الرسول  في رسائل النورسي


7- شواهد النبوة    2/2

واما الشهادات الخامسة والسادسة والسابعة والثامنة، فتمضي للتعامل مع حشد آخر من دلائل النبوة كعلاقته بالله سبحانه وصدق توجهه اليه، وارهاصات …التاريخ، ووقائعه وخوارقه التي سبقت البعثة …من مثل ارسال الطير الابابيل لترمي جيش ابرهة الذي اتى لهدم الكعبة، بحجارة من سجيل قبيل ولادته  وغيرها من الحوادث التي اخبرت عن نبوته قبل بعثته …وكذا المستقبل، اى الحوادث التي وقعت بعد وفاته واخبر عنها، وهي كثيرة جداً ومتنوعة جداً، من مثل اخباره بأستشهاد سيدنا عثمان …رضى الله عنه،.. وما شابهها من معجزاته في اخباره الغيبي الذي ظهر في ثمانين حادثة، مما نقل الينا نقلاً صحيحا استناداً الى كتب السير والتأريخ التي ذكرتها بالتفصيل،.

وتشير الحلقات التاسعة والعاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة الى شهادات اربعة طوائف ممنعايشوا الرسول  او تعاملوا مع رسالته بالصدق المطلق بالرسالة والرسول وهم آل محمد  ، وصحابته الكرام …رضوان الله عليهم،، وآلاف المجتهدين والائمة الاعلام والعلماء المحققين والفلاسفة الدهاة.. وصولا الى …رسائل النور، التي هي …واحدة من اولئك الشهود الصادقين في هذا العصر الذين لا يحصون ولا يعدون،، فضلا عن شهادة الاقطاب واصحاب الكرامات ورجالات الخبرة الروحية المتألقة في تأريخ الاسلام(1).

وتقدم الشهادة الثالثة عشرة حججا قاطعة مستمدة من تأكيد مشاهير البشر في الأزمنة الماضية على نبوة الرسول  وفي مقدمتهم الانبياء الكرام …عليهم السلام، فضلا عن …العارفين والكهان.. والروحانيين.. وكذا كثرة من المخبرين، الذين ارهصوا جميعاً بمجيئه وبصدق رسالته(2).

والشهادة الرابعة عشرة هي …شهادة الكون القوية، : ….. فهذا الكون كما انه يدل على صانعه.. الذي اوجده والذي يديره وينظمه.. فهو كذلكيستدعي لا محالة وجود من يعبر عما في هذا الكتاب الكبير من معان، ويعلَم ويعلّم المقاصد الالهية من وراء خلق الكون.. وتحولاته وتبدلاته.. ويجيب عن الاسئلة المحيرة.. من اين تأتي الموجودات والى اين المصير.. انه يقتضي داعيا عظيماً، ومنادياً صادقاً، واستاذاً محققا، ومعلماً بارعا. فالكون من حيث هذا الاقتضاء يدل ويشهد شهادة قوية وكلية على صدق النبي الكريم  وصوابه الذي هو افضل من اتم هذه الوظائف والمهمات وعلى كونه افضل واصدق مبعوث لرب العالمين..(3).

اما الشهادة الخامسة عشرة والاخيرة فتنطوي على جملة من الادلة والشهادات:

…اننا نشاهد بأعيننا في هذا الكون ان من عادة الربوبية الجارية في كل آن بالعدالة والحكمة والعناية، حماية الابرار وتأديب الكذابين الفاسدين نشاهدها ضمن تصرفاته المنتظمة جل جلاله. فبمقتضى افعاله الرحمانية انزال القرآن المعجز البيان على محمد  .. وحمايته تحتجناح رأفته الشفيقة.. في اخطر اوضاعه.. وتوفيقه.. وادامة دينه بجميع حقائقه وتتويج هامة الارض والبشرية باسلامه واعلاء مقامه الى ارفع مقام.. وكذا نشاهد من حيث افعال ربوبيته جل وعلا ان متصرف هذا العالم ومدبر شؤونه جعل رسالة محمد  شمساً معنوية للكون.. بدد بها جميع الظلمات، مظهرا بها حقائق الكون النورانية.. وجعله  احسن قدوة واعظم مرشد… للبشرية قاطبة بدلالة آثاره في الحياة الاجتماعية والمعنوية.. وجعل البشرية محتاجة الى دينه وشريعته وحقائقه التي اتى بها الاسلام حاجتها الى الرحمة والحكمة والعدالة والغذاء والهواء والماء والضياء.. كل هذه الحجج القاطعة شهادة سامية على الرسالة المحمدية(4).

الخاتمة

والآن، فاننا اذا ما رجعنا ثانية الى المادة التي يقدمها النورسي عن عصر الرسالة في المقاطع التي عالجها هذا البحث، فاننا سنجدها تتمركز في سياقين اساسيين يعالج اولهما واكبرهما مساحة، الموضوعات التالية:

…1، المعجزات …2، المعراج …3، الاخبار بالغيب …4، احاديث الساعة وثواب الاعمال. وهي جميعاً موضوعات غيبية لا تتعامل مع الحدث التاريخي المنظور للسيرة وانما تمضي الى جذوره ودلالاته الموغلة فيما وراء عالم الشهود.

اما السياق الثاني فيتناول – بايجاز – جوانب متفرقة من المعطى النبوي، سيرة وسنة ، من مثل:

…1، ضرورات الالتزام بالسنة النبوية والنتائج المترتبة عليه …2، منهاج السنة في مسألة محبة آل البيت …3، ملامح من الرسالة الاحمدية تمس المفردات التالية مساً سريعاً: الرسول  كدليل الى الله سبحانه، شهود الاثبات على رسالته، الاهداف الاساسية والتحولات الكبرى، القدرة على التغيير، الصدق المطلق، المصير البشرى والكونى، الحرص على انقاذ الانسان، ثم .. كتاب الله سبحانه باعتباره الشاهد الاكبر على نبوته .

وفي السياقين المذكورين بجل مفرداتهما، لا يلتزم النورسي خطا زمنيا في التعامل مع المعطى النبوى، ولا يحاول ان يمارس تغطية تاريخية كما انه لا يبذل جهداً ملحوظا في إعمال آليات الجرح والتعديل وعلم الرجال في التعامل مع الحديث ، ذلك انه يعتبر هاتين من مهمات المؤرخ ورجل الحديث، وان مهمته هي بالدرجة الاولى، اعادة قراءة السيرة في ضوء رؤية انتقائية تتجاوز الحركة في مدى الطول والعرض الى العمق الروحى.

ان النورسي – اذن – في مقاطعه الثمانية الاساسية عن عصر الرسالة، ولمساته السريعة المتفرقة هنا وهناك، لا يريد ان يكتب سيرة او تاريخاً، وفق منهج المؤرخين وكتاب السير ولا ان يعالج المرويات النبوية وفق منهج المحدّثين، ولكنه يمضي باتجاه آخر اقرب الى المنهج الحدسي الذي لا يخاصم المعطيات العقلية او يدير لها ظهره، وانما يتصالح معها – اذا صح التعبير – ويوظفها الى المدى الاقصى لتأكيد استنتاجاته، ومن ثم فان آليات التحليل والاستدلال والمقارنة، ترى دائماً وبحضور مكثف في رحلات النورسي عبر نسيج الظواهر النبوية.

نعم، انه يوظف المادة التاريخية، واكثر من هذا يعتمد …الحديث، في بناء مادته، لكنه يذهب دائماً الى ماوراء التاريخ، ويوغل باستمرار في دلالات الحديث وجذورها الضاربة في عالم الغيب.. وهو في الحالتين، بكشفه عن البطانة الروحية لاحداث السيرة، والبعد الكوني للظاهرة النبوية، انما يغني الدراسات المنصبة على السيرة، ويقدم المزيد من الاضاءات التي افلتت من بين يدى المؤرخ، ويمضى لسبر غور المعطى النبوى بما يوازى عمقه الحقيقي الذي يمكن ان نتصور طبقاته البعيدة بمجرد ان نتذكر واحداً فقط من احاديث الرسول  : …لو علمتم ما اعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً،(5).

ان النورسي ، انسجاماً مع منهجه في الرسائل جميعاً ينطلق من الجزئى الى الكلي ومن الموقوت الى الأبدي، ومن الفاني الى الخالد، ومن الظاهر الى المغيب.. ان معطياته تتجذر دائما فيما وراء الظواهر والموجودات والاشياء، ولكن ليس قبل ان تمر بها وتتعانق معها في وفاق مستمد من تصور الاسلام نفسه الذي تتلاشى فيه الحدود المتوهمة بين الثنائيات، والذي تلتقي تحت مظلته كل التقابلات والاضداد في وحدة كونية يصير فيها الانسان سيداً، والعالم جسراً للمضي الى الامام، والكائنات اطرافا للود والتفاهم، والحياة الدنيا فرصة للتحقق المجزوء الذي يعكس بالنسبة المحسوبة، الصيغة الكاملة او الحالة المثلى ليوم الحساب.

——-

61 نفسه ص 659-661 ولا بد هنا من الاشارة الى ان الوقائع الماضية والمستقبلية التي أشار اليها النورسي باحالتها على معطيات الحديث النبوي وضوابطه. يتعرض بعضها للتضعيف او الانكار، ويمكن في هذا المجال احالة القارئ على كتاب الدكتور اكرم العمري …السيرة النبوية الصحيحة، …مكتبة العلوم – المدينة المنورة – 1992، الذي يعدّ من اكثر الدراسات المعاصرة اعتماداً على منهج المحدثين في التعامل مع سيرة الرسول

62 انظر : الشعاعات ص 661- 663.

63 نفسه ص 633-666.

64 نفسه ص 665- 666.

65 نفسه 667- 668.

66 رواه الامام احمد والترمذي وابن ماجة.

أ. د. عماد الدين خليل

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *