تفاعل الصحابة مع القرآن نموذج حي لتجديد الإيمان


قال تعالى : {وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون}(الأنعـام:155).

وقال تعالى: {فإما يا تينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى}(طه:123).

وقال تعالى : {قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيمِ}(المائدة: 15- 16).

وقال تعالى: {|ألر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض}(إبراهيم 1- 2).

وقال تعالى: {وكذلك أوحينا  إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا}(الشورى:52).

جيل الصحابةهم أول الأمر وآخر، بشر من الناس، عاشوا في ظروف، لم تكن في ظاهرها صالحة على أن تجعل منهم ما آلوا فيما بعد إليه.

قال جعفر بن أبي طالب: كنا قوما أهل جاهلية: (نعبد الأصنام ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف) رجال حول الرسول ص 269.

وأحيانا على بكر أخينا

إذا لم نجد إلا أخـانا

وقول زهير:

ومن لم يذذ عن حوضه بسلاحه

يهدم و من لا يظلم الناس يظلم

يتصدم أنهم كمجتمع، لم يكونوا قد حققوا بعد، كل الصفات اللازمة لقيام مجتمع… قبائل متنافرة… متصارعة…وكقوة لم يكونوا شيئا مذكورا… لم تكن لهم معايير للفضيلة، ولا موازين للأخلاق، ولا مقاييس للخير والشر.

ما الذي حدث؟ الظلام تحول إلى نور…لا أصنام ولا أوثان..إنما الله إله واحد…الفوضى تتحول إلى نظام والضعف يتحول إلى قوة، والضياع يصير منعة…والمهانة تصبح عظمة…والجهالة تضحى معرفة…إنه القرآن…”وسر القرآن التوحيد” على حد تعبير الإمام ابن تيمية، (كتاب “أثر القرآن على منهج التفكير النقدي” عن ابن تيمية. د. محمود السعيد الكردي).

الصحابـة الكرام والقرآن الكريم:

المنـطلـق:

أ- النبع الأول: قال سيد قطب رحمه الله: (كان النبع الأول الذي استقى منه ذلك الجيل هو نبع القرآن، القرآن وحده، فما كان حديث رسول الله  وهديه إلا أثراً من آثار ذلك النبع).

لتصبح نفوسهم خالصة له وحده، ويستقيموا على منهجه، ومن هنا توثق الصحابة بالقرآن إلى درجة أنهم كانوا يتتبعون الوحي، بتلهف وحرص على الشموخ، في مدارج المعرفة بالله، والتوجه إليه سبحانه، ولم يكونوا يلتفتون إلى غير القرآن في تزكية نفوسهم، وتدينهم، حكى عمر قصة ارتباطه بالقرآن، فقال: (كان لي جار من الأنصار؟، فكنا نتناوب النزول إلى رسول الله ، فينزل يوما، فيأتي بخبر الوحي وغيره).

عن مسروق، قال: قال عبد اللهابن مسعود : (والذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت، وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته).

وظلت هذه القلوب موصولة بنور السماء، تحن إليه، وحسبنا التذكير بحديث أنس ] قال: قال أبو بكر ]، بعد وفاة رسول الله  لعمر ] : (انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله  يزورها فلما انتهيا إليها، بكت: فقالا لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله ، فقالت: ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله ، ولكني أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها) مسلم.

وما ذلك إلا استجابة لتوجيه القرآن الكريم نفسه: قال الله عز وجل: {ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون}. وكان أبو بكر لارتباطه بالقرآن وحبه له لا يؤثر عليه شيئا فقد روت السيدة عائشة أنه لما اشتد بهالمرض تمثلت بقول حاتم:

لعمري ما يغني الثراء عن الفتى

إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر

فنظر إليها الصديق كالغضبان ثم قال: ليس كذلك يا أم المؤمنين، ولكن: {وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد}.

أما تفاعل عمر وتعلقه بالقرآن، فحدث ولا حرج، فهو الذي آمن لسماعه آيات من القرآن تتلى في بيت أخته فاطمة، كان ] إذا دخل بيته شهر المصحف فقرأ فيه…وكان ] إذا قابل أبا موسى الأشعري -وكان حسن الصوت- قال له ذكرنا ربنا- وفي رواية شوقنا إلى ربنا).

وربما وجد نفسه يحلق في مضمون الآيات فلا يملك نفسه من التأثر والبكاء، فعن عبد الله بن شداد قال سمعت نشيج عمر ] وأنا في آخر الصفوف في صلاة الصبح وهو يقرأ سورة يوسف حتى بلغ : {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله}.

يقول الأستاذ فريد الأنصاري : إن القرآن الكريم، كان الباب المفتوح والمباشر الذي ولجه الصحابة الكرام إلى ملكوت الله، حيث صنعوا على عين الله، إنه السبب الوثيق الذي تعلقت به قلوبهم، وفي الحديث الصحيح: >كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض<(رواه أحمد والترميذي).

حبهم للقرآن وارتباطهم به وتأثرهم لم يكن إلا ثمرة من الثمرات الناتجة عن الكيفية التي استقبلوا بها القرآن وتعاملوا معه.

ب- التلقي للتنفيذ: يقول سيد قطب رحمه الله: (إن الجيل الأول كان يتلقى القرآن ليتلقى أمر الله في خاصة شأنه وشأن الجماعة التي يعيش فيها، والحياة التي يحيا هو وجماعته، يتلقى ذلك الأمر ليعمل به فور سماعه، كما يتلقى الجندي في الميدان (الأمر اليومي) ليعمل به فور تلقيه ومن ثم لم يكن أحدهم ليستكثر منه في الجلسة).

قال أبو عبد الرحمن السلمى: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن، كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي  عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا).

وقال أنس: >كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد في أعيننا< بخاري ، مسلم. لأنهم أدركوا أن تلقيه دون تنفيذه تصبح آياته عليهم…

إن العبد ليتلو القرآن فليعن نفسه : {ألا لعنة الله على الظالمين} وهو ظالم {ألا لعنة الله على الكاذبين} وهو منهم، وقال عبد الله بن مسعود ] : (أنزل القرآن ليعملوا به… وأضاف : إن أحدكم ليقرأ القرآن من فاتحته إلى خاتمته ما يسقط منه حرفا وقد أسقط العمل به).

وقال ابن مسعود ] أيضا : (إنا يصعب علينا حفظ ألفاظ القرآن ويصعب عليهم العمل به).

وعن ابن عمر قال: كان الفاضل من أصحاب رسول الله  في صدر هذه الأمة، لا يحفظ من القرآن إلا السورة ونحوها ورزقوا العمل بالقرآن…).

وقال معاذ بن جبل ] اعلموا ما شئتم أن تعلموا، فلن يأجركم الله بعلمكم حتى تعملوا). ذكرها القرطبي في مقدمة تفسير ج1 (34-35).

<< وأذكر هنا نموذجا واضحا لتأثير القرآن في أنفس الصحابة، وكيف كانوا يتلقونه بعقولهم وقلوبهم وإرادتهم، كما يبرز ذلك من تأثير سورة الزلزلة، وبخاصة الآيتين (7- 8) {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}.

عن أسماء رضي الله عنها قالت: بينما أبو بكر رضي الله عنه يتغذى مع رسول الله ، إذ نزلت هذه الآية: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}،  فأمسك أبو بكر ] وقال: يا رسول الله: أكل ما علمناه من سوء رأيناه؟ فقال ” ما ترون مما تكرهون فذاك ما تجزون به، ويدخر الخير لأهله في الآخرة.

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب البكاء، وابن جرير والطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن عمر بن العاص قال: أنزلت: {إذا زلزلت الأرض زلزالها}، وأبو بكر ] قاعد فبكى، فقال له رسول الله ، ما يبكيك يا أبا بكر؟ قال: تبكيني هذه السورة فقال  : >لولا أنكمتخطئون وتذنبون فيغفر لكم، لخلق الله أمة يخطئون ويذنبون فيغفر لهم<.

عن صعصعة بن معاوية عم الفرزدق أنه أتى النبي  فقرأ عليه: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}،  فقال: حسبي، لا أبالي ألا أسمع من القرآن غيرها).

وأخرج عبد بن حيد عن قتادة قال: ذكر لنا أن عائشة رضي الله عنها جاءها سائل فسأل، فأمرت له بثمرة، فقال قائل: يا أم المومنين إنكم لتصدقون بالثمرة؟ قالت : نعم والله…أو ليس فيه مثاقيل ذر كثير؟

<<النموذج الثاني:

آيــة: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}(أل عمران : 92).

ذكر ابن كثير في تفسيره عن أنس بن مالك قال: كان أبو طلحة أكثر الناس بالمدينة مالا، وكان أحب أمواله إليه (بيرحاء)- اسم حديقة له- وكانت مستقبلة المسجد، وكان النبي  يدخلها، ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} قال أبو طلحة: يا رسول الله! إن الله يقول : {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}  وإن أحب أموالي بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله تعالى، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال النبي  : >بخ بخ ! ذاك مال رابح! ذاك مال رابح، وقد سمعت، وأنا أرى أن تجعلها في الأقربين<  فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه، (أحمد والشيخان كما ذكر المفسر)، وفي الصحيحين: أن عمر رضي الله عنه قال: يا رسول الله! لم أصب مالا قط هو أنفس عندي من سهمي الذي هو بخيبر، فما تأمرني به؟ قال : حبس الأصل، وسبل الثمرة.

<< النموذج الثالث:

{ وليضربن بخمورهن على جيوبهن}(النور: 31).

موقف النساء المسلمات الأول مما حرم الله عليهن من تبرج الجاهلية، وما أوجب عليهن من الاحتشام والتستر وهنا تروي لنا أم المومنين عائشة رضي الله عنها كيف استقبل نساء المهاجرين والأنصار في المجتمع الإسلامي الأول، هذا التشريع الإلهي الذي يتعلق بشيء مهم في حياة النساء، وهو الهيئة والزينة والثياب.

قالت عائشة: يرحم الله النساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله: {وليضربن بخمورهن على جيوبهن} شققن مروطهن (أكسية من صوف أوخز)، فاختمرن بها. رواه البخاري.

ويعلق د.القرضاوي: فيقول: (أجل…لم ينتظرن يوما أو يومين أو أكثر…وأضاف: لم يكن تأثير القرآن على الرجال وحدهم، بل كان تأثيره على الرجل و المرأة جميعا…) كيف نتعامل مع القرآن ص 48. .

وجلس بعض النساء يوما إلى أم المومنين عائشة، فذكرن نساء قريش وفضلهن، فقالت إن لنساء قريش لفضلا، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار، ولا أشد تصديقا لكتاب الله، ولا إيمانا بالتنزيل، لقد أنزلت سورة النور: {وليضربن بخمورهن على جيوبهن} فانقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهن فيها، ويتلو الرجل على امرأته وابنتهوأخته، وكل ذي قرابته، فما منهن امرأة  إلا قامت إلى مرطها المرحل فاعتجرت تصديقا وإيمانا بما أنزل الله من كتابه.

قال الله تعالى: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون}(الأنعام: 155).

ما الذي يحول بيننا وبين هذه البركة؟ ما الـذي صرفنا عن التماس رحمته؟

قال تعالى: {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سُبُل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم}(المائدة: 15).

ووصف الله صحابة رسوله الذين شرفوا بالقرآن، وارتقوا به {واتبعوا النور الذي أنزل معه}(الأعـراف).

الكتاب بين أيدينا، والمطلوب حسن التلقي والتعامل، ليفجر الطاقات، ويجند القدرات، ويحفز الإرادات…يحدث فينا ثورة في العقل والتصور، وفي الوجدان والشعور، والعمل والسلوك كما أحدثه في الجيل الأول حين فتحوا له عقولهم وقلوبهم، فكانت أجهزة الاستقبال عندهم سليمة مهيأة لحسن التلقي، وكان الإرسال على أفضل ما يكون، فكانوا كما وصف الله عز وجل  تأثير كتابه في الأنفس: {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود  الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء}(الزمر: 23).

والأمل بعد الله في من يشكلون خميرة النهوض في هذه الأمة، قال عليه السلام: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون) متفق عليه.

هؤلاء الذين يتشوق إليهم الرسول  : (وددت أنا قد رأينا إخواننا) يقولون له: ألسنا إخوانك؟ قال : (أنتم أصحابي فمن هم الإخوان الذين يتطلع الرسول  إلى أن يكونوا معه، ويحب أن ينظر إليهم؟ لا شك  أنهم من كانت صفتهم عميقة استدرجوا الوحي بين جنوبهم حتى امتد واشتد.

والحمد لله رب العالمين.

ذ. هواري شرود

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *