{ذَلِك مَتَاعُ الحَياةِ الدُّنيا واللّه عِندَه حُسْنُ المآبِ}(آل عمران : 14)


ينقسم الناس -في عقائدهم وتوجُّهاتهم- إلى قسمين :

قِسْم دنيويٌّ : وهو الذي هَمُّه محصورٌ في الدُّنيا : تفكيراً، وشعوراً، وانشغالاً، وانفعالاً، وسخطاً ورضًى، وغاية وانطلاقاً، وتخاصُما وتصالُحاً، ومصادقَةً ومعاداة، وعِلما وفهماً وتصَوُّراً للحياة والأحياء والمسؤوليات والعلاقات.. فالكُلُّ عند هذا القسم -من الناس- مصبوغ بالصبغة الدّنيوية، لا شيء -قبلها أو بعْدها- يستحق الاهتمام، ولا شيء غيرها يستحق مُجَرَّد التفكير فيه، فَمن ملَك شيئاً من زينة الدنيا مَلَك كُلَّ شَيء، ومن حُرِم منها حُرِمَ من كُلّ شيء، ولهذا الصنف أشارت هذه الآية {فمِن النّاسِ مَنْ يَقُول : رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيا ومَالَهُ في الآخِرةِ من خَلاقٍ}(البقرة : 199) -فهُمْ- في حِرْصهم على الدنيا وحْدها- لا يعْرفون الله تعالى إلاّ لِطلَب الدُّنيا، كأنَّهم للدُّنيا خُلقُوا، وبعبادتِها كُلِّفوا.

وهُمْ -لجَهْلهم الجاهل بالدنيا ومابعدها- لا يعْرفون غير الدُّنيا غاية ومقصداً، ولا يعرفون غير الدنيا رسالة وحضارة، ولا يعرفون غير الدنيا معبوداً أسْمى وأجَلّ وأحَقَّ أن تَعْنُوَ له الوجوه، وتخضع له الجباه، أي لا يعرفون ربَّ الدُّنيا والدين، ومالك الدُّنيا والدين، ووَاهِب الوُجود والدنيا للإنسان.

وقسمٌ أُخْرويّ : وهُوَ الذي يعيش في الدُّنيا -كغيره من الناس- ولكن بِهَمِّ الآخرة، وشعور الآخرة، لا يخطو خطوة، ولا يتنفس نفَساً إلا وحسابُ الآخرة بَيْن عَيْنَيْه.

هذا القسم يتمتع بزينة الحياة الدنيا كغيره من الناس، يتمتع بشهوة النساء ولكن في حدود الحلال الذي يُرضي مولاه، ويتمتع بكل مأكول ومشروب ولكن في حُدُود الطاعة التامة لربه ومولاه، ويكسب الأموال ويَسْعى لجمعها وتحصيلها ولكن لتسخيرها فيما يُرضي ربه ومولاه، ويفرح بالأسرة والبنين والبنات ولكن في حدود أن يكونوا قُرَة الأعْين في الصلاح والإصلاح، ويحزن لخسارة الأموال والأولاد ولكن في حُدُود الرَّضا بقَدَر الله واحْتساب ذلك عند مولاه.

للقسم الأول كانت الرسل والرسالات بالآيات البينات والدّلائل القاطعات، وللقسم الثاني كانت التنبيهات والتوجيهات والتحذيرات من الانزلاقات في متاهات الدنيويين والدّنيويّات، حتَّى يُحْفظَ التوازن في الكون، ويقُومَ العُمران على أساس التدافُع بين الحق والباطل، بين الخير والشر، بين الفضيلة والرذيلة، بين حضارة المادة القاحلة، وحَضارة الروح المنوّرة بنور الهُدَى والشكر للمُنعم الذي أنْعَمَ بكل شيء في الوجود، ولا شيء معَه أو مِنْ دونه يستحق الخضوع والسجود.

وإذا كان حُبُّ الدُّنيا وعبادتُها من دون الله تعالى خالقِها ومُقدِّر أقواتها يُعْتَبر عُقوقاً لله تعالى وجحوداً، كما يُعْتبر إزراءً بقيمة الإنسان وحطّاً من كرامته، فإن الله تعالى لا يَرْضَى الكُفْر للإنسان، وإن سَمَحَ بِوُجُوده لحِكمة التدافُع السابقة، وحِكمة الابتلاء للإنسان، وحِكمة الترقية للمومنين الصابرين المجاهدين، وحِكمة التردية للكافرين المارقين، والجهلاء المغرورين المتكبرين، وحِكمة إقامة العَدْل لمَلْء دار البوار بالمجرمين والفاسقين.. إلى غير ذلك من الحِكَم الظاهرة والخفية وراء تَرْكِ الكفار يَسْرحون ويمرحون، يأكلون ويتمتعون، ويُلهِهمُ الأمل، فسوف يعلمون مصيرهم الذي يجهلونه لبلادتهم وغباوتهم، قال تعالى : {إنْ تَكْفُرُوا فَإِنّ اللَّه غَنِيٌّ عنْكُمْ ولاَ يَرْضَى لعِبَادِه الكُفْر وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لكُمْ}(الزمر : 8) وقال تعالى : {ولوْ شَاءَ اللَّهُ لجَعلَكُم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِن ليَبْلُوَكُم فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُون}(المائدة : 50).

والسماح بوجود الكفر -للحِكَم السابقة- لا يعْني شرعيّة وجوده، فالسماحُ بالوجود شيء، والشرعيةُ شيء آخر، ولكَيْ يُبَيّن اللّه تعالى للإنسان عَدَم شرعية الكفر نجدُه سبحانه وتعالى :

1) يُرسِلُ الرُّسلَ تِلْوَ الرُّسل ليعلّموا الجاهل، ويُوقظوا الغافل {وإن مِن أُمَّةٍ إلاَّ خَلاَ فِيها نَذِيرٌ}(فاطر : 24) {إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}(الرعد : 8).

2) ونجده سبحانه وتعالى يعُدُّ الدنيويين سفهاءَ الخَلْق يعيشون بدون عَقْل لأنهم مَجَانينُ بالهَوَى، وسُكارَى بحبِّ الدُّنيا والتفاخر بالأنساب والأحزاب والأموال، ومفتونون بحب السلطة والسيطرة على مُقدَّرات الإنسان، ومعجبُون بإذلال الإنسان وتركيعه لقبول خِزْيهم وحماقتهم وجُنونهم {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجعُون}(البقرة : 17) {وقَالُوا: لو كُنّا نَسْمَعُ أو نَعْقِلُ مَا كُنّا فِي أصْحَابِ السَّعِير}(الملك : 10).

3) ونجده سبحانه وتعالى يعُدُّهم مَرَّةً كالأنعام، ومرّة أقلّ إدراكاً من الحيوان {لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهُم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُون بِها ولَهُم آذَانٌ لا يَسْمَعُون بِها أُولئِك كالأنْعام بَلْ هُم أضَلّ أُولئِك هم الغَافِلُون}(الأعراف : 179).

4) ونجده سبحانه يتهدّدهم بأوْخَم العواقب وأسْوإ المصائر {فَمَنْ شَاءَ فلْيُومِنْ ومن شَاءَ فلْيَكْفُر إنّا أعْتَدْنَا للظّالِمِين نَاراً أحَاطَ بِهِم سُرَادِقُها وإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بمَاءٍ كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهُ بِيسَ الشّرابُ وسَاءَتْ مُرْتَفَقًا}(آل عمران : 104).

5) ونجده سبحانه وتعالى يكلف الأمة الإسلامية بالقيام مقام الأنبياء والرسل في وُجوب تبليغ الدّعوة الإسلامية إقامة لحجة الله تعالى على المعاندين {ولتَكُنْمِنْكُمْ أُمَّة يدْعُون إلى الخَيْرِ ويَامُرُونَ بالمَعْرُوفِ وينْهَوْن عن المنكَرِ وأولئك هُم المُفْلِحون}(آل عمران : 104).

بل يُهدِّد سبحانه المسلمين بسوء العاقبة إذا هُم تهاوَنُوا في أمْر الدّعوة {وإن تتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثَالَكُم}(محمد : 39).

6) ونجده سبحانه وتعالى يُبيّن للمسلمين مصائر المجرمين المكابرين في مختلف العصور والأزمنة لنقيس عليهم عُتاة معاصرينا من المجرمين والكافرين {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعلَ ربُّك بعادٍ إِرَمَ ذَاتِ العِمادِ التِي لمْ يُخْلَق مِثْلُها في البِلادِ وثمُود الذِين جابُوا الصّخْرَ بالوَادي وفِرْعَوْن ذِي الأوتَادِ الذِينَ طَغَوْا في البِلادِ فأكْثَرُوا فيهَا الفَسَادَ فصَبَّ علَيْهم ربُّك سوْطَ عَذَابٍ إنّ رَبَّك لبِالمِرْصَادِ}(الفجر : 14).

7) ونجده سبحانه وتعالى يُحذِّرُ المسلمين من ترْك الفرصة للكفر ليحكم ويسُود، ففي حُكمِه وسيادته تشويهٌ للحضارة الإنسانية الكريمة، وسيادةٌ للقَهْر والجَبروت والطغيان، وفي حُكمه اعْتراف فاضح بشرعية استغلالِ الإنسان للإنسان، وإذلال الإنسان للإنسان، وتعبيد الإنسان للإنسان، وتلك الطامة الكُبرَى في انتهاج طريق الخُسْران المستوجبة لغضَب الرحمان على الإنسان الراضي بالهوان {ومِن النّاسِ منْ يُعْجِبُك قوْلُه في الحَيَاةِ الدُّنْيا ويُشْهِدُ اللَّهَ علَى ما فِي قَلْبِهِ وهُوَ ألَدُّ الخِصَامِ وإذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأرْضِ ليُفْسِدَ فِيها ويُهْلِك الحَرْثَ والنّسْل واللّه لا يُحِبُّ الفَسَادَ وإذا قِيلَ له اتّقِ اللَّه أخَذَتْهُ العِزَّةُ بالإِثْمِ فحَسْبُهُ جَهَنَّم ولبِيسَ المهَادِ}(البقرة : 203).

فلماذَا حذَّر اللّه تعالى المسلمين من تسْليم المسؤولية للدنيوي المداهن، والدنيوي المخادع؟!

1) لأن الكونَ بما فيه ومَنْ فيه أمانةٌ عظيمةٌ، وأمانةُ الاستخلاف لابُدَّ من وضْعها بين يدَيْ من يُقدِّرها حق قدرها، ولهذا أشفقت الملائكة مِن وضْعها بين يَدَي الإنسان جملة وتفصيلا، لأن هذا الإنسان -بحكم حُريّة الاختيار، وحريّة التصرف، وازدواجية الإلهام الفطري- ربما يُتوقَّعُ منه الميلُ الكامل جهة الفساد والإفساد، وجهة سفك الدماء وسَفك الأعراضِ. فبيّن الله تعالى لهم أنه وحْده يعلم الحِكمة من وراء جَعْلِ أمانة الاستخلاف في الأرض بين يَدَيْ هذا الإنسان المُلْهَم الفجورَ والتقوى، فسلَّموا الأمر، واقتنعوا {وإذْ قَال ربُّك للمَلاَئِكَةِ إنِّي جاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا : أتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّمَاء؟!}(البقرة : 29).

فوصول الكافر إلى السيطرة على مقاليد الأمور سيطرةً تامة ليس معناه أن الكافر استحق ذلك شطارة ودَهاء وخداعا ولملء الفراغ فقط، ولكن معناه كذلك أن المومنين فرّطوا وقصّروا، وهم بتفريطهم وتقصيرهم مسؤولون ومحاسبون حساباً عسيراً، ومعناه كذلك أن المومنين العائشين مع الدنيويين دون مستوى مرحلة الاستخلاف التي تتطلب مستوًى عاليا من النباهة والذكاء، ومستوى عاليا من العلم المادي والروحي والنفسي والتربوي، ومستوى عاليا من التخطيط الإداري والاقتصادي والعسكري، ومستوى عاليا من دراية التعايش الفكري والاجتهادي، ومستوى عاليا من تفجير الطاقات وتجديد الاهتمامات، ومستوىً عالياً من التنظيم، والتنظير والبحث والابتكار، فإذا ما تفوق الكفار في بعض علوم التسخير وعلوم التسيير استحقوا أن يقودوا الإنسان وينظموا شؤونه قانوناً إلى حين وجود المومنين المتفوقين في كل مجال، لأن سنة الله تعالى اقتضت تحْمِيلَ الإنسان مسؤولية الاستخلاف ولو كان ظلوما جهولا {لِيُعذِّب اللّه المُنافقين والمنافِقات والمُشركين والمُشْرِكات ويَتُوبَ اللَّه على المُومِنين والمُومِناتِ}(الأحزاب : 73).

2) لأن الدنيوي جاهلٌ، بالله تعالى، وجاهل بقيمة الإنسان، وجاهل بالرسالة المنوطة بالإنسان، وجاهل بمصير الإنسان، فمجالُ عِلْمِه محصور في الدنيا وزخارفها فهو لا يُحسِن الكلام إلا في الدنيا، ولا يخدع الناس إلا بتنميق الكلام وتنميطه في الدنيا فقط.. والجاهِل هذا الجهل كُلَّه لا يستحق أن توضع الأمور بيده لغياب البعد الغيبيي عنه، والبُعدُ الغيبيُّ أساسُ النظر الصحيح، والتخطيط السليم، فكيف ينجَح من يغيب عنه عِلْمُ الله، وقدرة الله، وحكمة الله، وإرادة الله؟! فَمن أغرق فرعون؟! أليس استهزاؤه بموسى عليه السلام، هو الذي أهلكه؟!، أليس استهتاره بقدرة الله تعالى هو الذي أورده موارد الهلاك؟! ومَن أورد قريشا موارد الهلاك في بدر والأحزاب وغيرهما من الغزوات؟! ومن سَيُورِدُ زُعَمَاء النظام العالمي الجديد مواردَ الهلاك في كل شِبْر امتدّت إليه أيادي الخراب والفساد؟! إنه غيابُ وتغييبُ البُعْد الغيبيّ في الحساب؟! ولذلك فلا يُنْتَظَرُ من الجاهل هذا الجهل كله إذا تولى إلا أن يُفسد ويخرب، ويدمّر، ويُهلِك الحرث والنسل.

3) لأن الدنيوي مُسْتَبِدٌّ لا يَرَى إلا رأيَه، ولا يعجبُه إلا فِكْرُه وهَواهُ، لا يُحِبُّ الشريك في الأمر والرأي والاجتهاد والتخطيط، ولو كان مُعْوَجَّ الفكر والرأي، فهو يلبس المنطق الفرعَوْنِيّ القديم {ما أُرِيكُم إلاّ ما أرَى وما أهْدِيكُم إلاّ سَبِيل الرّشَادِ}(غافر). فالدنيوي الخبيث والدنيوي المخادع لا يقْبَلُ النُّصْحَ بالتقوى والخشية من اللّه، لأنه لا يعرف الله تعالى ولا يحْسُب لَه أيّ حساب، فكيف يتقيه؟! وإنسانٌ على هذا الشكل من الغرور والتكبر على الله تعالى وعلى الخلق لا يَصْلُحُ لأن تُوسَّد له الأمور.

4) لأن الدنيوي -بحكم علمه واهتمامه بالدنيا- فهو يعمل بجد واجتهاد لفصل الدين عن الدولة، وهذا إجرام كبير في حَقِّ :

> الكون العابد الساجد المسخّر للإنسان العابد ليكون عونا له، وخيراً له : الريحُ في خِدمته، والبحرُ في خدمته، والأمطار في خدمته، والأرض في خدمته، والشمس في خدمته، فإذا تمرَّد الإنسان على خالقه فأصبح يتمتّع ويجحد، يصحُّ ويكفر، يأكل ويشرب ولا يشكر ولا يحمد… انقلب الكون كله حرباً عليه.. وهذا إجرام كبير في حق الانسجام بين الكون والإنسان.

> إجرام في حق الإنسان : حيث يخاطب الدنيويون في الإنسان الجانب المادي، والجانب الغريزي فيه، وبذلك يفسدونه ويجعلونه عبداً للشهوات الحسية الغليظة التي تجعله كالوحش في الأهداف والغايات، إذ يهملون روحه فتتعطل فيه المواهب، وتفتر العزائم، ويُصاب بالخيبة والإحباط كلما انتكس ماديا وحسيّاً، أو كُلَّما اكتشف أن مَن معه ومَن حوْله من الهيآت والأحزاب ورافعي الشعارات لا يخدمون في الحقيقة إلا مصالحهم الشخصية، ومجدهم السياسي السافل، فيفقد الثقة بالأشخاص والتجمعات والمخططات والنوايا والقيادات، وتلك -لعمري- الخسارة الكبرى للمجتمعات التي ينقلب فيها الإنسان آلة معطلة حاقدة على النفس والوضع والمبادئ يعْمَلُ أو تَتَمَنَّى -على الأقل- الانفجار المُدَمِّر الذي يأتي على الأخضر واليابس.

إن الله تعالى حينما أضفى على الدنيا صِبْغَةَ الإغراءِ، وشرعية الجذْب لتكون تَلهيةً للإنسان وفتنةً وامتحاناً واختباراً.. نجده سبحانه وتعالى يَلْفِتُ نظره إلى المتاع الحقيقي، والزينة الحقيقية، زينة عبادة الله تعالى وحْده بالسّيْر وفق شرعه في مُعْتَركِ مقاومة الشهوات الدنيويّة فقط، والسمُوِّ بها إلى أشواق الحياة الأخروية الدائمة النعيم الذي لا مثيل لهُ في الدنيا، فبعْد أن قال : {زُيّن للنّاس حُبُّ الشّهواتِ من النّسَاء والبَنِين والقَنَاطِير المُقَنْطَرَةِ منَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والخَيْل المُسَوَّمةِ والأنعام والحَرْثِ} قال : {ذَلِك مَتَاعُ الحَياةِ الدُّنيا} أي ذلك كُلُّه متاعُ الحياة القصيرة المُبْتلاة في الدُّنيا، أمّا مَتَاعُ الحياة الرفيعة فهو ما يَدَّخره الله تعالى لها حين ترجع إليه بعد النجاح في الامتحان، حيث ستجد جناتٍ تجري من تحتها الأنهار، والأزواج المطهرة، وفَوْق ذلك كله {رِضْوانٌ من اللَّهِ} ولذلك كان التعقيب في آخر الآية {واللّهُ عِنْدَه حُسْن المَآبِ} أيْ حُسْنُ العاقبة التي تُزري بكل شهوات الدنيا ولذائذها ومغرياتها وجواذبها.

فهل يفهم الدنيويون هذا الأفق البعيد؟! وهل يدركون مرْماه في تطْيِيبِ الحياتين : الدنيا والأخرى؟!.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *