مـوقـف الاتـحاد من طـرد باكسـتان لطلاب العلـم


 

فيما يلى نص البيان  الصادر بتاريخ 11 سبتمبر 2005 الموافق 7 شعبان 1426 عن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين حول طرد طلاب العلم غير الباكستانيين من باكستان:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، وبعد،

فإن الاتحاد العالمي لعلماء المسلين قد تلقى بقلق بالغ الأنباء التي نشرتها جهات عديدة حول اعتزام الحكومة الباكستانية طرد نحو 1400 طالب غير باكستاني من طلاب العلم الشرعي في المدارس الدينية من باكستان وإعادتهم إلى بلادهم.

إن هذا القرار هو الأول من نوعه في تاريخ بلدان العالم الإسلامي كافة التي جرى العمل فيه دائماً على فتح أبوابها أمام الطلاب المسلمين، من جميع الأقطار، للتزود بالعلم الديني الذي تقدمه مدارسها وجامعاتها وعلماؤها، والتي وقف الخيّرون عليها الأوقاف ليستمر عطاؤها. وليس بعيداً عنا أن الأزهرالشريف يضم حتى اليوم أروقة تحمل أسماء البلدان التي يأتيه منها الطلاب فهناك رواق الشوام ورواق المغاربة ورواق التكرور ورواق دارفور وغيرها من أسماء الأقاليم الإسلامية، التي أوفدت أبناءَها على مر التاريخ إلى هذا المعهد العريق. والجامعة الإسلامية، في المدينة المنورة، تقوم بدور مقارب لما بدأه الأزهر منذ نشأته، ولا يزال مستمراً فيه حتى الآن. وقل مثل ذلك عن الزيتونة في تونس، والقرويين في فاس، والحوزات الكبرى في العراق وإيران والمدارس الإباضية في سلطنة عمان  وفي تونس وليبيا وشرق أفريقيا.

ويلفت نظر الاتحاد في هذا الشأن أن باكستان على وجه الخصوص دولة أقيمت باسم الإسلام لتحمي أهله وتساهم في حمل شعلة حضارته، ونشر فقهه وفكره، في شبه القارة الهندية وما حولها من البلاد، وقد أتاحت منذ نشأتها فرص التعليم الديني لمن وفد إليها، من أي بلد كان، وخصوصاً من البلاد التي يعيش المسلمون فيها أقلية. كما أنشأت الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام آباد لتتسع لأبناء المسلمين في آسيا وغيرها، ومن دلالات اهتمام باكستان بهذه الجامعة أنها يرأسها الرئيس برويز مشرف نفسه لتتمكن من أداء مهمتها على أكمل وجه ممكن وهو ما يدعو الاتحاد إلى تذكير سيادته بدوره هذا وضرورة أن يكون له أثره في إعادة النظر في قرار طرد طلاب العلم المسلمين من باكستان.

ولذلك فإن الاتحاد يهيب مجدداً بالحكومة الباكستانية أن تعيد النظر في هذا القرار، الذي نحمد الله أنه لم ينفذ حتى الآن، ويأمل الاتحاد مخلصاً أن تؤدي إعادة النظر في هذا القرار إلى احتفاظ باكستان بطابعها الإسلامي المعطاء الذي يمكن طلاب العلم من التزود منه في مدارسها وعلى أيدي علمائها، أداء لواجب التكافل والتضامن بين المسلمين جميعاً {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}(الحجرات:10).

ويذكر الاتحاد الحكومة الباكستانية بوجه خاص، وحكومات العالم الإسلامي بوجه عام، بأن النزول عند الرغبات الأجنبية التي لا تحركها إلا إرادات سياسية، لا تهتم بالشأن الإسلامي وأهله ودوله، إلا من وجهة نظر مصالحها الآنية الضيقة، أمر يضر ولا ينفع، ويهدم ولا يبني، ويضعف ولا يقوي.

وقد أخذ الله تعالى العهد على العلماء أن يبينوا ولا يكتموا وقال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ}(187).

وإعمالاً لهذه التوجيهات القرآنية يعلن الاتحاد قلقه العميق وأسفه الشديد للأنباء المتداولة حول طرد طلاب العلوم الدينية من باكستان ويقرر أن هذا القرار لا يتفق مع قيمنا الإسلامية، ومواريثنا الحضارية، ومع طبيعة جمهورية باكستان الإسلامية، ودورها الريادي في العالم الإسلامي، مع ما أوجب الله على المسلمين من التكافل والتعاون في ميادين الحياة، ولاسيما في ميدان التعليم والثقافة. والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، وأن القوي يأخذ بيد الضعيف، وواجب العالم أن يعلم الجاهل، وبهذا يكون المسلمون أمة واحدة كما أمر الله.

وفي الحديث >ما بال أقوام لا يفقهون جيرانهم ولا يعلمونهم ولا يعظونهم ولا يأمرونهم ولا ينهونهم، وما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم ولا يتفقهون ولا يتعظون؟ والله ليعملن قوم جيرانهم ويفقهونهم ويعظونهم ويأمرونهم وينهونهم، وليتعلمن قوم من جيرانهم ويفقهون ويتعظون أو لأعاجلنهم بالعقوبة في الدنيا<.

والمأمول أن ينضم إلى نداء الاتحاد بالعدول عن هذا القرار العلماء المسلمون كافة وأن تقوم الحكومة الباكستانية بما يوجبه عليها الشرع الحنيف من تمكين طلاب العلم منطلبه وتلقيه دون عقبات أو معوقات. {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}(الحج: 40).

والحمد لله رب العالمين

رئيس الاتحاد

الدكتور يوسف القرضاوي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *