هاهو اللحم، فأين هي الأسنان لمضغه(2/1)


 

1 ـ إذا لم نستحي فـليفعلوا مايشاؤون

العاشرة ليلا والرجال والنساء يتدفقون إلى المتاجر المجاورة للتبضع إستعدادا لليوم الأول لشهر رمضان الفضيل، كانت الفسحات المغنمة تشهد تدفقا آخر لأشباح ذكور وإنات يستقبلون الشهر الكريم على طريقتهم بالتهالك على الشهوات المحرمة.

وعلى غير انتظار، إنشقت إحدى العثمات،  وانتصب أمام ناظري بل أمام أنظار العابرين بالشارع العام، صبي وصبية متخاصران ومستغرقان بحركات إباحية، تجاوزت جرعاتها الإجترائية كل المقاييس. وكان الناظرون إلى اللوحات الإفتتاحية المخجلة لشهر الثقوى،  يرفعون بالكاد رؤوسهم لرؤية الفيلم الهوليودي الحي ، ثم يواصلون، مكبين على وجوههم، مشاويرهم الإستهلاكية كالمعتاد، وتذكرت حين كنت في شاطئ طنجة ليلا رفقة العائلة صيف هذه السنة ونحن نجوب كثبان الرمال،أذهلتني أعداد الشباب والشابات المفترشين للرمل، والمنخرطين في وصلات الحشيش والخمر والجنس، العلنية، وكأنهم على موعد مع سباق سوبر ستار في الخلاعة، وقلة الحياء، وتذكرت في نفس السياق صديقتي التي رأت في أكادير مايشيب له الولدان من لقطات هوليودية شبيهة!  ولغيرتها الإيمانية، تدخلت بكل الكياسة التي تطبع سلوكها عادة،  لردع سلوك بطلي لقطات الجنس البواح لا الغرام،  (المستهترين بالدين وبالوطن إذ يخرجان للمجتمع قوافل من أبناء الشارع الضائعين)، فأشبعها الشاب  كلاما ساقطا بينما ظلت الصبية منغرسة في أحضانه وهي تسمع غير معنية صديقتي تسأل الشاب كما فعل رسول الله  مع الشاب الذي طلب منه أن يسمح له بالزنا، إن كان يرضى لأمه أو أخته أن يفعل بها ما يفعله هو ببنات الناس،  ولا حياة لمن تنادي..

ووجدتني وأنا أعالج غيظا قاهرا إستوطنني أمام فصول الإستعلان بالفاحشة في تلك الليلة الرمضانية الأولى، أسرح في أغوار نفسي مترصدة لثلة من المشاعر  ترجني، وتعيد خلط الأوراق بداخلي قبل أن ترتبها على خطى المنهاج النبوي، منهاج الشفقة والرحمة تجاه الآخرين من الحيارى، لا منهاج الإستنكارالجاف،  النابع من الشعور المغرور بالإنتماء لفسطاط الناجين..وتملكتني لحظتها مشاعر جديدة  مشاعر الإحساس بالذنب، لإصداري لأحكام جاهزة قاصرة،  ومرةأخرى سرحت بي الذاكرة إلى كاتب عملاق تصْدُر بعض من كتاباته  الأخادة على صفحات جريدة “المحجة”، إنه” محمد فتح الله كولن “،فكثيرا ما أعادتني كتاباته النورانية العميقة، وكتابات العملاق الآخر بديع الزمان النورسي رحمة الله عليه،إلى الخط التبليغي النبوي الصحيح، خط محبة الخير للآخرين وأجمل الخيرات، وأنفعها لمن يرجون الله واليوم الآخر : الجنة

يقول محمد فتح الله كولن :

“عندما لا يصدر كلامك محملا بألطاف من الشفقة والرحمة بأولئك المجذومين روحيا ومعنويا، فإن كلامك معهم لا يزيدعن كونه ثرثرة، لايترك أثرا في أحد، وعندما لا تحس  بأنفاس الملائكة تمازج أنفاسك وبرفيف أجنحتها يلاطف وجهك شاهدة على ماينطق به لسانك فلن تشم رائحة الصدق الذي من دونه لا تنفتح لكلامك قلوب الآخرين وعقولهم”.

وبالفعل  فإن كل النوايا الطيبة التي تدفعنا إلى اقتحام غفلات الآخرين، (لإستنقاذ أنفسنا أولا، برحمة وتوفيق من الله  من النار، بأعمال صالحة ثم استنقاذ المخدرين،  من تيه أثير)، أقول إن كل هذه النوايا النظيفة، لاتشفع لنا لتقمص سلطة المقت والإشمئزاز والإستعلاء أمامهم، إذ يتصرفون تصرفات لا تليق بمن ينتمون إلى دوحة الإسلام الوارفة، تلك الدوحة التي بصمها سيد الأنام بخلقه الحليم الكريم.

ومما لاشك فيه أن الناس أعداء ما جهلوا، ورسالة إيصال الجمال تتطلب إستيطانا مسبقا لهذا الجمال بداخلنا قبل تصديره للآخرين، فليس ثمة وردة تنعش الناظرين بعطرهاإن لم تكن نسائــمها جزء من نسيجها وتركيبتها..

وقد حكى لي أحد الإخوة المبلغين للدعوة أن صديقين دخلا على موظف حكومي بالغ النفود، وكان في مكتبه الفاره،البادخ الأثاث المكتبي، يصول ويجول ويرغد ويزبد على عادة البعض من رجال السلطة، فاستقبل الموظف أحدهما وأمرالآخربالخروج، ثم جلس ينصت إلى كلماته الدعوية بكل اهتمام، ورق قلبه ووعد بتأثر أن ينظر في شؤون الدين التي تخصه وأهله ومن معه من الأعوان. وعند خروج الصديقين من الدائرة الحكومية وسؤالهما عن تصورهما لذلك الموظف المخزني عندما رأياه  و قبل أن يكلمهما، قال الصديق الأول أنه حين عاين تصرف الموظف الكبير، المخالف للدين في سلطويته وعجرفته، والإسراف الملاحظ في تأثيث المكتب، إستنكر بقلبه  استبداد الموظف وأبغضه  واعتبره مجرما، بل كافرا!!، و دعا الله  أن يكسر شوكته ويدمرجبروته، ويجثت نسله !!، في حين تضرع الصديق الآخر  بكل صدق  أن يصلح الله أعمال الموظف  ويجعله خادما للضعفاء والمحتاجين من الواقفين على بابه، ويجعل سلطانه سندا للإسلام ..ولأن الأعمال بالنيات كما جاء في الحديث الصحيح ولأن نية الصديق الثاني نبوية التصور والمنهج، فقد يسر الله له القبول في قلب وعين الموظف المسؤول، بل و قدف في قلبه الهداية والإذعان للحق على يدي المواطن الحليم ، في حين سد الباب في وجه الصديق الأول لافتقاده لأبجديات التبليغ الرسالية، تلك الأبجديات التي يسوق فيها العارفون بالدعوة ذلك المثل الحكيم الذي يقول أننا حين نقوم بتنظيف ملابس الآخرين ننظف في نفس الآن أيادينا لأن الصابون المستعمل يفرك أوساخ أيادينا قبل أوساخ ملابس أهلنا !

نعم إستجاب سبحانه للهين اللين الحليم الشفيق،  كما استجاب  لرسول الله  حين زار جاره اليهودي الذي كان يرمي طفله الأزبال على رسول الله ص فبهر التصرف العفوالمتسامح لرسول الله ص ذلك اليهودي فأدن بكل طواعية لإبنه أن يعتنق الإسلام ..

ذة.فوزية حجبي

 

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *