ضرورة عودة الأمة إلى القرآن وتنشيط مؤسساته


الله أكبر (3) : الله أكبر يثبت قلوب الصادقين ويزكي أعمال المحسنين، ويؤيد مواقف الصابرين، ويمكر بالمنافقين المخادعين.

الله أكبر يحب العدل ويشكر للعادلين، ويُبغض الظلم، ويمقت الكافرين ويمهل المسيئين، ثم يمحق المصرين المستكبرين.

الله أكبر يجير المستجير به وحده، ويؤمِّن خوفه، ويقوي صفه، ويكشف همه ويشد عزمه.

ونشهد أنه الله الذي لا إله غيره الكبير المتعال، المتفرد بالكمال، المتصف بالعزة والجلال، ذو الملك والملكوت الحيُّ الذي لا يموت، سبحانه سبحانه، لا يفوته شيء، ولا يشغله شيء عن شيء وهو المحيط بكل شيء علماً وحكمة وتقديراً، ولطفاً وقوة وتدبيراً.

ونشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اصطفاه من الآدميين، وختم به المرسلين، وأنزل عليه الكتاب المبين، وجعله رحمة للعالمين، فكان الهادي الحكيم والصاحبَ الكريم شغُف بحبهصحبُه وأتباعه، وشهد بعدله خصمه وأعداؤه. أسرع إلى الإيمان به العقلاء، وآزره النبهاء الفضلاء، وخاصمه الجهالُ السفهاء، فنصره الله في الأرض وأكرمه في السماء.

فاللهم صل عليه وعلى آله وأزواجه وذريته ومن سار على محجته إلى يوم اللقاء.

الله أكبر (3)

عباد الله : ها أنتم ودعتم شهر رمضان، شهر القرآن شهر الرحمة، والعتق والغفران، كنتم تعمرون المساجد، وتفطرون الصائمين، وتطعمون المساكين، وتحضرون مجالس العلم، وتُكثرون من تلاوة القرآن وتذكرون الله كثيراً، وتسبحونه وتستغفرونه، لقد كنتم تستبقون الخيرات وتفعلون المبرات، فنسأل الله أن يتقبل تلك الأعمال ويزكيها ويحببها إلينا، ويديم علينا هديها وبركتها.

ولعلكم -عباد الله- سمعتم في بداية شهر رمضان ذلك الحديث الصحيح الذي يخبرنا بأن الله تعالى يصفِّد الشياطين -أي يربطها ويوثقها خلال شهر الصيام، فلا تَفْتِن المومنين ولا تؤذيهم، فهلا تساءلتم : لماذا يربط الله الشياطين ويقيدُها طيلة شهر الصيام؟ لأن الصائمين المومنين تتوثق صلتهم بالله، وتعمر أفئدتهم بذكر الله، وتنشغل جوارحهم بطاعات الله. ومن كان وثيق الصلة بالله، عامراً قلبُه بذكر الله مستعملاً جوارحه فيما يرضي الله فإن الشياطين لا تقربُه، فهل ترغبون أنتم في إطلاقها، أو تحبون أن تبقى موثَّقةً مصفدة؟ فاعلموا أن المسلمين الذين يحصِّنهم الله بعزته من الشياطين هم الذين يكونون مرتبطين بالقرآن، متحصنين به مصاحبين له في كل أوقاتهم وأحوالهم، فمن كان منكم راغباً حقاً أن لا تُرسَل عليه شياطين الإنس والجن فليحافظ على علاقته بالقرآن ومصاحبته لأهل القرآن، فبأسرار القرآن وأنوار القرآن وهدايات القرآن تُحبَس البلايا والآفاتُ، وتُنزَّل الخيراتُ والبركات، ولن يعرِف المسلمون أسرارً القرآن، ولن يروا نوره، ولن يُحِسوا هدايته حتى يحيَوْا به ويمشوا به في الناس، ويعملوا به في حياتهم الخاصةِ والعامة، وحتى يكن القرآن الكريم هو قائدَهم في السلم والحرب ويكون القرآن الكريم هو رائدهم في كل مجال ومُلهِمَهم في كل شأن. قال تعالى {لقد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم}.

الله أكبر (3)

عباد الله : أين وجود القرآن الكريم في بيوت المسلمين، ومصانعهم ومتاجرهم ومؤسساتهم التربوية والتعليمية والإعلامية والإدارية والعسكرية والأمنية والصناعية والزراعية والسياحية وغيرها؟!.

وحتى الموجود من القرآن في تلك المواقع كيف هو وجوده : هل نستشيره في شؤوننا؟ هل نعمل بأوامره ونتجنب نواهيه؟ هل نحكِّمه في قضايانا الاجتماعية؟ هل نعالج به نزاعاتِنا ومشاكلنا المادية والمعنوية؟ وما هو حق القرآن علينا إن كنا أحياء؟ ألم يقل الله تعالى فيه : {إن هو إلا ذكر وقرآن مبين لتنذر من كان حيّا} فلماذا خصصناه نحن بالجنائز والقبور؟ ألم يقل سبحانه فيه : {يأيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً، فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطاً مستقيما}.

فهل تقولون إنكم تتمتعون بذلك النور المبين أو أنكم اليوم >على صراط مستقيم<؟ إذا زعمتم ذلك فما قولكم في الزنى المتفاحش، والخمور المتدفقة، والرشاوى المهوِلة، والغش المستشري والجرائم المتفاقمة والبدع المتكاثرة، والمظالم الجائرة، والعوراتِ العارية والضلالاتِ الواردة والمصنّعة عندنا؟.

هل هذه الويلاتُ وغيرها هي من نتائج برهان القرآن المبين، أو هي دلالاتٌ على كوننا على الصراط المستقيم؟.

وإذا كنتم تحسِبون أنكم اليوم >خير أمة أخرجت للناس< فأين الأمر بالمعروف وأين النهي عن المنكر وأين حقيقة الإيمان بالله وأين مظاهره؟ فإذا أنكرتم وجود المنكراتالظاهرة الخفية. فإنّ كثرتَها وشدتَها ومفاسدَها يشهد بها عليكم الكفارُ في الداخل والخارج ويشهد بها عليكم الملائكة والانس والجان وكل لمخلوقات.

فما الذي حبَسكم عن مواجهتها، وما الذي أسكتكم عن إنكارها، وأنتم تزعمون أنكم بخير في الاسلام بل ما الذي أسكتكم طويلاً عن المطالبة والإلحاح بأن يكون القرآن الكريم والسنةُ النبوية هو المصدر الوحيد لبرامجكم العلمية والعملية في كل المؤسسات الوطنية من أسرار الوحي تنهَلون، وعلى أنواره تُفكرون، وعلى مداه تُخططون وتبرمجون، وفي ظلال بركاته تتحركون وتمرحون وبثماره تسعدون!

هل خانكم القرآن الكريم وأدى بكم يوماً إلى الفشل والخسران؟ هل اتّباعُكم للقرآن والتزامُكم بخطته ومنهجه هو الذي جعلكم متخلفين في كل ميدان؟ هل غدر الله بكم أو غشكم الرسول عندما أمركم بتطبيق القرآن. هل تمسُّسُكم بحبل الرحمن هو الذي سخر بعضكم خدماً للشيطان، وبعضكم عبداً لخبثاء الإنسان؟ هل أنزل الله تعالى القرآن ليُتلى في المناسبات وفي افتتاح واختتام البرامج الاذاعية فقط؟ وهل وجدتم عزكم وشرفكم وقوتكم وبأسكم في القوانين البشرية فرضِيتم بها، وسعدتم بعد لها وتنعمتم ببركاتها؟ فهنيئاً لكم إذن بما حققته لكم هذه القوانين الوضعية من السعادة والأمن والرفاه ولم يحققه لكم كتاب ربكم.

ولكن لو كانت هذه القوانين تحقق لكم مثل ما حققه القرآن الكريم أو أفضل منه -كما يقول بعضكم- للزم أن يكون الله تعالى كاذباً، ويكون الرسول مفترياً؟ وهذا عين المحال إن من يقول بأننا بخير مع غياب حكم القرآن ووجودِ هذه القوانين الجاري بها العملُ بيننا فهو أولا يكذِّب الله ورسوله، وهو بهذا التكذيب لله ولرسوله يخرُج من ملة الإسلام بإجماع المسلمين، علم ذلك أو جهله، لأن التكذيب بالوحي لا يكون إلا عن قصد ولو علم الله سبحانه أن القوانين البشرية تكفي عن الوحي وتحققُ للناس الأمن والاستقرار والحريةً والشرف لترك لهم الحرية في الاختيار بين أن يطبقوا الوحي أو يطبقوا القوانين البشرية، ولكنه سبحانه قال في القوانين البشرية : {أفحكم الجاهلية يبغون} فجعل خضوع الناس للقوانين البشرية حكماً جاهلياً، لأن الخضوع للقوانين الوضعية عبادة وعبادة غير الله باطلة وهي شرك وكفر. وقـال في حَمِ القرآن : {ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون} ونفى سبحانه : الإيمان عن الذين يرضَون بحكم القوانين ويخضعون لها. قال سبحانه : {فلا وربك لا يومنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً} الله أكبر (3)

عباد الله : اعلموا رحمكم الله أن الذي يعتقد أن دنياه إنما تحميها القوانين ويخشى عليها من حكم القرآن، إنما تكون دنياه من الحرام، وهو يعلم أن القرآن لا يقبل دنيا الحرام ولا يحميها ولا يحترمها، وقد علم الناس، علم اليقين أن القرآن لا يهدر دنيا الحلال ولا يمنع منها، بل يحفز إليها، ويحميها ويزكيها وينميها، فتبين مما ذُكِر أن الذي يخاف من القرآن على دنياه، ويرضى بحكم البشر دون حكم الله، إنما هو غاصب ظالم جائر، متشبثٌ بالحرام، وهو مصر على غصبه وظلمه وجوره وحرامه، لذلك فهو يحارب حكم القرآن ليلَ نهار ليبقى منغمساً في الحرام، باطشاً بالعباد مفسداً في البلاد، وهذه هي طبيعة المفسدين في الأرض قال تعالى عن فرعون وهو يتّهم سيدنا موسى بالإفساد في الأرض ويقول : {إني أخاف أن يبدل دينكم وأن يظهر في الأرض الفساد} وقال سبحانه عن قوم لوط : {أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون} وقال تعالى في وُجوب اتباع القرآن والعمل به لمن أراد أن يكون مومناً مسلما حقاً : {بسم الله الرحمن الرحيم ألمص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمومنين اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونهأولياء قليلاً ما تذكرون}.

الله أكبر (3)

عباد الله : هذه دور القرآن وكتاتيبُه ومسايدُه منتشرة -ولله الحمد- في مدن المغرب وقراه تَعرِض على المغاربة مائدةً الله بالمجان، فأقبلوا عليها هداكم الله، كما تُقبلون على الطعام الشهي وأنتم جائعون، واحذروا أن تحرِموا أنفسكم وأزواجَكم وأبناءكم من مائدة الرحمن، قبل أن يرفعها، فإنه إذا رفعها فلن يضعها بعدُ أبداً.

واعلموا أن دور القرآن تقدِّم خدمةً عظيمة للوطن، لا يقدِّرُها بعض المسؤولين، فهي تربي المواطنين على فهم الإسلام فهماً سليماً، ومن تربى على هذا الفهم في أحضان القرآن فإنه يستحيل أن يكون حاقداً أو مشاغباً أو إرهابياً كما يفتري الأعداء، لأنه يتربى على حب القيام بالواجب نحو إخوانه المواطنين ونحو حكامه المخلصين فيطيعهم الطاعة الشرعية، امتثالاً لأمر ر به، ويعينُهم بإخلاص وتفانٍ، لأن التزامه بالإسلام هو الذي يحبب إليه ذلك،وهو يبتغي من وراء ذلك رضى الله والدار الآخرة.

وهذا نداء والتماس نرفعه إلى السلطة العاقلة الحكيمة، التي تعمل على توفير الأمن والاستقرار للمواطنيين، وتحرص على تطبيق نداءات أمير المومنين، التي يبثها في كل مناسبة من أجل نشر وترسيخ الأمن الروحي المستمَد من الكتاب المبين، نلتمس أن تعاد مهمة تحفيظ القرآن الكريم إلى المساجد كما كانت عبر التاريخ، فيجتمع بذلك في بيوت الله إقامة الصلوات، وتقديم دروس العلم والوعظ والارشاد وحفظ القرآن الكريم، وتبقى تلك الدور للمهات التربوية والتعليمية والأنشطة الموازية الأخرى.

ونلتمس كذلك ألا يتكرر إغلاقُ بعض المساجد ودور القرآن، لأن ذلك يسيء إلى النظام الملكي المغربي، ويناقض السياسة التي تليق بأمير المومنين حفظه الله ورعاه، فإن كان هناك تصرّف في بعض المساجد أو بعض دور القرآن يسيء إلى الدين أو يضر بالمواطنين فيمكن أن يؤدَّب ذلك الإنسانالذي تثبتُ في حقه الإساءة بما يناسب من الزجر والتأديب، وتبقى المساجد ودورُ القرآن مفتوحة في وجوه المواطنين فلا يُحرمون من بركاتها، ومعلوم أن الإساءة والإخلال إنما تاتي من قِبل الإنسان ولا تأتي من الأرض والأسقف والجدران.

اللهم إنا نسألك أن ترسِل سحائب الرحمة ورياح التوفيق، ونسائم البركات، وأجنحة سترك الجميل على كل حاكم وكل مسؤول وكل غني وكل عالم وكل شخص يجتهد  مخلصاً ليعيد هذه الأمة إلى ظلال الكتاب والسنة، ويبعدها عن الهاوية، ويهديها إلى سبيل العزة والكرامة.

اللهم أكرم من أحبّ المواطنين وقرّبهم من رحاب رب العالمين وجنبهم مكائد الخائنين وحماهم من مزالق المرتزقة المارقين، آمين والحمد لله رب العالمين.

د. محمد أبياط

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *