الاتحاد العالمي للعلماء : المرجعية الإسلامية العالمية المرتقبة


 

إن قول الله سبحانه وتعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء}، وقول الرسول الكريم :>العلماء ورثة الأنبياء<، تحديدٌ لرسالة العلماء في الأمة، فأساسُ العلم خشية الله، لذلك قال بعض السلف :”كفى بالعلم خشية”… ورسالة العلماء هي تبليغُ رسالة الأنبياء في شؤون الدين والدنيا… لذلك فهم قدوة الأنام وطليعة الإسلام وحراسُ الشريعة وملحُ الطعام كما يقول بعضهم…

والراصدُ لتاريخ الأمة الإسلامية يجِد أن هذه الأمة تكون قوية ما دام علماؤها وأمراؤها في تعاون على الحق والخير ومصلحة الأمة، وما دام العلماء حريصين على العفة والورع والترفع عن الخضوع لدواع دنيوية ونوازع شيطانية.. وقد كان العلماء طلائع الجهاد وشهداء الواجب قديما وحديثا، وقد عرفنا قادة الجهاد ضدّّ ًا على الاستعمار من حلقات العلم بالمساجد والزوايا، كالأمير عبد القادر والأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي والأمير أحمد السنوسي، ويكفي أن يكون الشيخ عز الدين القسام قد أصبح في العالم الإسلامي عنوان الصمود والاستشهاد والتحرر بفلسطين…

ولقد كانت الأندلس قوية عندما كان العالِم يقف أمام الحاكم الظالم ويقول له :”إنك أسديت لي معروفا حتى أنك شيعت معنا جنازة زوجي ماشيا وواسيتني، غير أن ذلك لا يوجب أن أسكت عن الحق وأن أقول لك في وجهك: إني أبغضك في الله لما أنت عليه”، فيقول له الأمير، وقد سفك دماء علماء أجلاء :”وأنا أعفو عنك أيضا في الذي أبغضتني فيه”…

وعندما أفطر أمير أندلسي في رمضان عمدا لشهوة غلبته أفتى يحيى بن يحيى الليثي القرطبي الطنجي “بأنه يجب في حقه كفارة” وهي صومُ شهرين متتابعين، وكان المرابطون -وهم أقوى وأعظم دولة في تاريخ المغرب- يخضعون للشرع ويحترمون العلماء وذلك من عوامل قوتهم..

وما قلناه عنالمغرب يقال عن باقي العالم الإسلامي، ولذلك كان القياصرة والشيوعيون أول ما يفعلون عند احتلالهم بلدا مسلما نفي العلماء الذين لم يقتلوا بالرصاص إلى سيبيريا ليموتوا بردا وجوعا وإهمالا لكونهم قادة الجهاد والصمود والحفاظ على روح الأمة، وقد مات هناك بسيبيريا من بلد إسلامي واحد حوالي خمسمائة عالمٍ لم يبق منهم إلا واحد عاد إلى بلده قبل استقلاله عن روسيا وبه أحيا الله العلوم الإسلامية…

إن أهم ما يواجه العالم الإسلامي السني هو غيابُ مرجعيته العلمية الدينية الشاملة، في حين يوجد لإخواننا الشيعة مرجعياتهم المحلية والدولية ولهم تنظيم مُحْكَم يرعون به جميع شؤونهم، وقد شاهدنا حضور هذه المرجعية في إفريقيا وآسيا وأوربا وكندا وأمريكا اللاتينية… أما ما يطلق عليه “أهل السنة والجماعة” فليست لهم أيُّ مرجعيةٍ حتى أن الأزهر وهو القلعة الكبرى للإسلام والمسلمين شبهُ غائب عن كثير من قضايا المسلمين وضعيف التأثير في الأمة الإسلامية مع أنه القلعة الإسلامية العظمى، أما القرويين والزيتونة وغيرهما في العالم الإسلامي فحالتهما لا تخفى على أحد…

لذلك كان قيام اتحاد عالمي لعلماء الإسلام ينتظم جميع أهل القبلة ضرورة وفرضَ عين لا كفاية لتأسيس هذه المرجعية حتى لا تبقى الساحة فارغة، وتستمد هذه المرجعية شرعيتَها ونفوذها من التزامها بالحق وبأسلوب الحكمة والموعظة الحسنة، وهي وإن كانت دونَ مكانةِ المرجعية الشيعية التي استطاعت أن تجمع بين أيديها شؤون الدين والدنيا فإن مجالات عملها وهوامش نشاطها كثيرة لأن الفراغ هائل والغياب شبه كامل.

وأمام هذه المرجعية الضرورية عوائقُ وعقباتٌ ومصاعبُ ولكن حماسَ أكثرية العلماء العاملين في الساحة والحاجة الماسة التي يشعر بها المسلمون ولا سيما الشباب من أهم عوامل نجاح هذه المنظمة الجديدة التي نسأل الله سبحانه وتعالى أن يسارع المخلصون من قيادات العالم الإسلامي ورجالاتهم في السياسة والمال والمعرفة والنفوذ إلى مؤازرة هذا الاتحاد والتواصي معه بالحق والتواصي بالصبر، فإن النفعَ -إن شاء الله-  عائدٌ على الأمة كلها. ولعلَّ المؤتمر العام القادم في الشهر المقبل باسطانبول يشهد إرساء قواعد هذه المنظمة الاسلامية العالمية ويوفقه الله لمساندة الشعب الفلسطيني في تجربته الديمقراطية الرائدة مساندة تشل المناورات والمؤامرات الداخلية والخارجية، والعمل على إنقاذ الشعب العراقي من براثن الفرق المتوحشة التي تفتك به وتنشر خلاله الفتن، وعلى الدولة الاسلامية الايرانية التعاون مع منظمة الاتحاد وكذلك العناصر الشيعية المخلصة لجعل العراق مجال اتحاد المسلمين سنيهم وشيعيهم وتعاون ووئام بينهم جاعلين مصلحة الاسلام فوق المصالح القومية والطائفية الضيقة. ونعوذ بالله أن يتسلط على مثل هذه المنظمات العظيمة التي هي منصميم قوة الأمة النماذجُ البائدة السيئة في شتى المجالات التي ضيعت فلسطين ومزقت وحدة الأمة الإسلامية، وبثت الفتن خلالها، ونكّلت بالعلماء والدعاة وأذلت العلم والعلماء وحاربت الشريعة سرًّا وعلانية كما نسأله سبحانه وتعالى أن يوفق هذا الاتحاد للخير ويقيه شر نفسه وكيد أعدائه ويجعل فيه الخير الكثير والنفع العميم لأمة الإسلام آمين.

د. عبد السلام الهراس

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *