الرسل عليهم الصلاة والسلام، والمدافعة بين ثقافة الرحمة وثقافة الاستكبار


4-  من ملامح الرحمة في الإسلام  2/2

كلية أصول الدين (سابقا) تطوان

..في هذا الإطار أيضاً قسم الإسلام العالم إلى أربعة أقسام :

1- دار الاسلام، وهي التي يطبق فيها الإسلام عقيدة وعبادة وشريعة، وتظهر فيها شعائر الإسلام، مثل صلاة الجماعة، والجمعة والأعياد، ورمضان والحج وما إليها.

2- دار الحرب، وهي التي تعلن الحرب على دولة أو دول إسلامية، أو على جماعة مسلمة في داخل نطاقها الترابي. مثلما هي الحال في اغتصاب الأرض من أصحابها الشرعيين، وكما هي الحال في الاحتلال، وكما هي الحال في اضطهاد الأقلية المسلمة.

3- دار العهد، وهي التي ترتبط بمعاهدة من أي نوع، مع دولة أو دول إسلامية، إما بطريقة ثنائية، وإما بطريقة الانضمام إلى المنظمات الدولية أو الاقليمية.

4- دار الحياد، وهي التي تلتزم بعدم الانحياز إلى أيّة جهة، لا تقف إلى جانب المسلمين، ولا إلى جانب أعدائهم، فهي تسالم جميع الأطراف، وقد عبر القرآن عن الحياد بالاعتزال، وعن الدول المحايدة بالدول المعتزلة : {فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا}(النساء : 89).

ولارتباط السلام في الإسلام بالعدل، أوجب الإسلام على المسلم أن يدافع عن نفسه، وعن دينه، وعن أرض الإسلام، وفرض الشهادة في سبيل الله، وللتعبير عن فكرة الدفاع كأساس للشهادة يستعمل القرآن كلمات القتال والمقاتلة ومشتقاتها، ولا يستعمل كلمة القتل فالجهاد إنما شرع لرد العدوان أو لدفع الفتنة في الدين، ولم يشرع للإكراه على العقيدة، {أُذن للذين يقاتَلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربّنا الله}(الحج : 37- 38)، {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدواإن الله لا يحب المعتدين}(البقرة : 189)، {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله}(البقرة : 192)، {لا إكراه في الدين قد تبين الرّشد من الغي}(البقرة : 2559، {أَفَأنت تكره الناس حتى يكونوا مومنين}(يونس : 99).

5- أما الرحمة الخامسة فهي تأسيس الحكم الإسلامي على التراضي بين الحاكم والمحكومين، بواسطة عقد البيعة الذي يجعله الإسلام من الفرائض، حيث يقول الرسول عليه الصلاة والسلام : >من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية<(1).

{إن الذين يبايعونك إنّما يبايعون الله يد الله فوقَ أيْديهم فمن نكث فإنّما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسنوته أجراً عظيماً}(الفتح : 10).

وبعد البيعة، تتم ممارسة السلطة بالشورى من طرف المحكومين للحاكم، وهي ليست اختيارية، وإنما هي ملزمة للحاكم، فقد أمر الله تعالى رسوله محمد  أن يشاور أمّته عند إرادة اتخاذ القرارات : {فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر}(آل عمران : 159) ثم ذكر الشورى بين الصلاة والزكاة  : الأمر الذي يدل على أن الشورى هي فريضة من درجة الصلاة والزكاة، أعني من أركان الإسلام : {والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون}(الشورى : 35).

على أن الشورى تلتقي مع الديمقراطية في عدد من الجزئيات وإن كان الخلاف جوهرياً بينهما في المنطلق، حيث إن الشورى تقوم على حكم الله تعالى، بينما الديمقراطية تقوم على حكم الشعب(2)، ومن جهة ثانية تشير الديمقراطية إلى أن السيادة كسلطة أصلية، تشتق منها كل السلطات، هي للشعب، بينما تشير الشورى إلى أن السيادة لله تعالى، لأنه الخالق المالك الحاكم، خاطب رجلٌ رسول الله  قائلاً يا سيد قريش فقال الرسول  : السيد الله(3).

ومقتضى كون السيادة لله تعالى أن مصدر التشريع هو الله تعالى ورسوله، وللأمة سلطة التنفيذ، وفي حالات الاجتهاد على الأمة أن تستنبط، وتستعين في ذلك بالقواعد والمبادئ العامة، وبمقاصد الشريعة، لا أن تضع التشريعات استقلالاً عن الله أو معاكسةً لمقاصده ونصُوصه : {إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين}(الأنعام : 58)، {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أُنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت(4) وقد أُمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلّهم ضلالاً بعيداً}(النساء : 59).

6- أما الرحمة السادسة فهي توفير حد الكفاية لجميع السكان بالتشغيل أو بواسطة التكافل الاجتماعي الملزم، فالرسول  يقول : >ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه، وهو يعلم(5) به<، ومن وسائل التكافل في نظام الرحمة الإسلامي فريضة الزكاة، وحق المحتاج في كل موارد الدولة {خُذ من أموالهم صدقة تطهْرهم وتزكِّيهم بها}(التوبة : 104)، {ما أفاء(6) الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كيلا يكون دُولةً(7) بين الأغنياء منكم}(الحشر : 7).

—–

1- صحيح الإمام مسلم، رقم 1851.

2- الديمقراطية كلمة لاتنية : (démocratie)، وهي مركبة من  : (Démo) وتعني الشعب، و(Cratie) وتعني الحكم، فهي حكم الشعب، ويلتقي هذا مع العلمانية التي هي فصل الدين عن الدولة : مع أن الحاكم الإسلامي هو نائب عن رسول الله  في حراسة الدين، وسياسة الدنيا به.

3- صحيح الجامع الصغير وزيادته، رقم 3594.

4- كل تشريع يخالف ما شرع الله تعالى أو شرع رسوله .

5- صحيح الجامع الصغير وزيادته، رقم 5381.

6- الفيء : ما يوخذ من العدو دون حرب، ويطلق بتوسع على كل مواد الدولة المسلمة من أمْلاكِها، أو تجارتها، أو من الضرائب التي يؤديها المقيمون أو المواطنون.

7- متداولاً فقط بين طبقة الأغنياء.

د. محمد الحبيب التجكاني

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *