الانتصار بين إرادة الدولة وتآخي المواطنين وثبات المقاومين


ما أجمل الحياة عندما يكون الانسان متحررا من عبودية الضعف، وما أبهى الوجوه عندما تسطع عليها شمس الحرية، وما أحلى الأيام عندما لا تطوي بين ساعاتها ودقائقها إلا المجد المؤتل، وما أطيب الطعام عندما يكون على مائدة الكرام، وما أعذب الكلام عندما يؤسس لحوار بناء، وما أغلى فلذات الأكباد عندما يرخصون طاعة الله عز وجل وفداء للوطن، وما أثمن من النصر على عدو الانسانية  إلا الحفاظ على ثمراته اليانعة الواعدة بنصر الأمة.

شارك لبنان بكل طوائفه في المعركة التاريخية أثناء العدوان الصهيوني، لم يبق مواطن على أرض الوطن لم يساهم في صنع الانتصار، حتى المرأة العجوز التي دق عظمها وكبر سنها دخلت في ميزان الصراع، حيث أدخلت تعديلات على صواريخ توازن الرعب، رغم نطقها المتهدج، لكن قلبها عامر بالإيمان وموقن بالنصر لدرجة اليقين، بقوتها بل بدعائها الدائم : “الله يهدّك يا إسرائيل”.

تحولت الأسر اللبنانية بكل أطيافها إلى أسرة واحدة اسمها أسرة  لبنان، وامتزجت العائلات اللبنانية بكل توجهاتها السياسية إلى عائلة واحدة تسمى عائلة الوطن، واختارت كل الأحزاب اللبنانية رغم التباين في مفردات خطابها السياسي حزبا واحدا : هو الدولة،  وعاد الساسة رغم حارة النقد وسلبية النقض إلى محضن الجميع وهي حظيرة الإنسان المكرم. إنها الثمرات الفضلى لحرب العدوان على الوطن التي يجب أن نحافظ عليها بعد أن ولى عهد “الضفادع” رمز الجيش الذي لا يقهر. وهنا يتساءل الواحد منا : هل نحن بحاجة كل حقبة تاريخية إلى وحشية صهيونية تأتي على الأخضر واليابس كي نتوحد بمواقفنا تجاه قضايا الوطن؟ هل نحن بحاجة إلى تشريد العائلات حتى نسعى إلى إيوائها؟

هل نحن بحاجة إلى استهداف طائفة ما بكل أنواع الهمجية اللانسانية حتى نثبت للعالمأن الطوائف في لبنان موجودة على قاعدة التنوع لا التضاد وعلى أساس الأخوة الإنسانية وليس العداوة الحيوانية؟

تخلت الحكومة عن كل حساباتها الخاصة تجاه سلاح المقاومة، لتقف مع المقاومة في مواجهة العدوان، لأن قتال المعتدي واجب وطني وفرض شرعي، توحدت كل المواقع الوزارية تحت مظلة وزارة “الدولة”، وهنا أذكر قيادة المقاومة في لحظة الانتصار على كل الذين ينتمون إلى معسكر حقوق الحيوان الوحشي، وأذكر كل الأحرار وكل من يحمل قضية المقاومة الوطنية والاسلامية أن يحافظوا على مقومات النصر خصوصا بعد تحققه، حتى لا نقدم في قابل الأيام على قتل حسّ المقاومة في أبناء مجتمعاتنا تجاه أي مقاومة تبنت مقاومة الأعداء، حتى لو طرح البعض آراء تخدم العدو إعلاميا، لأننا نعيش لحظة عاطفية جامحة رغم انتصارنا.

وحتى نحافظ على قوة ووهج الانتصار علينا أن نسمي الأشياء بسمياتها ما دمنا اخترنا أسلوب التخصيص بعد التعميم، فالاختلاف بالرأي يجب ألا يفسد للود قضية، ما دام الذي اختلف معي سيستمر على رفض العدوان ويعمل على إنهائه. وأذكر الجميع بقوله تعالى : {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون}، فالانتصار تحقق بتوحد ووحدة الموقف في مواجهة العدوان من قبل الموافق والمخالف على حد سواء. فكما تطالب أمريكا الظالمة بالعدل تجاه قضايانا علينا أن نمارس العدل تجاه مخالفينا سياسيا، فالعدل أساس التقوى، وبالتقوى تبنى الحياة الحرة غير المميزة بين الموافق والمخالف.

بذل المقاومون مهجهم لنعيش بكرامة، وثبت المجاهدون في مواقعهم لنعتز بوطننا، وبذل المناضلون ارواحهم لتحيا نفوسنا بعزة وكرامة، وغرس الصامدون في جنوب لبنان وأرض فلسطين بذور النهوض العربي والاسلامي المرتقب.

حفاظنا على وحدتناتجاه عدونا هو سر انتصارنا، وتمسكنا بأخوتنا هو لب قوتنا، وقبولنا لآراء مخالفينا هو أساس تنوعنا ونكهتنا في لبنان.

وعلينا ألا ننسى العدو الداخلي الحقيقي الذي تساهلنا معه عام 2000 عندما عوقب بالسجن ما بين شهر إلى ثلاثة أشهر بسجن مشفوع بدعم سياسي، وهذا هو المخالف الوحيد الذي يجب أن نحاسبه حتى في أرض المعركة. ولن يؤثر على قوة الوحدة وبهجة الانتصار لأنه خان الارض والعرض وكل القوانين الأرضية والسماوية.

> الأمان عدد 721

د. محمد خير فرج

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *