على أبواب العطلة الصيفية : السفر بين العادة والعبادة


 

عبادة السير في الأرض

إن النفس البشرية تعشق التغيير وتميل إلى التجديد، وتحب التنويع، وترغب في الترويح، ولذلك رغب الله عباده المسلمين في السفر، والترحال، والتجوال، حيث تتفتح الأذهان، وتصح الأبدان، وحيث يكتشف الإنسان أموراً عجيبة في ملك الله، وأسراراً ربانية في ملكوته. قال تعالى : {أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم..}، {قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين}، {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق}.

والسفر ضرورة إنسانية واجتماعية، لابد منها لكل أمة عظيمة تريد النجاح والفلاح، وتطمح إلى الرقي والمجد والصلاح، ذلك أن السفر يجدد نشاط الإنسان، ويضاعف متعته، ويشحذ همته، وينور عقله، ويهذب طبعه، ويلطف أخلاقه، ويوسع إدراكه، ويزيده معرفة بأنواع البشر بمختلف العادات والتقاليد، ويمكنه من الاطلاع على الحضارات الإنسانية الأخرى، وهو كذلك فرصة للترويح عن النفس، فيزيل عن الإنسان همه، ويكشف عنه غمه، ويخفف عنه المتاعب والكروب والأحزان.

والسفر يقوي ثقة الإنسان بالله عز وجل ويزيده معرفة ويقينا به، ذلك أن الإنسان إذا توجه إلى بلد غير بلده، ورأى أرضا غير أرضه، وعاش طقسا غير الذي تعود عليه، والتقى بقوم غير القوم الذين ألفهم، ورأى تعدد المخلوقات، واختلاف الأجناس وتباين العادات، وعلم أن ذلك كله مخلوق لرب واحد، وخاضع لإله واحد، واطلع على عجائب ملكه وملكوته، وغرائب صنعه وتدبيره، وبدائع إحكامه وإتقانه، وما إلى ذلك مما يجعله معترفا لله بالربوبية الحقة والوحدانية المطلقة، والهيمنة التامة على جميع الأشياء، ازداد يقينه إجلالا لعظمة الله، ونطق بعبارات الشكر والثناء إعظاماً وإكباراً لله، فقال : {سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون}.

ترغيب الإسلام في السير في الأرض

ومن محاسن الإسلام وفضائله أن دعا المسلمين إلى السفر، وحثهم عليه ورغبهم فيه لأجل تحقيق أهداف نبيلة وغايات كريمة، وقد اعتاد الناس في بعض البلدان المتقدمة أن يخصصوا فصل الصيف للراحة والاستجمام لأنهم يقضون باقي فصول السنة في الجد والاجتهاد والعمل المتواصل والزيادة في العطاء والإنتاج وتلقي العلم والمعرفة، فيخلدون إلى الراحة ليسترجعوا الحيوية والنشاط والقوة حتى يكونوا على أتم استعداد إذا ما استأنفوا عملهم ونشاطهم، وحتى يكون عطاؤهم في السنة المقبلة خيراً من عطائهم في السنة الفارطة، وحتى يكون إنتاجهم أحسن مما سبق، وحتى يواكبوا التقدم الحضاري. لكننا نرى آخرين لا يُحققون من السفر ما أراده الإسلام، فهم قد يَخلدون للراحة لأن العمال أعياهم التعب والشقاء، ولأن التلاميذ والطلاب قد أرهقهم الجد والاجتهاد والسهر من أجل تحصيل العلم والمعرفة أو لأن الموظفين والمسؤولين قد أجهدهم التفاني في العمل والإخلاص في أداء المسؤولية.

إن فصل الصيف عند هؤلاء ليس كفصل الصيف عند غيرهم وإن الغاية من السفر عندهم ليست كالغاية من السفر كما رسمها الإسلام، وإنما هو استمرار لنمط واحد في الحياة في سائر الأوقات وعلى مر الفصول، فالخريف والشتاء والربيع والصيف سواء، مع فارق في الزيادة عند حلول فصل الصيف. حيث يمتاز فصل الصيف عند هؤلاء بالكثرة في كل شيء… تكثر الحركة، ويكثر السفر، ويكثر اللهو واللعب ويكثر العبث، ويكثر العري، وتكثر الحفلات والسهرات، وتكثر المواسم والمهرجانات والمسابقات، ويكثر الرواج في كل شيء، وإلى جانب ذلك تكثر أمور أخرى دون أن يستحضرالإنسان عواقبها أو يلقي لها بالا أو يعيرها اهتماما حيث تكثر الإباحية والمنكرات ويتجرد الناس من لباس الحياء والحشمة والوقار، ويضربون عَرض الحائط بكل القيم والأعراف والتقاليد. وكأن فصل الصيف هو مرحلة زمنية حرة ليس فيها قيد ولا شرط ولا ينضبط الناس فيها بضابط ولا شرع ولا دين.

فتجد الناس ومنهم حتى أولئك الذين كانوا يتسابقون إلى المساجد في رمضان ويزدحمون فيها لأداء صلاة التراويح ويكثرون من الدعاء والبكاء، ويحضرون صلاة الجمعة وحلقات الذكر والدروس والمواعظ وصلاة الجماعة، تجد هؤلاء وغيرهم يتوجهون في أغلب الأحيان إلى المدن الساحلية خاصة، فيملأون الشواطئ والمسابح والمصطافات، ويعرضون أجسادهم وأجساد أزواجهم وأبنائهم وبناتهم عراة إلى أشعة الشمس بغية احمرار الجلد لأن ذلك أصبح مظهراً من مظاهر التجمل والتزين وتستغلها بعض الجهات وبعض الشركات لإجراء أنواع من المسابقات مثل “مسابقة أحسن الفخذين ومسابقة اختيار الفتى الأكثر شطارة وقدرة على امتلاك عواطف الفتاة”.

وهي مسابقات ليس الغرض منها إلا ضرب القيم الدينية والتعاليمالإسلامية والأعراف الاجتماعية والتقاليد الوطنية، مسابقات يتم من خلالها عرض لحوم الشباب والشابات في عراء شبه تام مع تحريك الأجساد بالرقص الهابط والغناء الساقط والموسيقى الصاخبة في أجواء من الانحلال والتفسخ والاختلاط ولا ننسى ما ينتج عن ذلك من إثارة للشهوة في النفوس وتحريك للعواطف وتهييج للغريزة، فيسقط الناس في وحل الفاحشة، ويقع في قبضة المجاهرة بها ويصبح الوقوع في مستنقع الرذيلة افتخاراً واعتزازاً.

فلا تسمع في مجالس الناس ولقاءاتهم، ولا ترى في اجتماعاتهم ومسامراتهم إلا صنوفا من المنكرات، ومجاهرة بالفاحشة وإعلانا عن المعصية، وقد أعمى الهوى أبصارهم عن قول الحق سبحانه : {قل إن الله لا يأمر بالفحشاء} وقد قال الرسول  :>إن الله لا يحب كل فاحش متفحش<، وقوله  : >إن الله تعالى يُبغض الفاحش البذيء<، {أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم، والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم}.

إن المجتمعات اليوم أصبحت تعاني أزمة أخلاق وأزمة ضمير، وأزمة إنسان، وأزمة إيمان، ذلك أن النفس البشرية قد حدث فيها خلل كبير بسبب ضعف صلتها بالله عز وجل، فلم تعد تستحضر خوفاً من الله ولا خشية منه. وكأن الإنسان يعيش بعيداً عن مراقبة الله عز وجل. وقد أصيبت المجتمعات بفتنة ما بعدها فتنة حتى أصبح الحليم حيران وإنها لفتن كقطع الليل المظلم، أليس من الفتن أن ترى الناس غارقين في الملذات والشهوات دون وازع من ضمير ولا رادع من دين؟!.

ألم يصبح الحليم منا حيران عندما يستنشق نسمات الهواء الملوث بكل أنواع المعاصي والمنكرات؟! ألم يصبح الحليم منا حيران عندما يريد أن يخلد إلى الراحة قليلاً فلا يجد مكانا صالحاً للفسحة؟! ألم يصبح الحليم منا حيران حينما يريد أن يحفظ جوارحه فلا يجد سبيلا إلى ذلك؟!. بل إن واقع الأمة يرغمك على أن ترى ما لا يحل لك وأن تسمع ما حرمالله عليك دون مراعاة لشعور الناس وعواطفهم. ألم يصبح الحليم حيران حينما تتلقى في بيتك مجلات وجرائد إشهارية خاصة ببعض المحلات التجارية، وأنت لا ترغب فيها ولا حاجة لك بها ولم تطلبها ولم تؤد عنها ثمنا. وقد ملئت بصور  العري الإشهارية وهي تعرض عليك أنواعامن اللباس أو من المأكولات أو المشروبات؟! ألم يصبح الحليم حيران أن تجد في هذه المجلات وغيرها عرضا مفصلا لأنواع الخمور إلى جانب أنواع المشروبات الأخرى؟!.

فاللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهرمنها وما بطن. ألم يصبح الحليم حيران أن يشتغل الناس في نهاية الموسم الدراسي بمختلف المباريات والمسابقات والإقصائيات في الفن والغناء عوض تنظيم مسابقات في العلم والثقافة…

إن المجتمعات اليوم لفي أمس الحاجة إلى أن تعود إلى الله تعالى، وإلى أن تتأسى برسول الله  الذي كان المثل الأعلى والنموذج الأسمى في كل شيء، فلماذا لانتأسى به في حياته ، وقد كان أشد الناس حياء. فالحياء خلق نبيل يبعث دوما على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في أداء الواجب ويدفع إلى فعل الخير والجميل والإحسان.

قال رسول الله  : < الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، أفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان<.

والحياء يمنع المسلم الحق من أن يتصف بصفات لا تليق به، ومن خلاق المسلم أنه لا يحب أن تشيع الفاحشة في المجتمع الإسلامي عملا بتوجيهات القرآن الكريم والسنة المطهرة التي جاءت تتوعد أولئك المفسدين الذين يحلو لهم أن يهدموا كيان الأمة فيفسدون أخلاقها ويدنسون أعراضها قال تعالى : {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة}.

ذ. إدريس اليوبي

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *