قضايا المرأة بين الشرع والعقل


8- ضرب المرأة

ضرب المرأة الوارد في قوله تعالى : {واللائي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن}(النساء :34 ) الذي انصرف مفهومه لدى الكثير من الفقهاء والمفسرين إلى معنى اللطم والجلد والإذاية الجسدية والنفسية – كردع للزوجة حينما يظهر منها نشوز أو إعراض عن الزوج بعد الوعظ والهجر في المضجع وكذا ما يروى عنه  أنه قال :>لا يسال الرجل فيما ضرب امرأته< مما يتهم معه ديننا من لدن الخصوم بأنه ضد حقوق المرأة وكرامتها، فإنه يدعو إلى التأمل في إطار الحرص الإسلامي الشديد على دوام العشرة وتماسك الأسرة وقيامها على روح المودة والإخاء والتعاون على أداء الوظيفة السامية في تربية الأبناء وبرور أحد الزوجين بالآخر في الملمات وعند الكبر  . . .ذلك أن التسلط والقهر والإذاية بالضرب يودي إلى المهانة والإذلال، ويضعف الروابط الزوجية ويخلق الكراهة والبغضاء بين الأزواج من منطلق الإحساس بالضعف والاستكانة، مما يكون خطرا على استمرار العلاقة الزوجية ويدفعها إلى التفكك والانحلال وضياع الأولاد، وتعرضهم للتشرد نتيجة افتراق الأبوين وافتقادهم للعطف والرعاية والحنان  .

فهل نحمل “الضرب” الوارد في الآية الكريمة على المعنى المجازي اعتمادا على ما ذهب إليه ابن عباس ] من أن القصد هو المس “بالسواك” الذي لا يعني الضرب بمفهومه الحقيقي، واستبعاد مدلوله العقابي / الجلد الذي يحدث الإذاية والإيلام الجسدي والنفسي سبيلا لإعادة المرأة الناشز إلى سبيل الرشاد -الذي يفهمه الرجل من منطلقه الخاص الذي قد يجانب الحقيقة- عن طريق التعبير عن الغضب بعد الوعظ والإرشاد والهجر في المضاجع  ؟ .

إن فهم الضرب بهذا المعنى قد يتفق مع السنة النبوية القولية والفعلية للرسول  فما حدث بينه وبين زوجاته من خلاف بلغ أحيانا حد العصيان، دفعه إلىمفارقتهن وترك منازلهن مخيرا إياهن بين الطاعة على ما يرتضينه من العيش، أو الانصراف عنهن وتطليقهن وتسريحهن بإحسان {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن}(التحريم :5 )  .

فعدم ضربه  بأي شكل من أشكال الضرب الذي يؤدي إلى الأذى، والمهانة، وامتناعه عن الإذن لأبي بكر وعمر ] في ضرب بنتيهما اللتين أغضبتا رسول الله ، ومخاطبته وهو غاضب للرجل يضرب زوجته في نوع من الاستنكار ” يظل أحدكم يضرب امرأته ضرب العبد، ثم يظل يعانقها ولا يستحي “، وفي وراية أخرى : >لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم يجامعها في آخر اليوم <(1)، وقوله  >لا تضربوا إماء الله< والمراد بإماء الله النساء أي لا تضربوا النساء، حتى إذا جاء عمر ] إلى رسول الله  قائلا : ” ذئرن (اجترأن )” النساء على أزواجهن ورخصنا في ضربهن، طاف بآل رسول الله (أزواجه) نساء كثير يشكون أزواجهن، فقال رسول الله  : >لقد أطاف بآل بيت محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ليس أولائك بخياركم<(2) أي ليس الضاربون لأزواجهم أفاضلهم، لأن الضرب يوحي بضيق الصدر وسوء الخلق، ولعل هذا ما جعل بعض الفقهاء يرى بأن حكم الشارع بجواز ضرب المرأة منسوخ نسخا تمهيديا بمثل هذه الأحاديث النبوية التي توصى بالمرأة خيرا

ووجوب الأخذ بيدها والحفاظ على كرامتها كل ذلك يبين الأسلوب النبوي في إصلاح شأن المرأة الناشز وكيفية إعادة ترتيب شؤون الأسرة والبيت بما يحفظ كرامة المرأة، ويعصم الأسرة من التفكك والانحلال  .

والواقع أن الزوج العاقل المتزن الذي يضبط نفسه، ويملكها عند الغضب إذا راجع نفسه واستخدم عقله، فإنه لن يلجأ إلى الضرب مهما كان نوعه وشكله -بعد الوعظ والهجر- باعتباره سلوكا مشينا في حق الزوجة وإهانة لشخصيتها، ولهذا وضع الفقهاء قيودا يكاد يستحيل معها تحقيق الضرب، فقد تحدثوا عن نوع الشيء الذي يضرب به بحيث يكون لينا كالسواك، وحددوا قامته ومدى رفع اليد بحيث لا ترتفع إلى أعلى من شحمة الأذن  .

ومن الفقهاء من أدرج النص القرآني تحت قاعدة ” فهم النصوص الجزئية في إطار المقاصد الكلية “، كما قيده آخرون بالعرف، وحيث إن الضرب إهانة للمرأة في المجتمعات المتحضرة التي ترى فيه تدميرا للنفس وإهانة لها، جرى العرف فيها على عدم ضربها، والعرف كالشرط، فإنه لا يجوز اعتماده سبيلا إلى تقويمها خاصة والرسول  يقول :>استوصوا بالنساء، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء<(3) ، حيث بين أنه لا سبيل إلى إقامة الضلع إلا بكسره بحكم طبيعته -كناية عن عدم اللجوء إلى الضرب- وفي هذا ضياع للأسرة وتقويض لبنائها  . فإذا أضفنا إلى هذا ما ثبت عنه  من منعه أبا بكر وعمر ضرب ابنتهما عائشة وحفصة، في زمن كان الضرب فيه وسيلة تأديبية منتشرة وقوله  : >يا عائشة، كيف رأيتني أنقذتك من الرجل ؟<(4) يتأكد القول بضرورة فهم النص القرآني على أضواء سلوكه وسنته ، وكذا في سياقه العام، مع اعتبار ثقافــة العصر والواقــع المجتمعــي الذي تعيش فيه المرأة، وتنريل النص القرآني على هذا الواقع حيث يصبح العرف أساساً في فهم النص، وهناك من العلماء من يتمسك بظاهر النص القرآني ودلالته الصريحة على الضرب بمعناه الحقيقي، ولكنه يعتبره غير وارد في حق المرأة السوية ذات الفطرة السليمة، وإنما هو وارد في حق المرأة الشاذة التي يتسرب إليها نزوع نحو التمرد والعصيان يبلغ حد الاستهانة بحق الزوج، وبعد مرحلتي الوعظ والنصح والهجر في المضجع عند النوم  .

تبقى الإشارة إلى أن “الضرب غير المبرح” الذي جاء في خطبة حجة الوداع، ينصرف إلى النساء اللائي ياتين بفاحشة مبينة، لا إلى المرأة الناشز  .

————–

1-  رواه البخاري ومسلم  .

2- رواه أبو داود بإسناد صحيح  .

3-  سبق تخريجه  .

4- رواه البخاري ومسلم  .

ذ. عبد الحي عمور

رئيس المجلس العلمي بفاس

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *