ملة إبراهيم دينٌ واتِّباع وليست إرْثًا تاريخيًّا يُسْتحق بالنسب


ملة إبراهيم هي الحنيفية -أي التوحيد الخالص- كما قال تعالى : {ومن أحسن دينا ممن أسلم  وجهه لله وهو  محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا}(النساء : 125)، وقال سبحانه واصفا حاله : {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين}(النحل : 120)، وأمر نبيه محمدا  وأمته باتباع هده الملة ولزومها، فقال : {قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا}(آل عمران : 95).  وقال : {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا}(النحل :23)، فملة إبراهيم عليه السلام هي الاسلام : {إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين}(البقرة : 131)، فالإسلام ملته، والمسلمون أتباعه، قال تعالى : {ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي  هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس}(الحج : 78)، وذم الله تعالى منحاد عن ملة إبراهيم، ورغب عنها، فقال : {ومن يرغب عن ملة   إبراهيم إلا من سفه نفسه{(البقرة : 130)، وكان ممن رغب  عن ملته اليهود، والنصارى، قال ابن جرير رحمه الله :”عنى الله بذلك اليهود والنصارى لاختيارهم  ما اختاروا من اليهودية والنصرانية على الاسلام، لأن ملة إبراهيم هي الحنيفية المسلمة.. ثم ساق بسنده عن قتادة : رغب عن ملته اليهود والنصارى واتخذوا اليهودية والنصرانية بدعة ليست من الله، وتركوا ملة إبراهيم، يعني الإسلام حنيفا، كذلك بعث   الله نبيه  محمدا   جامع  البيان  1/558.

فاليهود حرفوا التوراة، واستعاضوا عنها بتعاليم الحاخامات وتلموذ هم واستطالوا على الله ورسله، والنصارى اتبعوا بولس وهجروا دين المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام وقالوا بالحلول والتجسد والإبنية والتثليث، فأين هذا من ملة إبراهيم \؟ لما كان الأمر كذلك  برأ الله نبيه وخليله إبراهيم من اليهودية والنصرانية، فقال : {ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان  حنيفا مسلما}(آل  عمران : 67)، وانكر الله تعالى على اليهود والنصارى انتحالهم ملة إبراهيم والأنبياء من ذريته، فقال : {أم يقولون إن ابراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط  كانوا هودا أو نصارى قل آنتم أعلم أم الله}(البقرة : 14).

إذا تقرر هذا تبين أن ملة إبراهيم ليست إرثا تاريخيا يُسْتَحق بالنسب بل هي دين واتباع : {قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا}(الأنعام : 161)، فمعتنق  التوحيد  الخالص على ملة إبراهيم ولو كان من ذرية إسماعيل عليه السلام من العرب أو اليهود.

واليهود يزعمون أنهم ينالون شرف الإبراهيمية لمجرد النسب التاريخي، وأن الله أعطاهم عهدا مطلقا واختارهم، بصرف النظر عن التزامهم بملة إبراهيم، وهدا من كذبهم وإفكهم، فقد قال الله لإبراهيم لما جعله للناس إماما، وسأله قائلا: {ومن ذريتي قال لا ينال عهدي  الظالمين}(البقرة :   124).

وأما التفضيل الذي أثبته الله لبني إسرائيل في مواضيع من القرآن فهو تفضيل لهم على أهل زمانهم، حيث جعل الله فيهم الكتاب والحكم والنبوة، لكنهم لم يرعوا هذه النعمة ولم يشكروها، فسلبهم الله إياها، وجعلهم أرذل الأمم، حيث قال تعالى  : {وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب}(الأعراف : 167)، وأحل عليهم غضبه ولعنته، فقال تعالى : {ضربت عليهم  الذلة أين ما ثقفوا إلا  بحبل  من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة}(آل عمران  :112)، وادخر الله  هدا الفضل والخير لأمة  محمد  التي أحيا الله بها ملة  إبراهيم، فقال تعالى : {كنتم خير أمة أخرجت للناس}(آل  عمران  : 110)ـ فلا يقبل الله دينا سوى  الإسلام  : {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}(آل عمران : 85) وقال  : >والذي نفس محمد بيده، لا  يسمع بي أحد من  هذه  الأمة   يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار<(رواه مسلم153) والله أعلم.

ملة إبراهيم

وجاء قوله “ملة ابراهيم” عطف بيان على قوله “دينا” والملة وإن كانت بمعنى الدين إلا أن بينهما فرقاً بيَّنَه  الراغب في قوله : والفرق بينها وبين  الدين أن الملة  لا تضاف إلا إلى النبي  الذي تسند إليه نحو ملة  إبراهيم \ ، ملة آبائي، ولا توجد مضافة إلى الله، ولا إلى أحاد الأمة ولا تستعمل إلا في جملة الشريعة  دون آحادها، لدا لا  يقال : “الصلاة ملة ابراهيم”، وهذا  سبب إيثار “ملة” على “دين”، وقوله  {حنيفا} حال من “إبراهيم” والحنيف هو المائل عن الباطل  إلى الحق، عن الضلالة إلى الاستقامة، ومن هنا ترى وجه ارتباط   هذه الحال  بقوله سبحانه {صراط مستقيم} في الآية المذكورة.

وقوله : {وما كان من المشركين} اعتراض مؤكد لما فيه، له فائدته العظيمة في بيان نزاهة ابراهيم عليه   السلام من أية شائبة شركية : إن هذه الجملة مدح لتلك  المنة العظيمة  التي من الله تعالى بها على رسوله  وهدي الاسلام الذي هدى الله رسوله إليه، كما هدى إليه الخليل إبراهيم من قبل، وفي هذه الجملة أيضا تنقية لأصل الدين   ورأسه  من  مظنة الشرك وأوهامه، ومعنى هذه الآية كقوله تعالى : {ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين}(النحل : 123).

وليس يلزم من أمره  با تباع ملة ابراهيم عليه الصلاة والسلام أن يكون إبراهيم عليه السلام أكمل من   محمد  لأنه قام بها قياماً عظيما، وأكملت له إكمالا تاما ولم يسبقه أحد على هذا الكمال، ولهذا كان خاتم الأنبياء، وسيد البشر، وصاحب المقام المحمود عند ربه.

والدرس المستفاد من هذه الآيات هو وجوب الشعور بقيمة تلك النعمة الكبرى التي هدانا الله إليها دون عناء ولا جهاد ولا تضحيات كما فعل أسلافنا، وأن نشكر الله آناء الليل وأطراف النهار على تلك النعمة، وكفى بها نعمة.

مليكة أبو طالب

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *