أمـثـلـة من نظام تربيته وتعليمه  (4)


ح- الـوقـّاف عند الحق

عمر بن الخطاب ] هذا الخليفة العظيم الذي كان على رأس دولة تمتد من اليمن حتى نهر …أمودَرياî قرب مدينة بخارى. هذا الخليفة حدث بينه وبين أُبيّ بن كعب خلاف فقال له عمر: اجعل بيني وبينك رجلا، فجعلا بينهما زيد بن ثابت فأتياه فقال عمر: أتيناك لتحكم بيننا، وفي بيته يؤتى الحَكَم. فلما دخلا عليه وسّع له زيد عن صدر فراشه فقال: ها هنا يا أمير المؤمنين. فقال له عمر: هذا أول جَوْرٍ جُرْتَ في حكمك. ولكن أجلسُ مع خصمي.(20)

ط- حـادثـة ماعز ونظام المراقبة الوجدانية

إليكم مقطعاً من حادثة ماعز، وهي حادثة مراقبة وجدانية مدهشة.

جاء ماعز بن مالك إلى النبي  فقال: يا رسول الله طهرني. فقال: >ويحك، اِرْجِعْ فاستغفر الله وتب إليه< قال: فرجع غير بعيد. ثم جاء فقال: يا رسول الله! طهرني فقال رسول الله : >ويحك، اِرْجِعْ فاستغفر الله وتب إليه< قال فرجع غير بعيد ثم جاء فقال: يا رسول الله! طهرني فقال النبي  مثل ذلك. حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول الله : >فيم أطهرك؟< فقال: من الزنى. فسأل رسول الله : >أبه جنون؟< فأخبر أنه ليس بمجنون. فقال: >أشَرب خمراً؟< فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر. قال: فقال رسول الله : >أزَنيت؟< فقال: نعم. فأمر به فرجم. وفي رواية أنه عندما مسته الحجارة جال وجزع فبلغ النبي  فقال: >فهلاَّ تركتموه.<

قال فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة ثم جاء رسول الله  وهم جلوس فسلم ثم جلس. فقال: >استغفروا لماعز بن مالك< فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك. فقال رسول الله : >لقد تاب توبة لو قُسِّمت بين أمة لَوَسِعتهم.<

قال: ثم جاءته امرأة من غامد(21) من الأزد فقالت: يا رسول الله طهرني. فقال: >ويحك، اِرْجِعِي فاستغفري الله وتوبي إليه.< فقالت: أراك تريد أن تردني كما رددت ماعزبن مالك. قال: >وما ذلك؟< قالت إنها حبلى من الزنى. فقال >آنت؟< قالت: نعم. فقال لها: >حتى تضعي ما في بطنك< قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت، قال: فأتى النبي  فقال: قد وضعت الغامدية. فقال: >إذن، لا نرجمها وندع ولدها صغيراً ليس له من يرضعه< فقام رجل من الأنصار فقال: إليّ رضاعه(22) يا نبي الله. قال فرجمها.

وعند رجمها طفر من دمها على وجه خالد فسبها فسمع نبي الله  سبه إياها فقال: >مهلاً يا خالد! فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس(23) لغفر له< ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت.(24)

لماذا كانت هذه التوبة بمثل هذه المرتبة؟ ذلك لأن هناك إثماً ارتكب خفية ولم يعلم به أحد، ولكنها لم ترغب أن يبقى حسابها ديْناً على رقبتها تؤديه يوم الحساب، بل اعترفت بذنبها وهي تعرف عواقب هذا الاعتراف، إذ ظلت حتى يوم إقامة الحد عليها في خجل من الذنب الذي اقترفته في حق الله وحقالمجتمع، وفي عذاب ضمير محرق… أجل، لقد زلت قدمها، ولكنها بحثت في الدِّين عن سبيل لخلاصها.

ليس في الإمكان ذكر كل النظم الأخلاقية التي جاء بها النبي ، إذ يبلغ عددها المئات، ولم يتيسر لنا سوى الإشارة إلى البعض منها. ولو كان في مقدورنا تعداد كل هذه القواعد الخلقية لكان من الممكن التوصل إلى معرفة أفضل لما أنجزه النبي  من أمور تفوق القدرة الإنسانية، ذلك لأن إنسان ذلك العهد كان متصفاً بجميع أضداد هذه القواعد الخلقية، فقام النبي  باقتلاع هذه المفاسد الخلقية من جهة وتنمية كل الأصول الأخلاقية الحميدة في نفوسهم من جهة ثانية وتجهيزهم بها.

لقد أظهر رسول الله  معجزة في ميدان التربية أيضاً. إذ وضع أسساً ومبادئ رئيسة لبعض القواعد التربوية للإنسانية التي لها صفة العمق والشمول وتحتضن الإنسانية كلها في كل عصر وفي كل وقت. وحسب قناعتي الشخصية المتواضعة فإننا لو استطعنا فهم ما تحتويه هذه المبادئ من أفكار عميقة ووصلنا إلى معرفتها بحق لكسبنا مستوى تغبطنا عليه الملائكة، ولكن ما العمل فنحن لا نزال -كما تقول حميدة قطب- في الطريق، حيث يروى أن موسى عليه السلام أظهر لله تعال حيرته وعجبه قائلاً له: …يا رب! إنني أرى كثيراً من الناس يمشون في طريقك بعد أن اهتدوا إليك، ولكنهم -ويا للعجب- يغيرون طريقهم ويتوجهون إلى جهات أخرى فيقول له الله تعالى: …يا موسى! إن هؤلاء لم يتوجهوا نحوي ولم يجدوني… كانوا أناساً في الطريق وغيروا طرقهم.

(نسأل الله تعالى ألا يجعلنا من الذين يتعثرون في الطريق ويضلون سبيلهم).

…أجل، ليس هناك من ضمان، ولا يستطيع أحد أن يضمن عدم انحرافه عند سيره في الطريق إلى الله. كل شيء بيد الله تعالى، لذا نسأله أن يحفظنا من الانحراف ومن الضلال، وألا يدعنا لأنفسنا طرفة عين، وندعوه تعالى أن تتبوأ هذه الأمة المجيدة -التي قل نظيرهافي التاريخ- المكانة اللائقة بها بين الأمم.

أجل، عندما تأخذ هذه الأمة مكانها التاريخي اللائق بها فستتوفر أمامنا فرصة أفضل وأكثر إقناعاً وأعلى مستوى لتبليغ الخلق الإسلامي والخلق القرآني. عند ذلك سترى الإنسانية أن ما بحثت عنه في …المدن الفاضلةî كان قد طبق وعيش قبل عصور، وستذهل من هذا الاكتشاف. ونحن نقرأ الآن …جمهورية أفلاطون ونرى كيف يقترح أفلاطون قيام الفلاسفة بإدارة الدولة… دعوا هذا واعلموا أن هناك عهداً تمت فيه إدارة الدولة بشكل لا يصل إليه حتى خيال الفلاسفة… هاكم عهد بداية الإسلام، وهاكم عهد الدولة العثمانية. فلو شكلت الملائكة دولة في السماء لما استطاعت إلا أن تصل إلى ذلك المستوى.

ولكن إلى أن نقوم بشرح الإسلام بهذا المستوى فستسد الأمم آذانها ولن تستمع إلينا… صحيح قد يسلم أفراد معدودون منها نتيجة تسلل نور القرآن إلى قلوبهم بقوته الذاتية. ولكن لن يحدث إقبال جماعي على الإسلام من قبل هذه الأمم إلا عندما تتبوأ أمتنا الأصيلة هذه مكانتها اللائقة بها بين الأمم وتقوم بتمثيل الإسلام أمام العالم.

ونعود إلى الموضوع الأصلي فنقول إن الرسول  أحدث انقلابا يحير العقول في ذلك المجتمع الجاهلي الغارق حتى أذقانه في العادات الجاهلية. وهذا الانقلاب كان انقلابا شاملاً يحتضن كل شؤون الحياة.

لقد ظهر العديد من العباقرة في التاريخ الإنساني، ونجح قسم منهم في إحداث بعض التغيير في بعض ساحات الحياة والمجتمع. فمثلاً قد يظهر عبقري في علم الاجتماع فيصل بأتباعه إلى مستوى رفيع في هذا الموضوع، ولكنه لا يستطيع شيئاً في ساحة الاقتصاد مثلا، كما يعجز أن يقدم شيئاً في ساحة التربية وعلم النفس، ويفشل تماماً في ساحة الروح ولا يستطيع تقديم أي شيء في هذا الأمر. ومثلاً قد يظهر عبقري في علم الاقتصاد وينجح في رفع المستوى الاقتصادي للبلد إلى مستوى معين، ولكنه لا يستطيع تقديم أي شيء لبلده من النواحي الاجتماعية الأخرى، ويعجز عن تقديم شيء حول التربية وحول مراقبة النفس ومحاسبتها مثلاً. ويظهر غيره في ساحة أخرى وآخر في ميدان مختلف، ولكن لا يستطيع أحد منهم أن يتوصل إلى الكمال بجميع وحداته ومفرداته… ليس هناك من استطاع هذا سوى محمد  الذي احتضن الحياة كلها وبكل مفرداتها وجوانبها ونقلها إلى الذروة وضمن بقاءها هناك إلى الأبد… أجل، هو ذروة في الاقتصاد… وذروة في الاجتماع… وذروة في القيادة والحرب… وذروة في محاسبة النفس… وذروة في النجاح في دعوة الناس… وذروة في إقامة التوازن بين الدنيا والآخرة… وذروة في النفوذ إلى بواطن الأمور وإلى النفوذ إلى ما وراء الوجود… ذروة في كل شيء. أجل، فليست هناك حاسة إنسانية ضامرة في نظام تربيته، وليس هناك أي شيء تعرض عنده للإهمال… على العكس من ذلك فقد تناول كل شيء ووسعكل شيء ونماه وفتح أمام الإنسان طرق الرقي والكمال، وبمعونة الله وفضله استطاع أن يربي في كل ساحة وفي كل ميدان أفضل النماذج الإنسانية.

—-

(20) >كنز العمال< للهندي 5/808

(21) بطن من جهينة. (المترجم)

(22) إنما قاله بعد الفطام وأراد بالرضاعة كفايته وتربيته وسماه رضاعاً مجازاً. (المترجم)

(23) صاحب مكس: أي صاحب جباية وقد أصبحوا عنواناً للظلم.(المترجم)

(24) مسلم، الحدود، 22، 23< أبو داود، الحدود، 24< الدارمي، الحدود،

محمد فتح الله كولن

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *