الخبرة الطبية وأثرها في ثبوت النسب ونفيه في المنظور الاسلامي


2- اعتماد الخبرة لإلحاق الولد بغير الزوج

تحدث دث الدكتور محمد التاويل في الأعداد السابقة عن أدلة عدم جواز اعتماد الخبرة لنفي الولد عن الزوج منها : أنه مخالف لكتاب الله ولقضائه ، ويواصل الحديث عن اعتماد الخبرة لإلحاق الولد بغير الزوج في حلقة ثالثة

الشبهة الثالثة :

الاستدلال بأثر عمر رضي الله عنه

يعتمد أصحاب هذه الشبهة على ما روي عن عمر ] من أنه كان يلحق أبناء الزنا في الجاهلية بآبائهم. كما رواه مالك في الموطأ عن سليمان بن يسار أن عمر بن الخطاب] كان يليط أولاد الجاهلية بمن ادعاهم في الاسلام، فأتى رجلان كلاهما يدعي ولد امرأة، فدعا عمر بن الخطاب قائفا، فنظر إليهما فقال القائف : لقد اشتركا فيه، فضربه عمر بن الخطاب بالدرة، ثم دعا المرأة فقال : أخبريني خبرك فقالت : كان هذا لأَحَدٍ الرجلين ياتيني وهي في إبل لأهلها، فلا يفارقها حتى يظن  وتظن أنه قد استمر بها حمل، ثم انصرف عنها، فأهريقت عليه دماء، ثم خلف عليها هذا ـ تعني الآخر ـ فلا أدري من أيهما  هو. قال : فكبر القائف، فقال عمر للغلام : وَالِ أيهما شئت؟ (الموطأ بشرح المنتقى 116 ـ ورواه الشافعي في الام والبيهقي وسعيد بن منصور في سننه ورجال سنده ثقات إلا أنه منقطع فإن سليمان بين يسار لم يسمع من عمر).

بهذا الأثر ونحوه تمسك المطالبون باعتماد الخبرة الطبية والبصمة الوراثية في إثبات نسب أبناء الزنا والحاقهم بآبائهم الطبيعيين الذين خلقوا من مائهم.

وهو استدلال باطل واستنباط فاسد غير صحيح وتنزيل لقول عمر في غير موضعه، وجهل واضح بسر قضائه وحكمته، أو تجاهل متعمد لتضليل الناس والتشويش على الثوابت الإسلامية كما يتبين مما يلي :

أولا أن عمر] كان يلحقهم بمن استلحقهم بإرادته واختياره لما جاء في نص الرواية -كان يليط أولاد الجاهلية بمن ادعاهم في الاسلام- ولم يكن يلحقهم بمن ينكرهم ويتبرأُ منهم ومنْ عَلاقته بأمِّهِمْ كما يريد هؤلاء المدعون.

وثانيا فإن عمر] لم يكن يلجأ للقافة إلا عندما يقع النزاع بين رجلين كل واحد منهما يدعي أنه الأب الحقيقي لهذا الولد المتنازع فيه، كما يدل عليه قوله في هذا الأمر فأتاه رجلان كلاهما يدعي ولد امرأة.

أما عندما يكون النزاع بين رجل وامرأة تدعي المرأة أن ولدها حملته من فلان وينكر فلان ذلك ويبرأ من ولدها فإنه لا مجال للقافة في هذه الحالة ولا لما يقوم مقامها من الخبرة الطبية والبصمة الوراثية كما يدل على ذلك ما يلي :

– ما رواه سعيد بن منصور في سننه أن زيد بن ثابت] كانت له جارية فارسية يطؤها ويعزل عنها فجاءت بولد فأعتق الولد وجلدها الحد، وقال : إنما كنت أستطيب نفسك ولا أريدك. وفي رواية قال لها : ممن حملت؟ قالت : منك. فقال : كذبت (سنن سعيد2/65)

– ما رواه في الاستذكار عن عباس أنه أنكر ابنا له من جارية وحدَّها

– ما روي عن شريح أن أمه ادعت على سيدها أنها ولدت منه، فسألها البينة أنها ولدت على فراشه.

ووجْهُ الدليل في هذه الآثار كلها أن الولد المتنازع فيه بين أمه وبين سيدها لم يُعْرض على القافة لاثبات نسبه او نفيه، فدل ذلك على أنه لا مكان للقافة أو ما يقوم مقامها عندما يكون النزاع بين الأم وبين من أحْبَلَها، وإنما يلجأ إليها عندما يكون النزاع بين رجلين في ولد كل يدعي أنه أبوه.

– وثالثا فإن موضوع النازلة التي قضى فيها عمر] بالقافة كانت الأم فيها أمة مملوكة ـ رقيقا ـ كما يؤخذ من لفظ الحديث : >وهي في إبل لأهلها<، فإن هذا اللفظ ظاهرفي كونها مملوكة لأهل الابل، وإن كان الشافعي لا يرى في هذه العبارة ما يدل على رقّها، لكن الظاهر أنها كانت مملوكة، فالعربي لا يرضى لابنته أو أخته بتعاطي الزنا والاستمرار فيه من رجل إلى  رجل، خاصة إذا تذكرنا مقولة هند  عند البيعة : أو تزني الحرة؟ وقد كان العرب يدفنون بناتهم مخافة العار.

– وإذا كان موضوع قضاء عمر ولَدَ الأمة كما يقول المالكية فلا يبقى فيه حجة  لموضوع النزاع اليوم حيث لا رقيق، ولا يصح إلحاق أولادالحرة بأولاد الأمة وقياسهم عليهم، لأن أسباب الاشتراك في وطء الامة كثيرة بخلاف الحرة كما قال الباجي 6/14

– ورابعا، وهو الأهم ان السر في إلحاق عمر] أولاد الجاهلية بمن ادعاهم هو أن أهل الجاهلية كانوا يستحلون الزنا ويعدونه نكاحا مشروعا كغيره من الأنكحة الأخرى المتعارفة بينهم، يثبتون به الأنساب ويلحقون به الأولاد، ولا يرون في ذلك فرقا بين من يتزوج أمرأة ومن يزني بها، وبين من يولد من نكاح ومن يولد من سفاح. الكل أبناء لا حقون بمن أحبل أمهم، حتى جاء الاسلام، فأباح النكاح وحرم السفاح. روى البخاري وغيره عن عائشة] أنها قالت : إن النكاحفي الجاهلية كان على أربعة أنحاء. فنكاح مثل نكاح الناس اليوم. يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته، فيصدقها ثم ينكحها، ونكاح آخر كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها : أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع، ونكاح أخر يجتمع الرهط دون العشرة فيدخلون على المرأة. كلهم يصيبها.

فإذا حملت ووضعت ومرت ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم : قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت. فهذا ابنك يا فلان، تسمي من أحبت باسمه فيلحق به ولدها، لا يستطيع أن يمتنع منه الرجل.

ونكاح رابع يجتمع الناس الكثير فيدخلون على امرأة. لا تمنع من جاءها. وهن البغايا، كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علما، فمن أرادهن دخل عليهن. فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جُمعوا لها، ودعوا لها القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون فالتاطه به. ودُعي ابْنَه، لايمتنع من ذلك. فلما بعث محمد بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم. (البخاري بشرح الفتح 9/152-153).

هذا إذن المجتمع الذي ولد فيه أبناء الجاهلية, وهذا هو النظام الذي يحكمهم وينظم علاقاتهم الجنسية، نظام يعترف بشرعية الزنا ويرتب عليه آثاره.

فإذا ألحق عمر] من ولدوا من الزنا في الجاهلية بمن ادعاهم فلأنهم ولدوا في نظام يعترف بهم ويعتبر الزنا نكاحا من الانكحة كما سمته عائشة] حيث قالت : >النكاح في الجاهلية< وهم يعتقدون إباحة الوطء بهذه الطريقة وبهذه الصفة، والأعمال بالنيات، والأمور بمقاصدها، ولهذا يقول الفقهاء : النسب يتبع اعتقاد الواطئ حل الوطء وإن كان مخطئا في اعتقاده(مجموع فتاوى ابن تيمية 32/67).

خامسا أن عمر ] ألحق أولاد الجاهلية ولم يلحق من ولدوا في الاسلام من الزنا، ولا يصح الحاق هؤلاء بأولائك لوجود الفرق، وهو أن أهل الجاهلية كانوا يستحلون الزنا وأهل الاسلام يحرمونه، والنسب تابع لاعتقاد الواطئ الحل أو التحريم. فمن تزوج اخته من الرضاع وهو لا يعلم أنها أخته يلحقه أولادها منه، لاعتقاده إباحة الوطء، ومن تزوجها وهو يعلم أنها أخته وأنه يحرم عليه الزواح بها يُحَدَّ ولا يلحقه أولادها منه، وهذا هو السر في الفرق بين أولاد الزنا في الجاهلية يصح استلحاقهم، واولاد الزنا في الاسلام لا يصح استلحاقهم، وهو ما يفيده قوله   :  >لا دعوة في الاسلام<، ذهب أمر الجاهلية< فهو إعلان لوضع حد بين عهدين : عهد يستبيح الزنا ويستلحق أبناء الزنا، وعهد يحرم الزنا ولا يسمح باستلحاقهم كما جاء في الحديث الأخر : >لا مساعاة في الاسلام، من ساعى في الجاهلية فقد لحق بعصبته<. ومن هنا قال مالك رحمه الله فيمن أسلم اليوم واستلحق ولدا من زنا في كفره كان له حكم من أسلم من أهل الجاهلية واستلحقوا اولادهم من الزنا في الجاهلية ومثله لابن القاسم. وعلق الباجي على ذلك بقوله : ومعنى ذلك أنهم إذا استحلوا الزنا واثبتوا به الأنساب لم يُبطل الاسلام تلك الأنساب كالنكاح الفاسد فإذا ادعى ذلك بعد الاسلام حكم له بما تقدم له منه في الجاهلية (المنتقى 6/12).

والخلاصة أن الاستدلال بفعل عمر] وقضائه بإلحاق أبناء الزنا بآبائهم واعتماده على القافة في ذلك مردود من وجوه ستة.

1- أنه خبر منقطع لا يصح فقد رواه مالك وغيره من طريق سليمان بن يسار عن عمر وهو لم يسمع منه وإنما أرسل عنه كما قال غير واحد. وإن كان البيهقي قد حكم بصحة الخبر ووصله. (أنظر الإتحاف في تخريج أحاديث الإشراف 4/864).

2-أنه على تقدير وتسليم صحته ووصله كما يقول البيهقي فإنه موقوف. ولا حجة في موقوف عندكثير من الأصوليين والفقهاء.

3- على تسليم حجيته فإنه معارض للحديث المرفوع المتفق عليه. الولد للفراش، وللعاهر الحجر، وإذا تعارض الموقوف والمرفوع قدم المرفوع.

4- أنه على تسليم حجيته وعدم معارضته فإنه خاص بمن ولدوا في الجاهلية قبل مجيء الاسلام وتحريم الزنا كما قلناه سابقا فلا يتناول من ولدوا من الزنا بعد مجيء الاسلام.

5- أنه خاص بأولاد الأمة كما يراه المالكية ومن وافقهم. فلا يتناول أولاد الحرة.

6- وأخيرا هو خاص بمن تنازعه رجلان كل يدعي أنه ابنه، فلا يشمل من تُنازِع فيه أمه مَنْ زَنَا بِهَا، تدعي هي أنه ابنه حملته منه وينكر هو ذلك كما قلناه سابقا.

وهكذا يتبين أن الاستدلال بقضاء عمر لا أساس له من الصحة. ولا يعدو أن يكون تضليلا للرأي العام. وجدالا بالباطل لدحض الحق المبين يدخل تحت قوله تعالى : {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله، له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق}(سورة الحج).

الشبهة الرابعة :

الاستدلال بإنقاذ أطفال لا ذنب لهم

تتلخص هذه الشبهة فيما يحلو لبعض الناس ترديده من أن في إلحاق أبناء الزنا بآبائهم والاعتراف بنسبهم إنقاذا لأطفال ابرياء لا ذنب لهم فيما وقع، وأن حرمانهم من النسب عقاب لهم بجريمة غيرهم، يتنافى مع قوله تعالى : {ولا تزر وازرة وزر أخرى} وهي شبهة بالإضافة إلى افتقارها إلى سند شرعي فإنها تتضمن نقدا مبطنا للإسلام وشريعته. واتِّهاماً له بظلم أبناء الزنا حين حرمهم من النسب ولم يعترف ببنوتهم لمن ولدوا من أصلابهم ونطفهم، وهو امر في غاية الخطورة، وهي بالإضافة إلى ذلك شبهة زائفة يردُّها :

1- أن هذه المصلحة الملوح بها من إنقاذ أطفال أبرياء هي من المصالح الملغاة التي دل الدليل على إلغائها وعدم اعتبارها حين قال الرسول  : >الولد للفراش وللعاهر الحجر< وأكد ذلك حين قال : >أيما رجل عاهر بحرة أو أمة فالولد ولد زنا لا يرث ولا  يورث<، فسماه باسمه الصريح فالولد ولد زنا. ونفى عنه أحكام البنوة، لا يرث ولا يورث.

ومن القواعد أن المصالح الملغاة لا يجوز الأخذ بها، وبناء أي حكم لتحقيقها لان ذلك يشكل نوعا من المحادة لله ولرسوله.

2- أن هذه المصلحة زيادة على أنها مصلحة ملغاة فإنها معارضة بمفسدة راجحة عليها، لأن الاعتراف بنسبهم يؤدي إلى انتشار الزنا ويشجع عليه، ويفتح باب العهارة على مصراعه، لأن الزانية لا يبقى أمامها ما تخشاه أو تتخوف منه إذا علمت أن ولدها من الزنا سيلحق بالزاني وينسب إليه ويرثه، كما ينسب الابن الشرعي لأبيه، ومن القواعد أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. وأن ذرائع الفساد يجب سدها وإحكام غلقها حتى لا يتسرب منها الفساد.

3- أن ذلك يؤدي إلى التسوية بين النكاح والسفاح في ثبوت النسب ولحوق الولد، ولا يبقى فرق بين الحلال المشروع، والحرام الممنوع، ولا تبقى فائدة في تحريم الزنا والنهي عنه والمعاقبة عليه، والحث على النكاح والترغيب فيه ولا تبقى حاجة إلى المحافظة على الأنساب، وذلك كله خلاف المعلوم من الدين بالضرورة من التفريق بين النكاح والسفاح واعتبار المحافظة على الأنساب من الضروريات الخمس التي تكوِّن مقاصد الشريعة الإسلامية الطاهرة.

4- أن المقصود بعقوبة قطع النسب أصالة وبالذات لَيْسَ ابْنَ الزنا بل الزاني كما يوحي به قوله  : وللعاهر الحجر، أي الحرمان أو الطرد بالحجارة. فالعاهر هو الذي يُحْرَم من ثمرة فعله، وفائدة عمله، فالوالد يستفيد عادة من ولده ماديا وعاطفيا ودينيا، يُسربه، وينفق عليه، ويخدمه إذا عجز، ويدعو له ويترحم عليه إذا مات، فهذه الفوائد والمنافع وغيرها كثير يُحْرَم منها الزاني بقطع نسب ولده منه، واعتباره شخصا غريبا منه لا رحم بينهما، ولا نسب يجمعهما، ضاععمله وخاب سعيه، ولم يجْن من وطئه إلا الوزر والعقاب، بخلاف الزوج فله في وطئه الأجر والثوابُ والولدُ والنسب.

د. محمد التاويل

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *