تأملات


 

للسجن في ضمائر الناس صورة مرعبة لأنه يرتبط بالجرم والذنب والقهر وسلب الحرية… وهو في أي مجتمع من المجتمعات مهما بالغ في تشدقه بحقوق الإنسان أو في مراعاته لحدود الله ما يتعلق بتكريم بني آدم يبقى سجنا مرادفا للقيد والاستيلاب وهو جزاء فعلي دنيوي للمذنبين أو من يعتبرون مذنبين وإن كانوا أبرياء على اختلاف تقديرات الجرم والعقوبة.

لكنّ الأمَرَّ من ذلك أن تصبح الدنيا على سعتها ونعمها الظاهرة والباطنة المسخرة بقدَر من الله تعالى، أن تصبح سجنا لكثير من الناس.. فكم من أناس طلقاء يتقلبون في دنيا الله الواسعة وينعمون برغدها ولكنهم يحسون أنهم على السعة في ثقب أضيقَ من خرم إبرة.. هؤلاء الناس من ذوي النوازع النفسية المريضة، أصحاب مكتملو البنية لكنهم لا يرون بعينهم الكليلة مرضَهم.. فمرضى الحسد سجناء لأنهم على ما يتمتعون به من نِعم يقيدهم شعورهم عن أن يروا ما في أيديهمفيتخبطون في مساحة ضيقة من هاجس الحسد وتمني زوال النعمة من أيدي أناس ينامون من سعادتهم ملءَ عيونهم.

ومرضى الغرور والتكبر على ما يشعرون به من تعَالٍ ومن تفوق على الآخرين هم سجناء شعورِهم المريض لأنهم منحصرون في دائرة أنفسهم المريضة التي قيَّدَتها الآثَرَة وكبلها الشعور بتضخم الأنا.

ومن سجناء الدنيا أناسٌ أرهقتهم الضغائن والأحقاد فباتوا يحصون في ظلمة النفس مؤامراتهم ودسائسهم حتى إذا ظنوا أنهم بلغوا مآربهم ليرتاحوا راودتهم نفسهم العليلة لينالوا من ضحايا جدد فقط، لأنهم لا يُشفيهمُ الثأر ورؤية عذابات الناس.

وفي الدنيا الفسيحة سجناء الطمع يقيدهم حب المال والنعمة والمأرب الرخيصة عن أن يروا الفضيلة في القناعة والمثل العليا وفي الدنيا سجناءُ الشهوة تدفع بهم أهواؤهم إلى منزلقاتٍ خطيرةٍ فيرون الباطلَ حقا والكذب صدقا والدنيا مكسبا خالدا. فإذا بهم في لُهَاثِهم وراء الهوىيتحركون على مدار  حياتهم في دائرة رهيبة مغلقة.

وفي الدنيا عقلاء جدا لا يرشقون الناس بالحجارة في عرض الطريق… ولكنهم بلغوا درجة من الحمق حينما يزعمون لأنفسهم الريادة في الفهم والفكر والإدراك وللآخرين البلادة. أولئك العقلاء مرضى السَّفهِ والخطَلِ لأنهم يدمرون في حياة الآخرين كل رائع وجميل حين يخبطون في مصالح الناس خبط عشواء ولا يراقبون الله في أعمالهم والادعى للضحك أن يصر أولئك على أنهم يفهمون جدا جدا أكثر من غيرهم.

وأذكر في تأملاتي هذه ممن صادفتهم من سجناء الدنيا من قيدهم استبدادهم فاستبدوا بالضعاف، ومن قيدتهم نوازع الظلم فعاثوا في الأرض فسادا وبغيا، ومن قيدهم ضعف الإيمان فحادوا عن السبيل وكفروا بنعم الله وارتكبوا الموبقات. ومن قيدتهم أنانيتهم فغَلُّوا مشاعِرهم عن التحرك عند أنين الملهوف ومن قيدهم النفاق فعاشوا بوجهين اثنين في اتجاهات متعددة ومن حبسهم التملق فظلوا إمَّعَاتٍ سجناء المصلحة الخاصة تابعينَ لأسيادهم.

فلحعذر المومن التقي النقي العاقل من هذه السجون النفسية الرهيبة وليطلب التحرر من النوازع النفسية المريضة نحو أفق فسيح زاخر بكل معاني الإيمان والطهر والسمو النقاء.

ذة.أمينة المريني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *