خواطر عابرة


حينا سمعت خبر قطع تونس لعلاقتها الدبلوماسية مع قطر بسبب ما اعتبرته تشهيراً من قناة الجزيرة الفضائية وحملة منها على تونس، بسبب موقف هذه الدولة من حجاب المرأة، حينما سمعت الخبر تذكرت رسْماً كاريكاتُوريا لم يبرح ذاكرتي منذ سنوات : الرسم تبدو فيه مجموعة من العرب متعانقين في حلقة دائرية، كل واحد منهم يعانق زميلين له عن يمين وشمال، غير أن إحدى اليدين تحتضن والأخرى تطعن بسكين في الظهر مما يعطي صورة عن واقع التباعد إن لم نقل التآمر فيما بين العرب في الوقت الراهن.

أقول هذا وأنا أتصور ماذا سيكون موقف تونس لو أن قناة B.B.C أو CNN، قامت بما قامت به “الجزيرة” هل ستقوم بطقع علاقتها مع بريطانيا أو مع الولايات المتحدة؟ أم أن لهذه القنوات الأوروبية والعربية عموما أرباباً يحمونها وليس للجزيرة ذلك، أم أن الأمر يتعلق بالمصداقية الإعلامية حيث أن لهذه القنوات مصداقيتها ولها حصانتها، فقط قنواتنا العربية المسكينة هي التي لا قيمة ولا مكانة لها، حتى ولو كانت “قناة الجزيرة”، وهي مستقلة فيما نعتقد، ولها مصداقية إخبارية لم تكسبها أية قناة عربية حسب ما نعلم، ولها من النزاهة والحياد ما ليس للعديد من القنوات العالمية حسب ما يبدو، خاصة وأنها حاورت في هذا الموضوع بالذات، أشخاصاً من تونس وأدلوا بآرائهم المساندة للموقف الحكومي، كما حاورت أشخاصاً من خارج تونس، وأدولوا بآرائهم المخالفة، تمشيا مع مبدئها : “الرأي والرأي الآخر”.

طبعا لست موظفا في قناة الجزيرة، ولا أدافع عنها ولكني متتبع ومهتم بالأخبار، خاصة منها ما يتعلق بقضايا الأمة، لأننا في وقت نحن في حاجة ماسة إلى التكاثف والتعاضد والتآلف والتعاون وبكفينا ما نحن فيه من الفرقة والشتات وقطع العلاقات ونحو ذلك.

ثم إن للقضية وجها آخر، يرتبط بمواقف بعض دولنا العربية من الحجاب، وموقف بعض الدول الغربية منه، ولقد عجبت أشد العجب حينما وقفت تونس الموقف المعلوم من مناهضة الحجاب ومنعه، وموقف بريطانيا في وقت متزامن تقريبا، حيث صرّح أحد مسؤوليها أن للمرأة المسلمة الحق في ارتداء النقاب، ارتداء النقاب لا الحجاب فقط، فهل هم دائما أكثر ديموقراطية منا حتى في الأمور المتعلقة بديننا ومبادئنا وتقاليدنا وحضارتنا، وهل هم دائما أحرص على حقوق الإنسان منا حتى ولو تعلق هذا الحق بالمرأة التي كرمها الإسلام ورفع من شأنها وجعل الجنة تحت أقدامها ومالكة لمفاتحها أمّاً وبنتا وأختا؟ أم أن في الأمر سراًّ آخر بدا الآن واضحاً للعيان.

وقصة أخرى مماثلة تدعو إلى العجب أيضاً حينما قُدِّر لِي أن أعرف بواسطة أحد أساتذتنا المكرمين حالة طالبة تركية فُصلت من كلية الطب بسبب ارتدائها الحجاب، لكنها ذهبت بعد ذلك إلى أمريكا وقُبلت هناك في إحدى جامعاتها بحجابها وهي الآن مقبلة على مناقشة شهادةالدكتوراه.

فلماذا ننتظر دائما من الغربيين أن يعلمونا كل شيء حتى أمور ديننا، وهل حرية الإنسان وحقوقه اتسعت على كل شيء لتشمل العُري والتبرج المقيت، وضاقت فقط عن ارتداء الحجاب؟! أم أن الهدف هو تسييس القضية بأي ثمن، أما أن تكون المحجبات هن اللواتي يردن تسييس ما يرتدينه -كما يزعم هؤلاء- فهذا ما لا نعلم به ولا نعرف كيف يكون للباس دلالة سياسية، اللهم إلا إذا كان كل من ارتدى الجلباب فهو مسلم سياسي، وكل من ارتدى بدلة (كوستيم) فهو نصراني سياسي، وكل من ارتدى (الدجين) فهو أمريكي سياسي وهكذا..

> د. عبد الرحيم بلحاج

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *