رمـضـان شهـر القــرآن


هذه المحاضرة ألقيت بمناسبة شهر رمضان المعظم (لسنة 1423هـ)

بسم الله الرحمن الرحيم

{الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله}(الأعراف : 43).

{الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما لينذر باسا شديدا من لدنه ويبشر المومنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا}(الكهف : 1- 2).

الحمد لله الذي أكرمنا بالإسلام، وهي نعمة من أعظم النعم قد أتمها بفضله على هذه الأمة، ورضي لها الإسلام دينا، فقال جل من قائل {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}(المائدة : 3) وما النعمة في أغلب ما ترددت فيه في كتاب الله عز وجل إلا هذا القرآن منذ آية القلم {ن و القلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون}(القلم : 1- 2) إلى آخر آية ذكرت النعمة وهي الآية التي قيلت قبل {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي}(المائدة : 3).

الحمد لله الذي أكرمنا بنعمة القرآن فما مثلها نعمة، نسأل الله أن ينير به قلوبنا، وأن يشرح به صدورنا وأن يشغل به جوارحنا، وان يرفع به عنده قدرنا، سبحانه وتعالى.

صيام رمضان وقيامه

احتفال بنزول القرآن

أيها الأحبة هذا العنوان : “رمضان شهر القرآن”، هو بمثابة دعوى تحتاج إلى دليل، وإن كانت في حقيقتها لا تحتاج إلى دليل، هل رمضان شهر القرآن؟ حقا إنه شهر الاحتفال بالقرآن، هذا الشهر فرض الله علينا صيامه وسن لنا قيامه احتفاء وتخليدا لذكرى عظيمة، هي ذكرى نزول هذه الرحمة من الله الرحمن الرحيم، رحمة القرآن، فكل ظرف إنما يشرف بمظروفه. الزمان يشرف بحسب ما فيه، والمكان يشرف بحسب ما فيه، و الإنسان نفسه، وأي اسم إنما يشرف بمسماه، أي بمحتواه، فرمضان كانت له هذه القيمة، بسبب القرآن، كأنما سن الله لنا شكر نعمة القرآن بفرض صيام الشهر الذي نزل فيه القرآن.

ولهذا الدين منهاج في الاحتفال، حين علم ، بعد أن انتقل إلى المدينة المنورة، أن اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسأل لم يصومونه؟ فقيل له إنهم يقولون إنه اليوم الذي نصر الله فيه موسى و أغرق فرعون، فهم يصومونه شكرا لنعمة الله هاته وتخليدا لهذه الذكرى العظيمة، فقال  >نحن أحق بموسى منهم، لئن بقيت إلى قادم لأصومن التاسع< أو كما قال ، فإذن هذا الدين له منهاج في الاحتفال وفي تخليد الذكريات، وكذلك الأمر فيما سن لنا وفرض علينا في مناسك الحج كلها تخليد لذكريات عظيمة مجيدة، ومثل ذلك في غير ذلك، حتى في العيدين كل ذلك تخليد لذكريات بصورة الشكر التي تقوم أساسا على الذكر، فهذا الشهر، شهر فرض علينا صيامه شكرا لنعمة القرآن، واحتفاء واحتفالا بالقرآن.

رمضان شهر إنزال القرآن

أول ما نلاحظ جميعا أن هذا الشهر بم عرفه الله تعالى في كتابه؟ قال جل وعلا {شهررمضان الذي أنزل فيه القرآن}(البقرة : 185) ما هي صفته؟ بم يعرف؟ بم يعرّف؟  {الذي أنزل فيه القرآن} فهو شهر إنزال القرآن. كل خير جاء لهذه الأمة وجاء لهذه البشرية جمعاء بدءا من بعثة رسول الله ، فإنما جاء بسبب القرآن. نحن أمة وجودها انبثق من القرآن، القرآن هو الذي به صار محمد   رحمة للعالمين، والقرآن هو الذي به صار صحابته رضوان الله عليهم رحماء بينهم، والقرآن هو الذي به فاضت الرحمة على بقية البشرية انطلاقا من الجزيرة العربية.هذا القرآن هو الرحمة المهداة ممثلة في رسول اله ، وهو النعمة المسداة، فإنزاله كان في هذا الشهر، الله عز وجل يقول : {إنا أنزلناه في ليلة القدر}(القدر : 1) ويقول : {إنا أنزلناه في ليلة مباركة}(الدخان : 3) هي ليلة القدر، وقد استدل العلماء على أن ليلة القدر في رمضان لا في غيره بهاتين الآيتين لأن الله عرف رمضان بأنه الشهر الذي أنزل فيه القرآن، وبما أن هذا القرآن أنزل في ليلة القدر، فإذن ليلة القدر لم تخرج عن رمضان. فهذا الشهر هو الشهر الذي أنزل فيه القرآن، هذا جانب من الجوانب التي تجلي بأن هذا الشهر شهر القرآن.

رمضان  شهر تدارس القرآن

كان جبريل عليه السلام يدارس رسول الله  القرآن ويعارضه القرآن مرة في السنة في رمضان، حتى إذا كان العام الأخير عارضه مرتين. هذه المعارضة وهذه المدارسة هي كأنها مراجعة جديدة للقرآن تلقيا وتفهيما و توجيها للعمل بهذا الكتاب في شهر هو الإطار لمثل هذا، حين ما شرع لنا الصيام، سن لنا إيجاد ظرف مناسب لتلقي القرآن، وقد ورد أن رسول الله  كان يصوم هذا الشهر إلهاما من الله عز وجل في غار حراء، وحين جاءه الحق جاءه في هذا الشهر، ونزل عليه القرآن في هذا الشهر، فالصيام تهيئة وإعداد للروح لتلقي القرآن، ذلك لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم كما قال  : >فاقطعوا جريانه بالصوم< حين يصوم الإنسان يستعد ويتأهل لتلقي المعاني الروحية بكفاءة أكبر، لأن هذه الشهوات التي تجره إلى الأرض، في رمضان يصوم عنها يمسك عنها المسلم فتستعد روحه لتلقي الوحي ولتلقي الهدى الرباني، فيصبح في وضع هو انسب ما يكون لتلقي هذا القرآن، فلذلك ينبغي كما كان السلف الصالح رضوان الله عليهم يملؤون هذا الشهر بتدارس القرآن في النهار، وكذلك وجب أن يملأ بتدارس القرآن من قبل الخلف.

رمضان  شهر القيام  بالقرآن وتدبره

الوجه الآخر من كون هذا الشهر أنه شهر القرآن هو انه شهر القيام، كما انه شهر التدارس وشهر المدارسة والمعارضة زمن رسول الله ، هو شهر القيام بالقرآن، لا نجد شهرا قد سن لنا فيه لنقوم ونرتل هذا القرآن ونتدبر هذا القرآن كما هو حال هذا الشهر، هذا الشهر خص نهاره للصيام، وخصص ليله للقيام و>من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه<، وكذلك من قامه إيمانا واحتسابا. فكونالشهر خص من أوله إلى آخره بهذه السنة التي نسميها التراويح سنة القيام بالقرآن، يجعل من هذا الشهر حقا شهر القرآن.

إننا بحمد الله نجد الأمة من أقصاها إلى أقصاها تقبل على القرآن في رمضان كما لا تقبل عليه في غير رمضان، وحقا يحز في النفس أن يرى المسلم هذا الإقبال لا يستمر بعد رمضان. والمقصد من التشريع هو أن يقع التدريب في رمضان، من أجل الاستمرار بعد رمضان، فليس رمضان منعزلا لا عما قبله ولا عما بعده، وإن كان الهدف الأكبر منه هو ما بعده، وإذا كان التحضير سنويا والتدريب سنويا يقع فينبغي أن يقع الترقي باستمرار. الذي قام رمضان ينبغي أن يستمر في غير رمضان وقد تدرب في عمل جماعي، في دورة تدريبية كبيرة وجماعية على القيام، وعلى الاستماع إلى القرآن وهو يرتل ويتدبر في بيت الله. الهدف من هذا هو أن يستمر بعد في بيته على هذه السنة، وأن يقوم الليل أو قدرا من الليل. هذه الدورة التدريبية، تعطي السنة الأولى قدرا من الاستمرار، والتي بعدها يفترض أن ترفع إلى درجة أعلى، والتي بعدها يفترض أن ترفع إلى درجة أعلى حتى يثبت المسلم على نظام القيام، هذا هو الهدف. ومثل ذلك في غير القيام.

فهذا الشهر سن فيه القيام لجعل معاني القرآن تسري في كيان الإنسان تملأ جوارحه، تروي روحه، ليحيى في رمضان وبعد رمضان الحياة التي اختارها الله لنا في القرآن، لأن هذا القرآن ككل عبادة ليس مقصودا في ذاته وإنما يقصد به ما ينتج عنه، تعلمون أن الله قال في الصيام : {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}(البقرة : 183).

وقال في الصلاة: {وأقم الصلاة لذكري}(طه : 14). وقال : {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}(العنكبوث : 45) فهي ليست مقصودة في ذاتها بل لما ينتج عنها في قلب العبد من ذكر،  وما ينتج عن هذا الذكر من ائتمار وانتهاء وامتثال، أيالتقوى.

ومثل ذلك في الحج، وفي الهدي وفي الشعائر {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم}(الحج : 37) وفي سياق الحج دائما قال عز وجل : {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى}(البقرة : 197).

ومثل ذلك أيضا في الزكاة {خذ من أموالهم صدقة}(التوبة : 103) لأي شيء؟{تطهرهم وتزكيهم بها}(التوبة : 103) وجملة العبادة إنما يراد بها هذا {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون}(البقرة : 21).

فالقصد من القيام ليس القيام في حد ذاته، وإنما هو وسيلة لأمور أخرى أكبر منه :

أولها أنه وسيلة لتدبر القرآن، إذ هذا القرآن إنما أنزل للتدبر وللتذكر وللعمل به وللاهتداء به {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب}(ص : 29) كتاب أنزل للتدبر، لم؟ لأنه بغير ذلك لا يمكن النفاذ إلى أعماق هذا القرآن وأسراره لاستخلاص الهدى منه في جميع جوانب الحياة، الفردية والجماعية {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا}(النساء : 82)، {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها}(محمد : 24)، ينكر علينا الله عز وجل هذا، لم لا نتدبر القرآن؟ يجب أن نتدبر القرآن لأنه إنما أنزل للتدبر، وفرصة التدبر الكبيرة في السنة هي فرصة رمضان. بإمكان القائم في غير رمضان أن يتدبر القرآن، ولكنه في رمضان يكون في وضع مهيأ تهيئة خاصة لهذا الغرض، الصيام في النهار يعده لتلقي القرآن كما أشرت، وكون هذا القيام يحدث في بيت الله وبيت الله هو المكان المخصص لذكر الله، وكونه يحدث ضمن جماعة، فالعبادة تعظم، الصلاة مع الجماعة الكبيرة أعظم أجرا من الصلاة مع الجماعة الصغرى، فالظرف الذي يحيط أي عبادة في الزمان والمكان و الحال، وفي كل شيء يرفع درجتها، وبلغة أهل الاقتصاد يرفع مردوديتها الإيمانية، يرفع أثرها ودرجتها، فالقيام أريدبه التدبر، والتدبر مراد منه الاهتداء، مراد منه فهم القرآن وفقه القرآن للاهتداء به، لأن من فقَه وفقُه تلقائيا يستجيب لداعي الله، يستجيب لما يحييه >من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين<.

ولا تفقه بدون عمل وبدون اهتداء، ألفاظ القرآن تساوي معانيها الخارجية، ولا فصل بين النظري و العملي في هذا القرآن، ولذلك حين ينفصل لفظ الإيمان عن الإسلام، يراد من الإيمان الإسلام أيضا، وحين ينفصل لفظ الإسلام يعني في سياقات بعينها يشمل الإسلام كل ذلك أيضا، وحين تتجاور نجد معانيها كما تعلمون في حديث جبريل \ يذهب الإسلام إلى معنى و الإيمان إلى معنى والإحسان إلى معنى، وكل ذلك الدين >إنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم<.

فرمضان شهر القيام بالقرآن أيضا وهو من الجوانب التي يتأكد بها أن هذا الشهر شهر القرآن، هو الشهر الذي فيه الاحتفاء بالقرآن تشريعا لصيامه تخليدا لذكرى نزول القرآن، وهو الشهر الذي فيه أنزل القرآن وهو الشهر الذي عورض فيه رسول الله  القرآن، و دورس فيه القرآن، وتدارسه الصحابة من بعده. وهو شهر القيام بالقرآن.

الصيام مدرسة الإخلاص

مسألة الصيام أيها الأحبة يجب أن نذوقها. الصيام لغة واصطلاحا أمر عادي. لغويا هو الإمساك، كما قالت مريم عليها السلام  {إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا}(مريم : 26) منع من الكلام وإمساك عن الكلام. وفي الاصطلاح هو الإمساك عن شهوتي البطن والفرج. لكن هذا المعنى هو فقط إطار لأمر أكبر يتجه إليه الصيام.

لنتأمل أركان الإسلام على سبيل المثال، الشهادتان تُعْملان بالنطق، ولابد أن ينطق بها المسلم ليُعلن بها دخوله في الإسلام، ويعلن بها هو دخوله إلى الإسلام، والصلاة يؤديها المسلم في بيت الله فيشهد له المؤمنون بالإيمان >إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان<، فهي من المعلنات. والزكاة كذلك عليها العاملون يأخذونها أخذا وترى مادية تأخذ وتؤتى، فيأتيها الشخص {وآتوا الزكاة} والعامل عليها يذهب لأخذها فهي أيضا واضحة معلنة، والحج كذلك في جميع أعماله منذ الإحرام إلى التحلل، كل أعماله ترى، لكن الصيام هو الركن الوحيد الذي لا يرى في الخارج، لا يعرف الشخص هل هو صائم أو غير صائم، من الذي يعلم ذلك على الحقيقة؟ الله عز وجل، ولذلك كانت الإشارة إلى هذا المعنى في الحديث القدسي : >كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به< هذا الصيام ماذا يعني تطبيقه؟ ماذا يعني القيام به؟ بما أنه غير منظور، لا يرى كحال الصلاة والزكاة أو غيرها، فالفاعل له يفعله إيمانا بالله جل وعلا، ومراقبة لله جل وعلا، هذه المراقبة، هذا الحضور الذي للصائم انه يصوم لله، يمتنع عن عدد ممّا أحل الله في غير رمضان، عن عدد من شهوات البطن والفرج، هي حلال له لكن صارت في رمضان حراماً عليه، وامتناعه عنها وإمساكه عنها لا يراه أحد، إن شاء فِعل ذلك فعله، لماذا يمتنع عنها؟ مراقبة لله، تقوى لله، وهذا يتعلم منه العبد الإخلاص لله جل وعلا. هذا من حيث القلب في فريضة الصيام.

الصيام : مدرسة الصبر

…أما من حيث الخارج، من حيث الأمور العملية التي يمسك العبد عنها، فإن في هذا الإمساك ضرباً من الترقي، إذ يطيع الله عز وجل طاعة مؤقتة في رمضان تختلف عن الطاعة العامّة في غير رمضان. إنها طاعة خاصة يتأهل بها العبد لا بالابتعاد عن المحرمات العادية المعروفة في غير رمضان، ولكن يتأهل بها للتنازل عن بعض ما أحل الله عز وجل في فترات بعينها ليتعود الصبر، ولذلك ورد في حديث صحيح أن >الصوم نصف الصبر<، لأن الشخص يتعلم فيه كيف يصير قادرا على تحمل الجوع والعطش، وتحمل عدد من الصعوبات لأن هناك أيضا أمورا أخرى هي محرمة خارج رمضان وتستمر محرمة في رمضان، و لا يجوز فعلها إذ تخرق جُنَّة رمضان >الصوم جُنَّة<، يعني الصوم بمثابة درع ولباس للحرب يمنع الشخص أن يصيبه سهم أو غير ذلك مما يقتل أو يجرح، هذا معنى الجُنَّة، تجنه أي تغطيه، هذه الجنة إذا أتى العبد ما يحرم من غيبة أو نميمة أو شهادة زور أو غير ذلك من المحرمات مما نهى الله عنه، فإنه يخرق هذه الجنة إلا إذا تاب من قريب. الشخص يخرق الجنة، وبمجرد خرق الجنة يتسرب الشيطان من الثقب، فلا يحصل ما أريد من الصوم، ويقع النزغ، مثل الوضع الذي فيه >الشيطان جاثم على قلب بن آدم، إذا ذكر الله خنس< لأن الذكر يحمي القلب من أن يوسوس فيه الشيطان، >وإذا غفل وسوس<.

فالصيام في وضع الذكر بالنسبة للقلب، لأنه يجعل له جنة تقيه من وسوسة الشيطان ومن نزغ الشيطان، لكن بشرط الامتثال لأوامر الله ونواهيه في رمضان، وهذا الذي يعبر عنه بعضهم بـ(صيانة الصيام) صامه وصانه، يعني صام الصوم العادي المعروف في الاصطلاح، ولكن صام الصوم الحقيقي الذي به يمتنعالعبد عن كل ما لا يرضي الله، ويأتي ويسارع في الخيرات التي ترضي الله عز وجل، قال  : >من لم يدع قول الزور و العمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه<.

رمضان شهر الإعداد لتلقي القرآن

المقصود من هذا الصيام التقوى، إذا لم تقع التقوى فلا فائدة من الإمساك عن الخبز، وعن الطعام والشراب والنكاح، إذ الأصل أن تقع التقوى وهذا إنما هو وسيلة. الصيام إذن يعد العبد إعدادا جسديا له انعكاس روحي ليكون مهيأ لتلقي القرآن. وهذا التهيؤ القلبي فيه التدريب على الإخلاص، إذ الصيام نفسه يعلم الإخلاص، بسبب انه لا يرى، ففاعله يراقب الله جل وعلا ويصوم امتثالا لأمر الله و ابتغاء مرضاة الله، ثم حين يمسك عما حرم الله في رمضان وفي غير رمضان، فإن نفسه وروحه تتأهل و تستعد استعدادا خاصا تخف به، يخف أثر الطين فيها و تتأهل لتلقي الوحي، ولتلقي القرآن، خاصة إذا أضيف إلى ذلك وضع الليل ووضع بيت الله جل وعلا ووضع الجماعة ووضع الترتيل الجيد {ورتل القرآن ترتيلا}(المزمل : 4) ووضع الاستحضار.

ومع الشهر يتدرج العبد، وهذا التدرج واضح، حين أشير إلى أن ليلة القدر في العشر الأواخر، الأحاديث الكثيرة تدفع في أن ليلة القدر في الأوتار من العشر الأواخر، ونحن رأينا أن من فعله  أنه  كان إذا دخل العشر الأواخر >أيقظ أهله وشد المأزر، وأحيى الليل< الليل بكامله شفعه و وتره على حد سواء، بل أنه  في المرحلة المدنية بعد أن كان المسجد بدأ  يعتكف في العشر الأواخر في عدد من السنوات، إلا في السنة الأخيرة حين عارضه جبريل مرتين اعتكف عشرين يوما.

هذا على ما يدل؟

يدل كما قلت على أن هذا الترقي يتدرج مع رمضان، فإذا كانت العشر الأواخر ينبغي أن يكون العبد قد خف وقد تأهل، زكت روحه واستعدت للتجاوب مع هذا القرآن وللنفاذ إلى أسرار و أغوار هذا القرآن. رمضان يعد، بهذا المعنى، شهراً للقرآنأيضا. وينبغي أن ندرك هذا ونستشعره. منذ بداية رمضان نستعد و نجتهد في رفع مستوى الاجتهاد حتى آخر ليلة من رمضان حتى يوم الجائزة وهو يوم العيد.

هذا المعنى أيها الأحبة فيه تحضير، ولا بد من الانتباه إليه، ووضعه في الحساب ليترقى العبد. وكذلك بالنسبة لكل المزكيات. فحين نرى فعله  في رمضان في الإنفاق، فإنه كان أجود ما يكون في الخير، ولكنه أجود ما يكون في رمضان، لأن هذا الإنفاق أيضا تزكية، الصدقة تزكي العبد كذلك {خذ من أموالهم صدقة تطهّرهم وتزكّيهم بها}(التوبة : 103) وآخر الشهر أيضا فيه زكاة الفطر، فالشهر إذن فيه إعداد لتلقي القرآن وهذا الإعداد متكامل متصاعد في اتجاه آخر الشهر.

رمضان شهر التدريب

على الاهتداء بالقرآن

وجه أخر من وجوه كون هذا الشهر هو شهر القرآن، هو أن هذا الشهر شهر الاهتداء بالقرآن، وشهر التدريب على الاهتداء بالقرآن، بل شهر التدريب على الدرجة الراقية من الحياة وفق القرآن، لقد اعتدنا عادة سيئة نسأل الله أن يطهرنا منها، أن نكثر من الأكل ومن الشهوات في رمضان، والمقصد من رمضان عكس هذا تماما، القصد أن نقلل فيه، ونتعلم أن نعيش بالقليل، ونهينا عن الوصال لمن رغب في الاستمرار في الابتعاد عن الأكل، ولكن الآن نلاحظ أن الليل يصير هو النهار، ثم إنه يمتليء بالشهوات بالأكل أكثر مما يكون عليه الأمر في النهار في غير رمضان، هذا الوضع في الحقيقة منكوس ولا يعين على إعداد المؤمن على حياة القرآن ولا على إعداده لتدبر القرآن في القيام في ليالي رمضان. العبارة المشهورة (البطنة تذهب الفطنة)، إذا قللنا من الأكل فإن استعدادنا لتدبر القرآن يكون عاليا، ولكن إذا أكثرنا من الأكل جاء النوم وجاء الضعف في التدبُّر.

إن  هذا الشهر كما قلت، دورة تدريبية سنوية مهمة جدا للأمة جمعاء من أقصاها إلى أقصاها على الحياة وفق القرآن الكريم في الصورة المثلى لهذه الحياة، وأقصد بها ليست الحياة العادية، بل الحياة التي فيها كثير من التنازل عن كثير مما أحل الله، وفيها تقليل من كثير مما أحل الله من نعم، فيجب أن نتنبه لهذا كذلك لنستعد بهذه الدورة التدريبية لما بعد هذه الدورة، إذ القصد برمضان هو ما بعد رمضان، كما أن القصد بالصلوات هو ما بعد الصلوات، القصد بالعصر هو ما بعد العصر حتى المغرب، والقصد بالمغرب هو ما بعد المغرب حتى العشاء، والقصد بالعشاء هو ما بعد العشاء حتى الفجر، وهكذا بالفجر وهكذا بالظهر.

وما أشرت إليه من أن الإعداد يعين على تحقيق المقصود، هذا هو السر في تشريع النوافل قبل الفرائض، أو إلى جانب الفرائض. كل فريضة في هذا الدين لها نافلة كانت صلاة أو زكاة أو صياما أو حجا، كل فريضة لها نافلة، والنافلة فيها ما يتقدم وما يتأخر، والمتقدم يحضر للفريضة، والمتأخر يستثمر ما وصل إليه الترقي في قلب المؤمن في الفريضة. فالنافلة التي تسبق تعد قلب المؤمن للفريضة التي هي أحب و أهم عند الله جل وعلا >وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه< والنافلة التي تأتي بعد الفريضة  تستثمر المستوى الذي وصل إليه قلب العبد في عروجه وترقيه نحو ربه في مزيد من الطاعة وهي نفسها تصير إعداد لما هو قادم، وإذا كثرت النوافل بين الفرائض، فإنها ترفع درجة الفرائض قطعا، وتجعل حياة العبد بصفة عامة يكثر فيها الذكر ويكون العبد من الذين يذكرون الله كثيرا {و الذاكرين الله كثيرا}(الأحزاب : 35).

بسبب هذا علينا أن نسعى لنجعل الزمن الذي يسير بنا نحو الأجل نجعله يرقى بنا في العمل، فيكون غدنا خيراً من يومنا، ويومنا خيراً من أمسنا وهكذا حتى نلقى الله في يوم هو خير أيامنا، نسأل الله أن يجعل أيامنا كلها خيرا، وأن يجعل خير أيامنا يوم لقائه.

رمضان شهر الفرقان

وآخر الجوانب و أعلاها هو هذا الذي تشير إليه الآية فيآخرها، الله عز وجل قال {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس و بينات من الهدى والفرقان}(البقرة : 185) إذا تأملنا قليلا في هذا الترتيب، أي تدبرنا هذه الكلمات من هذه الآية وتدبرناها في سياقها، وسياقها قول الله عز وجل : {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات}(البقرة : 183) هي شهر رمضان، هذا الصيام شرع لتحصيل التقوى، هذه التقوى جعل الله من ثمارها ثمرة عظيمة مهمة جدا هي ثمرة الفرقان، قال الله عز وجل : {يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا}(الأنفال : 29) وإذا ربطنا هذه الآية بآية سورة الحديد {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يوتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به}(الحديد : 28) شأن النور أن يميز الأشياء، أن يجعلك تميز الأمور وتفرق بينها بوضوح.

هذا النور ما الذي يكوِّنه في قلب العبد وفي بصيرة العبد؟

إنما هو القرآن مطبقا أي التقوى، فهذه التقوى هي التي تنتج الفرقان والذي ينتج التقوى في هذا السياق هو رمضان، إذَن حين قال الله عز وجل : {شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن}(البقرة : 185) لماذا؟ {هدى للناس} فيه هداية و إرشاد لجميع الناس، من استجاب فكان من المتقين كان محض هدى له {هدى للمتقين} ومن لم يستجب قامت عليه الحجة، ثم قال : {وبينات من الهدى} بالألف و اللام، الهدى الحق، حمل العلماء الهدى على انه نوع خاص وجنس خاص من الهدى العام الذي سبق {هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان} حجج وبراهين دامغة قاطعة واضحة جدا من الهدى الحق الأتم الأكمل. والفرقان الذي به يفرق المؤمن المتقي بين الحق والباطل، فتتضح له حقائق الأمور وصور الأشياء ويرى بنور الله و يبصر بنور الله، فتكون له فراسة المؤمن حقا. ورد في أثر أن رسول الله  سئل عن اعلم الناس فقال >أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس< هذا البصر بالحق يكون بسبب التقوى، هذا البصر بالحق أي الفرقان يكون بسبب التقوى، وهذا الشهر شهر القرآن لكونه يعد العبد للترقي في درجات تدبر القرآن، وفي درجات الصيام الحق وفق القرآن، للترقي في المعاني التي تقدمت، فاحتفى بالقرآن في رمضان وتدارس القرآن في رمضان، وقام بالقرآن متدبرا له في رمضان، أعد نفسه الإعداد اللازم في رمضان في تلقي القرآن، واهتدى في جميع أموره في رمضان بالقرآن، فإنه يتأهل تلقائيا لاكتساب صفة الفرقان، فيكون عبدا له الفرقان.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من عباده المتقين الذين جعل لهم فرقانا، من عباده المتقين الذين جعل لهم نورا يمشون به، فيا أيها الأحبة إن هذا الشهر شهر خاص، هو دورة تدريبية عالية ربانية، مائدة تتنزل من السماء كل سنة للمؤمنين مليئة بأطايب النعم الروحية، فيجب أن نفقه هذا ونسارع في الخيرات في هذا الشهر ونترقى فيه متدرجين نحو آخره، مترقين في معاني القرآن ومعاني الإيمان، ومعاني اليقين، و معارج التقوى، و معارج النور، يجب أن نترقى في هذا الشهر المبارك فهو مائدة كل سنة ينزلها الله عز وجل ثم يرفعها، فمن أكل فقد أكل ومن حرم فهو المحروم.

نسال الله سبحانه أن يجعلنا من عباده الذين أكرمهم بما في هذه المائدة في هذا الشهر المبارك، أن يجعلنا من عباده الذين أنار قلوبهم، ونور بصائرهم، أن يجعلنا من عباده الذين أهلهم لمحبته. أنتم تعلمون أيها الأحبة في الحديث القدسي المشهور : >من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، وإن سألني أعطيته، ولئن إستعاذني لأعيذنه< وفي رمضان فرض خاص على مستوى خاص، فرض تمنع فيهأمور وتحرم فيه أمور هي حلال في غيره، فيرتفع فيه المؤمن ارتفاعا خاصا في الفريضة نفسها، ثم فيه نوافل ليست في غيره كقيام الليل طيلة الشهر، هذا ليس إلا في رمضان ولذلك فلنتعامل مع هذا الشهر المبارك التعامل الذي يليق به وينبغي له، والتعامل الذي يرفع درجتنا عند الله تعالى.

نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم صيامه وقيامه، ويرفع درجتنا ودرجتكم عنده، إنه نعم المولى ونعم النصير.

{ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم}(البقرة : 127- 128).

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.  آمين والحمد لله رب العالمين.

د. الشاهد البوشيخي

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *