من آداب طالب العلم


 

إن للعلم وطلبه فضلا كبيراً هو أشرف ما يشتغل به الإنسان تدريسا وتحصيلا، وفي هذا المجال يقول الله تعالى : {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} وقال  : >إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في حجرها، وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير<(رواه الترمذي). وقال أيضا >إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يصنع<، وعليه فلما كان العلم هو عبادة القلب وسر حياته، وموطن قوته كان لزاما على طالبه أن يحصل آدابه وأن يسعى جاهداً مشمرا في اكتسابها وإلا سار مشرقا وسار العلم مغربا وكان كما قيل :

سارت مشرقة وسرت مغربا

شتان بين مشرق ومغرب

فينبغي التفطن إلى هذه الآداب، فليست آدابا كأي آداب حصلت أم لم تحصل بحيث يكون الأمر سواء بل منها ما هو واجب على كل واحد في كل حين سواء كان طالب علم أو لم يكن، بل هي في حق طالب العلم آكد، وعليه أوجب وهي من الأهمية بمكان وأن توخذ بعين الاعتبار، ومن جملة هذه الآداب :

1- اخلاص النية لله في طلب العلم :

ولما كان من مقَرَّرات الشرع ومن مسلمات الدين أن الله عز وجل لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا وأريد به وجهه سبحانه، فقد نبه النبي  على عظم شأن النية، ووجوب تخليصها مما يشوبها من شوائب تفسد القصد وتحبط العمل.

وفي الحديث المتفق عليه الذي رواه سيدنا عمر بن الخطاب ] قائلا : سمعت رسول الله  يقول : >إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه<.

قال جمهور العلماء من أهل العربية والأصول وغيرهم : لفظة >إنما< موضوعة للحصر تثبت المذكور وتنفي ما سواه، فتقدير الحديث  إن الأعمال تحسب بنية ولا تحسب إذا كانت بلا نية.

وهناك قاعدة فقهية تقول : >لا عمل بدون نية< وقد تقرر شرعا أن الله تبارك وتعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم -كما سلف ذكره- والأدلة من الكتاب والسنة على ذلك كثيرة منها : قوله تعالى : {وماأمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين}.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله  : >من طلب العلم ليباهي به العلماء، ويماري به السفهاء أو ليصرف وجوه الناس إليه فهو في النار<(ابن ماجة وصححه الألباني). فعلى طالب العلم أن يحسن نيته في طلب العلم، وحسن النية في الطلب بأن يقصد وجه الله تعالى، والعمل به، واحياء الشريعة، وتنوير قلبه وتحلية باطنه، والقرب من الله تعالى يوم القيامة. قال سفيان الثوري في هذا الصدد رحمه الله : >ما عالجت شيئا أشد عليّ من نيتي< وإلا يقصد به الأغراض الدنيوية من تحصيل الرياسة والجاه والمال ومباهاة الأقران، وليعظمهالناس، وتصديره المجالس ونحو ذلك من الأهداف الدنيئة التي تجعله مستبدلا ما هو أدنى بالذي هو خير، قال أبو يوسف رحمه الله : >يا قوم أريدوا الله بعلمكم فإني لم أجلس مجلسا قط أنوي فيه أن أتواضع إلا لم أقم حتى أعلوهم ولم أجلس مجلسا قط أنوي فيه أن أعلوهم إلا لم أقم حتى أفتضح<.

2- التقوى :

ومما يجب على طالب العلم التحلي والالتزام به تقوى الله بما تحمله الكلمة من المعاني قال تعالى : {واتقوا الله ويعلمكم الله} وقد فسرت كلمة التقوى تفاسير عدة منها أن يجدك الله حيث أمرك وألا يجدك حيث نهاك. ويتفرع عن هذا ترك المعاصي، لأن للمعاصي والذنوب عامة آثاراً بالغة في الحرمان من العلم وفي محق بركته. قال ابن القيم رحمه الله وللمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة المضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله. ولما جلس الشافعي بين يدي مالك وقرأ عليه أعجبه مارأى من وفور فطنتةوتوقد ذكائه وكمال فهمه فقال : >إني أرى الله قد ألقى على قلبك نوراً، فلا تطفئه بظلمة المعصية<.

ومما يحكى من تأثير المعاصي على الذاكرة والقلب والحفظ معاً، أن الشافعي اشتكى إلى شيخه سوء حفظه قائلا :

شكوت إلى وكيع سوء حفظي

فأرشدني إلى ترك المعاصي

وقال لي إن العلم نور

ونور الله لا يهدى لعاص

وهذا ناتج عن نظرة مفاجئة أي غير مقصودة ولا متعمدة ومن الشافعي فكانت نتيجتها هكذا. فما بالنا بمن يقصد إلى ذلك متعمداً؟!.

وروي بإسناد عن أبي الأديان قال : كنت مع استاذي وأبي بكر الدقاق فمر حدث فنظرت إليه، فرآني أستاذي أنظر إليه فقال : يا بني، لتجدن غِبَّهُ ولو بعد حين، فبقيت عشرين سنة وأنا أراعي فما أجد ذلك الغب، فنمت ليلة وأنا أفكر فيه، فأصبحت وقد أنسيت القرآن كله (تلبيس ابليس).

3- الرفقة الصالحة :

ومما ينبغي لطالب العلم كذلك أن يحرص عليه اختيار الصاحب والرفيق بمعنى أن لا يخالط إلا من يفيده أويستفيد منه فالارشاد النبوي يقول في هذا الصدد : >المرأ على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل<(رواه الترمذي) وفيه دلالة على التأثر بالصديق، فعلى طالب العلم أن يختار من يحفظ له زمانه ويعينه على أمر دينه وآخرته، وقد قال الخوازمي رحمه الله :

لا تصحب الكسلان في حالاته

كم صالح بفساد آخر يفسد

عدوى البليد إلى الجليد سريعة

والجمر يوضع في الرماد فيَخْمُدُ

ثم إن قيمة الانسان يبرهن عليها صاحبه ورفيقه بمعنى أنه انطلاقا من أصحاب الشخص ورفاقه يعرف قدره، إن صالحون فقد يكون صالحاً وإن هم كانوا طالحين فهو طالح.

قال أحدهم :

أنت في الناس تقاس

لمن اخترت خليلا

وقد يقول قائل إني أدعو هنا إلى الانعزال والانزواء والانطواء، وأقول له لا يا أخي، إنما أدعو إلى الخلطة والانفتاح والاحتكاك بالآخر لكن بضوابط والله الموفق إلى الصواب وهو نعم المولى ونعم النصير.

وعكي لحسن

طالب بمعهد البعث الإسلام

للعلوم الشرعية -وجدة

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *