إبادات شعوب وطمس حضارات لا سبيل لإدانة مجرميها بل يُحتفل بها هناك أعيادا


فرنسا العلمانية التي تفتخر بثورتها العظيمة القائمة على الشعار الثلاثي: حرية، أخوة، مساواة، وتتظاهر أنها لا تسمح بالتمييز العنصري أو الديني وأنها مثال للتعددية العرقية والثقافية والدينية كما تعتز بأنها قطب سياسي مستقل له وزنه في العالم، إن فرنسا هذه بتياراتها السياسية ومذاهبها الاعتقادية وتنوعها الفكري وحريتها الواسعة إلى غير ذلك مما تعتز به أمام العالم لتتلاشى صورتها تلك عندما تواجه ” الإسلام ” فعندئذ لا يبقى في فرنسا إلا الروح الصليبية العنصرية حتى عند اشد الناس شيوعية ويسارية وليبرالية وعلمانية وإلحادا وإباحية وعهارة .. ورحم الله مالك بن نبي الذي كان يقول لنا إن في الشعب الفرنسي مذاهب شتى وحريات كبيرة واختلافات متطاحنة لكنه عندما يتجه نحو الإسلام يصبح متحدا ضدا عليه وعلى كل ما هو إسلامي…

أقول هذا بمناسبة اتخاذ البرلمان الفرنسي قراره التاريخي الذي يعتبر التشكيك في المذبحة الأرمينية سنة 1915 على يد الأتراك جريمة تستحق المحاكمة . . والعجب أن أصحاب المشروع هم ” الاشتراكيون ” وإياك أن تثق بموقف شيراك وغيره فالقوم ملة واحدة . . .

لكن لماذا لا تلتفت فرنسا والعالم ” المتحضر” وفي طليعتهم: الغرب إلى إبادة الشعب العراقي الذي قتِل منه بعد الاحتلال الأمريكي وجيوش أوربية أخرى حوالي 700,000 قتيل وأضعاف ذلك من الجرحى والمعطوبين والمختطفين والمسجونين وأكثر من ذلك كله من الهاربين من جحيم التجربة الديمقراطية الرائدة في الشرق الأوسط.

ولماذا لم يهتز العالم الغربي للإبادة البوسنية على يد الصرب بمباركة الأمم المتحدة والغرب والشرق، ولا ننسى أبدا أن وزير خارجية البوسنة قتل وهو في حماية القوات الدولية والفرنسية بالذات . . كما لا ننسى تصريح زعيم الاشتراكية ورئيس دولة فرنسا ميتران الذي قال فيه:” لن نسمح بقيام دولة إسلامية وسط أوربا ” وقبل ذلك إبادة الشعب الجزائري على يد فرنسا بالأمس القريب، إن ضحايا كل من الشعب البوسني والشعب الجزائري تجاوزت المليونين زيادة على الجرحى والمشوهين والمعطوبين والمشردين . . ولا نسير بعيدا فأمامنا مأساة فلسطين التي تقع فيها الإبادة بالتقسيط موزعة على الأيام والشهور والأعوام ابتداء من مذبحة دير ياسين. ومع ذلك فالمقاومة المشروعة عالميا تعتبَر في نظر الغرب إرهابا في حين لشارون وبغين قبله وأولمرت بعده مكانة كبرى في الحضارة الغربية المنافقة.

أما الإبادات الكثيرة التي ارتكبها القياصرة ثم النظام السوفياتي في السابق في حق الشعوب الإسلامية التي كانت مستعمرة ومستعبدة خلال قرون فتعَدّ بالملايين وربما فاقت العشرة مليون.

ولو التفتنا إلى إبادات لشعوب إسلامية خلال التاريخ بالأندلس، وبإفريقية وبممالك الملايو ( فليبين ) ولشعوب القارة الأمريكية الشمالية والجنوبية وقارة أستراليا على يد الإسبان والبرتغال والإنجليز لأعيانا الإحصاء والعدّ . . .

ولا نتحدث عما وقع ويقع للمسلمين في تركستان الشرقية لشعب الإيغور وغيرهم بالصين وما وقع ويقع ببورما وكمبوديا وتايلاند وسيرلانكا والهند . . . أما الإبادة إبان الحروب الصليبية فهي تنافس الإبادات الأخرى.

إن الشعوب الإسلامية أكثر شعوب الأرض تعرضا للإبادة والاستعباد وقد امتدت الإبادات الجسدية إلى إبادة الثقافة والعلوم والآثار: فملايين الكتب والوثائق قد أحرِقت وأغرقت في الأنهر على يد الصليبيين والتتر والمغول والشيوعيين، وتعتبر الأندلس نموذجا حيا لمأساة إحراق الكتب وكانت أيام إحراقها مواسم مشهودة كأنها أعياد حيث يُصَبّ عليها الزيت وتشعل نار وهم عليها قعود وعلى ما يفعلون بالكتب والوثائق شهود …! كما تقام احتفالات وذكريات بإسبانيابمناسبة طرد المسلمين وإبادتهم وما تزال بعض الأعياد المحلية والوطنية تسمى ” قتل مسلم ” أو ” MATO MORO ” كما أن بعض الأعلام الرسمية مثل علم ” ليون ” بإسبانيا يحمل أربعة رؤوس مقطوعة ويَعْنون بها إبادة المسلمين الأندلسيين؛ كما أن احتفالات بأمريكا في الحقيقة تقوم على أشلاء الملايين من السكان الأصليين الذين يطلق عليهم الهنود الحمر وأشلاء ملايين السود الذين قتلوا أو عُذبوا واستعبدوا في القارتين الشمالية والجنوبية . .

فمتى يسترد المستضعفون من المسلمين وغيرهم قوتهم ومتى تتحد الشعوب المُبادة عبر التاريخ لتطالب العالم المتحضر بالاعتراف بهذه الإبادات وبوجوب أداء التعويضات لهذه الشعوب مثل ما فعل اليهود مع الألمان، ومتى تحيي هذه الشعوب ذاكرتها لتحتفل بمناسبة ما حلّ بها من إبادة . .

يجب تكوين جمعيات مدنية عبر العالم المظلوم والمضطهد ينبثق عنها مؤتمر عالمي يضم حتى الشعب الغجري الذي ما يزال إلى الآن يضطهد من أجل إحياء ذكريات إباداتهم وإرغام دول الاستكبار على الاعتراف بذلك ومن أجل مواجهة الإبادات الجديدة باسم مكافحة الإرهاب قبل أن تصبح إفريقيا وغيرها ميدانا لفتن جديدة وإبادات ” متحضرة ديمقراطية ” وفق النموذج العراقي تحت ستار: ” مكافحة الإرهاب والقاعدة ” والحقيقة أن نظرية إزنهاور وسط الخمسينيات عن الفراغ في الشرق الأوسط وفي عالم المستضعفين ما تزال معمولا بها في البيت الأبيض والبنتاغون لذلك يجب على أمريكا أن تملأ هذا الفراغ قبل أن يصبح عالما أو فراغا مملوءا بالصين التي تغزو العالم الثالث غزوا بشريا وتجاريا واقتصاديا بوتيرة متصاعدة لا يعلم نتائجها إلا الله.

نسأل الله أن يحمي عالم الضعفاء من المؤامرات والصراعات بين الكبار التي قد تؤول إلى إبادات وفتن كما نرى في أفغانستان والعراق باسم تأسيس ديمقراطية نموذجية على يد كارازي هنالك وإخواننا العراقيين هنا !!

د.عبد السلام الهراس

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *