أسباب النجاح، ولما تجنبه أوتعرضه لأسباب الفشل.

وإذا لم يكن بإمكان الأسرة التحكم في مستواها الاقتصادي، فإنه يمكنها على الأقل التحكم في مستواها الثقافي والعلائقي على الخصوص، فتوفير جوثقافي واجتماعي جيد داخل البيت قد يشكل حافزا مشجعا يدفع بالتلميذ إلى الإقبال على دراسته بحب وشغف.

ولكن… (بعض الآباء رغم وعيهم بالصعوبات المدرسية العامة أوالجزئية لأطفالهم، واهتمامهم بها لا يعرفون أو لا يستطيعون القيام بمبادرة من شأنها أن تحمل حلا للمشكلة)(14 ــ ص : 17). والمدرسة لوحدها لا تستطيع أن تفيَ بواجب التربية والتعليم ذلك (أن بعض الأطفال الذين تبذل المدرسة جهدا في تربيتهم قد يجدون في حياتهم العائلية عاملا هداما. وقد لا تستطيع المدرسة التقدم بالطفل إلى الأمام لأن الأسرة تدفع به إلى الخلف)(11 ــ ص : 94).

إن بلادا يعاني أهلها من آفات الأمية، والفقر، والجهل العام لا ريب أن أبناءها متروكون للأقدار وأخطاء الآباء والأمهات (فيوجهون توجيها خاطئا يجهل استعداداتهم يقاسون نتائجه طول حياتهم. ولعلنا في حاجة إلى تربية الآباء وإعدادهم لمقتضيات الحياة الأسرية وشروط صحتها… إن مسؤولية الأمومة والأبوة ليست بالمسؤولية السهلة، >وكلكم راع، وكل مسؤول عن رعيته<.

هنا إذن لا بد من تدخل حملة رسالة التربية والتعليم والمشرفين على تربية وتعليم التلاميذ، وهذه دعــوة لهم جميعا إلى :

ــ الاضطلاع ما أمكنهم ذلك بدورهم التربوي كاملا غير منقوص كاضطلاعهم بدورهم التعليمي، وتلك مسؤولية تتجاوز أسوار المؤسسات التعليمية؛

ــ والإصغاء ما أمكنهم ذلك إلى التلاميذ، وتفهم مشاكلهم، وإرشادهم إلى حلها أوحسن التعامل معها رحمةً بهم من الوقوع ضحية اليأس والإحباط وربما الانحراف؛

ــ إشعار المتخلفين من التلاميذ بالثقة في قدراتهم لعل ذلك يشعرهم بالثقة في أنفسهم، مما قد يزيد أويحيي دافعيتهم للتعلم؛

ــ توجيه التلاميذ نحوأحسن السبل للتحصيل الدراسي، فالتلاميذ غالبا ما يعبرون عن رغبتهم الشديدة في التفوق، لكنهم يجهلون السبيل الموصل إلى ذلك (وليس إرشادات عامة فضفاضة)؛

ــ إغناء خزانات المؤسسات بالكتب اعتمادا على كل الإمكانيات الممكنة لتعويض النقص الكبير الذي تعاني منه البيوت ثقافياـ..، وإنه إذا كان من المؤسف فعلا أن يخيب ظن التلميذ في أسرته (وقد يعذرها)، فإن لأمر كارثي أن يخيب ظنه حتى في أستاذه..، والكلمة الطيبة صدقة.

ومسك الختام ننقله عن الدكتور أحمد أوزي الذي قال في أحد ردوده على أسئلة مستجوبه : (… وهوسؤال جد مشروع أيضا، ويحقطرحه في هذا المجال، ومنطوقه كما يلي : هل التربية السيئة التي يتلقاها المراهق في الأسرة غير المتفهمة أوفي المجتمع الذي يعج بأنواع الفساد تستطيع المدرسة محوها ووضع تربية جيدة بدلها؟.

(لست في الحقيقة من أتباع الاتجاه الميكانيكي المتزمت الذي يحكم بالحتمية، وإنما أؤمن أكثر بالتفاؤل، وبوجود إمكانيات وأساليب قد تغير من السلوك. وأسلوبنا في تحقيق ذلك هو توفير الشروط اللازمة، وأقصد المدرس المتفهم والبصير بعمله ودوره الإنساني. فكثيرون هم المعلمون الذين تتلمذنا عليهم، ولكننا نسينا معظمهم إلا واحدا أواثنين ظل تأثيرهم في حياتنا الدراسية وبعدها، هؤلاء الذين لم ننساهم قط في حياتنا هم المعلمون الحقيقيون الذين لا تفارقنا شموعهم التي نستمد منها شعاع الهداية والرشاد، فكانوا لنا فعلا نِعم المعلمين) (2 ــ ص : 149).

ولنا في رسول الله  الأسوة الحسنة (إنه نعم المعلم ونعم المربي، ولتنظر البرهان على ذلك في صحابته رضوان الله عليهم كيف كانوا وكيف أصبحوا.

———

1 ــ د. محمد رفعت رمضان، ومحمد سليمان شعلان، وخطاب عطية علي : “أصول التربية وعلم النفس”؛ دار الفكر العربي -مصر -الطبعة الرابعة -1957.

2 ــ مجلة علوم التربية؛ المجلد الثالث -العدد 23 -المغرب -2002.

3 ــ د. أحمد عزت راجح : “أصول علم النفس”؛ نشر المكتب المصري الحديث -مصر -بدون تاريخ.

4 ــ سلسلة التكوين التربوي؛ العدد السادس -نشر دار الاعتصام -المغرب -1999.

5 ــ عبد الكريم غريب، وعبد اللطيف الفاربي، وعبد العزيز الغرضاف، ومحمد آيت موحى : “معجم علوم التربية”؛ منشورات عالم التربية -المغرب -الطبعة الثالثة -2001.

6 ــ د. عبد الرحمان العيسوي : “التربية النفسية للطفل والمراهق” -نشر دار الراتب الجامعية -بيروت -الطبعة الأولى -2000.

7 ــ د. محمد أمزيان : “الذكاءات المتعددة وتطوير الكفايات”؛منشورات سلسلة علم النفس المعرفي -المغرب -الطبعة الأولى -2004.

8 ــ د. عبد العزيز القوصي : ” أسس الصحة النفسية ” -مكتبة النهضة المصرية -مصر -الطبعة الخامسة -1975.

9 ــ ذ. صالح عبد العزيز : “التربية الحديثة” -دار المعارف، مصر -الطبعة الرابعة -1969.

10 ــ د. صلاح أحمد مرباح : “سيكولوجية التوافق النفسي ومستوى الطموح”؛ دار الأمان -المغرب -الطبعة الأولى -1989.

11ـ صالح عبد العزيز، ود. عبد العزيز عبد المجيد : “التربية وطرق التدريس” الجزء الأول -دار المعارف -مصر -الطبعة التاسعة -1968.

12 ــ د. أحمد أوزي : “المراهق والعلاقات الأسرية”؛ منشورات مجلة علوم التربية -الشركة المغربية للطباعة والنشر -المغرب -1994.

13 ــ عبد الكريم غريب : “سوسيولوجيا التربية”؛ منشورات عالم التربية -المغرب -الطبعة الأولى -2000.

14 ــ الطيب أموراق : “الطفل بين الأسرة والمدرسة”؛ سلسلة التكوين التربوي -العدد الثامن -توزيع دار الاعتصام -المغرب -طبعة 1998.

15 ــ د. توما جورج الخوري : “سيكولوجية الأسرة” -دار الجيل (لبنان -1988.

عبد المجيد النحكامي

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *